في الذكرى الرابعة لرحيله : وتبقى الكلمة (16)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد (ملف/37)

Zeki aljaber

إشارة :
تمرّ اليوم الذكرى الرابعة لرحيل الإعلامي الكبير والشاعر المبدع الدكتور زكي الجابر. تواصل أسرة موقع الناقد العراقي ملفها الخاص بالإحتفاء بمنجزه الشعري والإعلامي الفذ. ويهمها أن تشكر الباحثة السيدة حياة جاسم محمد على جهدها البارز في إثراء هذا الملف وديمومته، وتدعو الأحبة الكتاب والقراء كافة إلى المساهمة فيه.

النصوص : 

يتزامن ظهور هذه المجموعة من القصائد مع الذكرى الرابعة لرحيل زكي في التاسع والعشرين من كانون الثاني 2012.

ذاتُ الخمار، ذاتُ السوار
قالَ: ’’صِفْها‘‘
قلتُ: ’’ذاتُ الخمارِ
ذاتُ السوارِ
رَطْبةُ الشفتينْ
دَلُّ الدلالْ
عَينُها الساهيه
تنسجُ الحُلمَ بالحُلمِ
واللحنَ بالقافيه
كفُّها الكأسُ
باعَ النُواسيُّ ثوبَه
وافتدى من قميصها
عُروةَ الخيطِ،
لغةَ الوجدِ،
لثغةَ الراءِ،
خِفّةَ الروحِ،
اختراقَ المسافاتِ،
ارتخاءَ الإزارْ!!
النَدامى الذين لم يَعرفوهُ
غادروا الحانَ قبل أن يُثقَلوا بالدُوارِ
سفائنُ دجله
غرِقت في قرار القرارْ
في الحواشي الدماءُ
بعضُ الكتاباتِ،
بعضُ الطحالبِ،
بعضُ المحارْ
تستقرُّ الشظايا
في بطونِ الحواملْ
تتثنّى السِياطُ
فوقَ ظهورِ المُصلِّينَ في المساجدْ
تخترقُ الرصاصاتُ
رجعَ النواقيسِ بينَ الكنائسْ‘‘
وقالوا: ’’ستبكي السبايا‘‘
فلم يجدوا خلفَ ليلِ الجنونْ
غيرَ الزجاجِ المُلوَّنِ،
غيرَ احترافِ البكاءْ!
إيهِ، ذاتَ الخمارْ
إيهِ، ذاتَ السِوارْ
الصليبُ ’’الحلاّج‘‘(1) لم يَصلبوهُ
عَلَّقوا شِبْهَهُ(2)
عند جسرِ الرُصافه
تحاملَ في نشوةِ النشوةِ
في لذّةِ الجوعِ
وارتقى على طَرفٍ من جَناحِ اليَمامه!
رآه الأُلى رشفوها
عندَ التقاءِ النهاياتِ
يَعجِنُ الغيمَ
يُطعمُ البائسينَ خبزَ السماءْ!
***
قال: ’’صِفْها‘‘
قلتُ: ’’إني وصفتْ
فدعني هناكْ
عند التقاءِ النهاياتْ
إنَّ لي وَصْفَها
وخبزَ السماءْ!‘‘

(1) الحلاّج (توفي 309 هجرية) في بغداد، فيلسوف صوفي اتهم بالزندقة والقول بالحلول، فسجن ثم صُلبَ.
(2) إشارة إلى الآية 157 من سورة النساء حول صلب السيد المسيح.

عراقيات

بلاغ يومي
من أَجل الحزبِ
وبقاءِ السُلطةِ الثوريه
فلتتحطّمْ
نقاباتُ العمالْ
وتَنظيماتُ الفلاّحينْ
والطَلَبه
وليُشنَقْ
كلُّ الشعراءْ
كلُّ الرسّامينْ
ولتُحرَقْ
خَشباتُ المسرحِ
وسِتاراتُه
وليَعِشِ العُنفُ الثوريُّ
وشِعاراتُ الحزبِ الأزليّة!
للبيع
(1)
في المَزادِ العَلَنيّ
معروضٌ للبيعِ
أثاثُ الحزبِ،
مَطبعتُه السرّيّه
ألمنشوراتُ،
أقلامُ السكرتيرِ العامْ
واللجنةِ الثوريّه!
وجوازاتُ سَفَرٍ
مُتقَنةُ التزويرْ
الخاتمُ والطابعُ والتأشيرْ!
أوراقُ تواليتْ
وبعضُ الخَطَراتِ الشعريّه
سَطَرَها في يومٍ ما
بدر السيّابْ
يا بلال الحبشي
يا بلالَ الحَبَشِيّ
أنتَ لو ناديتَ في الفجرِ الجزيره
داعياً للهِ وافاكَ جوابْ:
“We are still playing cards and drinking beer.”
فانتظرْ حتى يلوحَ الفجرُ
ما بعدَ الظهيره!
كنّا وما زلنا
قَيساً ويمانِيةً
كنّا عَرَباً نقتتلُ
وما زلنا
نقتتلُ!
قاتِلْ حتى الموت
أيّها ’’اليانكي‘‘(1) البَطَلْ!
فتى ’’المارِينْ‘‘(2)
قاتِلْ بضَراوَه
قاتِلْ بضراوةٍ حتى الموتْ
فلن تَنهَشَ جسَدَكَ الغضَّ
حِيتانُ دجله
ولن تقضمَ أطرافَكَ سِباخُ السوادْ
فمثواكَ هناك بين أفوافِ الوَردِ
في مقبرة ’’أَرْلِنْـﮕـتِنْ‘‘(3)
يُحيّيكَ رفاقُ السلاحْ
ورصاصاتُ الوداعِ الأخيرْ
وإذا كان الضحايا هُناكْ
يَنالونَ عُضويَّةَ الحزبِ الشَرفيّه
فإنّ شَرَفَكَ أن تموتْ
من أجل حريّة شعبِ العراق!!(4)

(1) اليانكي (Yankee) الأمريكي عموماً، وأحد سكان الولايات الشمالية خصوصاً، وجنديّ فيدرالي شماليّ أثناء الحرب الأهلية تأريخياً.
(2) المارين (Marine) عضو قوة عسكرية مدرّبة على القتال في البرّ والبحر.
(3) أَرْلِنْـﮕـتِنْ (Arlington) مقبرة عسكرية أمريكية في محافظة أَرْلِنْـﮕـتِنْ بولاية ڤـيرجينيا، تضم رفات من قتلوا في الحروب الأمريكية منذ الحرب الأهلية.
(4) نقد ساخر لاذع للذات والآخر.

متى….؟
يَقتُلُ الكرديُّ أخاه الكرديّ
و’’البِيخالُ‘‘(1) دماءْ!
اللوزُ بلا لَبَنٍ
والتينُ رمادْ
وعلى الهَضَباتِ الممتدةِ
ريحٌ تبكي
وسراويلُ
ويَشاميغُ
وغِربانٌ تَتَقافزُ فوقَ الأجداثْ!
’’قابيلُ‘‘ هناك!
في مُنعطَفِ الوادي!
يدٌ تتناولُ كأسَ الويسكي
ويدٌ فوقَ الرشاشْ
ولَفّافةُ ’’مالبورو‘‘ بينَ الشَفَتيَنْ
يا وطنَ ’’الحدّادْ‘‘(2)
و ’’شيركوبيكَس‘‘(3)
يا مُنعَطَفاتِ ’’راوَندُوزْ‘‘(4)
يا قِمَم ’’شمرانْ‘‘(5)
متى أرى ’’النَوْروزَ‘‘ (6) يفتحُ أوائلَ الوَردِ
والملابسَ المزركَشَةَ
ترفُّ أجنحةَ حمائمْ
وأزهارَ النرجسْ
تَسكُنُ البَنادقْ
ويَدفنُ قابيلُ حِقدَه!
ويَجِدُ ’’هابيلُ‘‘ لَحدَه!
ونَشربُ سَوِيّاً يا كردستانْ
نبيذَكِ الأحمرَ حمرةَ الخجلِ
على وَجنةِ عراقيّة من بَناتِ البَصره!

(1) ’’البِيخال‘‘ شلال في شمال العراق.
(2) ’’كاوه‘‘ الحداد، من شخصيات الشاهنامة، وكان يدعو الناس للثورة وتبعه من المظلومين خلق كثير، ودُفن في إيران.
(3) ’’شيركوبيكَس‘‘ (1940-2013)، شاعر كردي من السليمانية، وُلد لأبٍ شاعر ومناضل، له أكثر من ثلاثين مجموعة شعرية بالكردية.
(4) ’’راوَندُوزْ‘‘ بلدة في شمال العراق.
(5) ’’شمرانْ‘‘ جبل في شمال العراق.
(6) ’’نَوْروز‘‘ عيد يقابل أول يوم في التقويم الهجري الشمسي (21 آذار) ويحتفل به الفرس و الأكراد.
قصائد للحبّ

وجد
لونٌ من الوجد في عينيكِ يَتّقدُ     لو أَتَّقيه انتهى قلبي وما يجدُ
أعيش فيه كأن اللهَ يجمعني        مع السموات حيث النبعُ والرَفَدُ
أعيش سكرانَ، كلُّ العمر أقطعُه   سكرانَ سكرانَ، لا غيٌّ ولا رَشَدُ
****
حبيبةَ القلب، يا دنيا العتاب، وما     يعذّبُ الشوق والحرمان والسَهَدُ
أكلّما أورَقَتْ في القلبِ أغنية         أتى عليها هجيرُ الحزن والكَمَدُ
وكلّما تفتحُ الأبواب أذرُعَها             إلى الجنان أتت من دونها رَصَدُ
****
يا من أتيتِ على دنياي رائعةً         نبعاً من الضوء والإلهام ينعقدُ
لا، لن يَجِفَّ رحيقُ الحب، فاتنتي،   وأنتِ زهرُ الهوى والعطرُ والشَهَدُ
بعضٌ من الودّ أرجوه وأرقُبُه            يا لون عينيكِ، أين الصبحُ والرَغَدُ
وليسلَمِ العيدُ في عينيكِ مُؤتلقاً     وإنني في لظى قلبي وما يَجدُ!

بغداد
3-10-1969

الغرابة في الهوى
هذا الهوى رُدّي عذابَهْ      رُدّيهِ لا تُرضي طِلابَهْ
منكِ العتابُ أُريدُه             والحبُّ ما أحلى عِتابَهْ
النارُ أقوى لو تُثارْ              والشوقُ تقتُله الكآبَه
لا تجعلي الشوق العَصُو     فَ يذود عن قلبي اضطرابَهْ
شُدّي على القلب العذابَ   وأنتِ أدرى ما الصَبابَه
قلباً يطوفُ على الغديرِ        ومقلةً ترعى انسيابَهْ
ويداً تُمَدُّ إلى السماءِ          وأين قَطرُكِ يا سَحابَه!
قُبَلُ الهوى يا حُلوتي          لَمّا تَزَلْ خَمري المُذابَه
عمراً طوينا والغرامَ             نطوفُ، من عَجَبٍ، رِحابَه
كلُّ الغرابةِ في الهوى         والوجدُ من سرّ الغرابَه
يُرمى إلينا بالسؤال            وفي العيون أرى جوابَه!

بغداد
27-1-1970

كلّ ما فيكِ سحرٌ
أنتِ لا زلتِ نشوةً وطفوله              وفماً دافئاً رشفتُ عَليلَه
رَشَفاتِ الحنانِ والحب والأشواقِ     والوجدِ والأماني الجميله
يا حياتي، وكلُّ ما فيكِ سحرٌ           أتَشهّاهُ عاشقاً تقبيلَه
قبلةٌ عند وجنتيكِ، وأخرى               بين نَهديكِ غَمغَماتٍ طويله
وليالي الأشواق ترقُبُ في عينيكِ     سحراً وروعة مجهوله
وحنيناً إلى الحنين ووجداً                يَتَصبّاكِ، لا رَويتِ غليله
****
إننا لم نَزَل عوالم خِصبٍ              وعطاءٍ وظلالٍ رخيّةٍ مبلوله
أيُّ شكوىً ولم نُذِبْها ِبحبٍّ           واعتناقٍ هزّ الليالي البخيله
وعتابٍ أَرَقَّ من سَلْسَلِ الما         ءِ عرفنا في سَكْرةٍ ترتيلَه
يا حياتي، سَلِمتِ لي، لمُحِبٍّ       ضَمَّ في قلبِه الهوى والرجوله
فارسٍ شاردِ الخيالِ مُغَنٍّ              ذاقَ من كأسِكِ الفَتُونِ شَمولَه

بغداد
27-1-1966
آهِ هيلانتي
آهِ، هيلانتي،
ربما تذكرينَ الفتى
على شفتيه غناءُ الجنوبْ!
هو الصحوُ ينسابُ في خَطوِهِ
ويختالُ نشوانَ بين الطُيوبْ
آهِ، هيلانتي،
إنها الذكرياتْ
وأوجاعُ أيّامها الخاليه
فهل تسأليني لماذا عشقتُكِ
دون النساءْ
لماذا وهبتُكِ عمري وشعري
وساءلتُ عينيكِ بعضَ العطاءْ
وألقيتِ رأسكِ يا غاليه
على الصدر مني!
وكنتِ العطاءْ
آه، يا غاليه!

الرباط
22-12-1989
يا هيلانه!
(1)
هل صحّتْ نبوءاتُ العرّاف؟!
يا تمّوز!
إحجبْ عن عينيكَ النورْ
واتبَعْ خُطُواتِ الريحْ
في صحراءٍ تتلاشى فيها الأطيافْ
فوراءكَ بحرٌ من دمعٍ
وأمامكَ ليل يلتَفُّ
بعباءاتِ الصمتِ
وحواليه يغنّي أنصافُ البُلَهاءْ
القمرُ العاشقُ من قِصديرٍ صَدِئٍ
والنجمةُ عنها انتزعتْ أثوابَ الأضواءْ
(2)
هيلانةُ عادتْ
تُطِلُّ بهالات النورْ
النورسُ ينثال جناحاً من فضه
بيديها صفحاتٌ زرقاءْ
تَنثرُها فوق البحرِ
أزاهيراً تتراقصُ فيها الأشذاءْ
فيختال الموج غناءْ
(3)
هيلانةُ، يا عُرسَ الأحلامْ
يا أحلى أنثى
يا ظامئةً للشوقِ
للقُبل الحرَّى
لخيالات الشِعرِ
لأوهامٍ لا تغربُ عنها الأوهامْ!
(4)
تمّوزُ هناكْ
في صحراءِ الزيفِ
بلا ضوءٍ عيناهُ
وعلى صدركِ صبحٌ من أضواءْ
بلا دفءٍ كفّاهُ
وفي كفّيكِ النارْ!
بلا ريٍّ شفتاهُ
وفي شفتيكِ الأنداءْ
يا هيلانه
هلاّ كذّبتِ العرّاف؟!
يا هيلانه!

الرباط
23-5-1994

كأسٌ للحبّ
(1)
تراءى رفيفاً
هنالك بين الغصونْ
وفوق ظلال الشَجَرْ
وفي قَطَراتِ الندى
على الزهرِ أبيضَ بين الحقولْ
تراءى لنا
لنرشِفَ للحبِّ كأساً
لنوقِدَ شمعه
لنَضحكَ حتى نرى اليأسَ ضحكا
وحتى يعودَ الذبولُ
اخضراراً وشوقاً وهمسا
(2)
ينسابُ البردُ تحت ثيابِ الدفءِ
والرمل يتفجّر ينبوعا
والليل نجومْ!
وفاختةٌ تلتفُّ على الوحشه
تذوب حناناً، فتغنّي
مرحباً، مرحباً
عيدَ ميلادها

الرباط
2-10-2000

شاهد أيضاً

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

أمجد نجم الزيدي: سيرة المكان في رواية (عمكا) (ملف/14)

تستند رواية (عمكا)* للروائي سعدي المالح، على استلهام تاريخ مدينة عينكاوه، وحياة السريان في تلك …

سلام إبراهيم: أفكار حول الرواية العراقية للنقاش (2) حافظة للوحدة الوطنية (ملف/127)

في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل بخبث على تمزيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *