خضر عواد الخزاعي : الإنجاز الفني في واقعية القاص محمد خضير السحرية الجزء الأول : مجموعة “المملكة السوداء” قصة “المئذنة” إنموذجاً.

khudr awad 3في العام 1967نشر ماركيز رواية “مائة عام من العزلة” والتي اعتبرها النقاد فيما بعد مفتتحاً لجيل جديد من الأدب الروائي، عرف فيما بعد باسم”الواقعية السحرية”مازجت بين الخيال والايهام المفترض، والواقع، وان كان قد سبقه في ذلك، الكاتب الارجنتيني خورخي لويس بورخيس في روايته “التاريخ العالمي للعار”المنشورة في العام 1935.والكاتب المكسيكي خوان رولفو في روايته الشهيرة” بيدرو بارامو” المنشورة في العام 1955. والتي اتخذ منها الكثير من الكتاب العالميين، وخصوصا الكتّاب الأسبان والأمريكيون اللاتينيون أسلوباً حداثوياً للكتابة، لتنتقل العدوى في وقت متأخر الى الأدب العربي، كما في كتابات الروائيين والقصصيين المصريين، محمد مستجاب، وخيري شلبي، وخيري عبد الجواد، واللبنانيين، القاص والروائي الياس خوري. والروائي ربيع جابر، ومن العراق، الروائي والقاص جابر خليفة جابر، والروائي طه حامد شبيب، لكن قبل سنة من ذلك العام الذي نشرت فيه رواية”مائة من العزلة” بدأ القاص العراقي محمد خضير، بنشر قصص مجموعته الأولى “المملكة السوداء” في مجلة الاداب البيروتية، وابتدئها بقصة”الارجوحة” عام 1966. والتي اعتبرها النقاد في حينه نقلة نوعية في الادب القصصي العراقي والعربي، حيث لم يكن قد تبلور بعد مفهوم “الواقعية السحرية”بالمكتبات السردية والنقدية العربية، ومن يقرأ كتابات القاص العراقي المخضرم محمد خضير يدرك اهتمامه واشتغالاته على”الواقعية السحرية” كجنس أدبي، يجمع بين الواقع بمفرداته المادية العينية -/البيوت القديمة، المحلات البغدادية، الشوارع، الاسواق، المقاهي،دور العبادة،الانهار، البساتين، الجسور،الحانات،دور السينما، المسارح، الأزقة الضيقة، أسواق بورصة، مكاتب بريد، …/ وما ينتجه هذا الواقع،من/ علاقات انسانية، أسرة، صداقات، خصومات، معارك، وظائف، مبادلات تجارية، صفقات، سفر، انتقالات، كراهية، حب، سلطة، مواطنة، معارضة، أسرار، مواهب، أمراض، منازعات، حسد، تمنيات، طموح، رغبات حسية/ – والسحرية كرؤيا وإسقاط مفترض لما لاتراه العين، لكن يدركه الحس، بأسلوب فني، تغلب عليه السمات المنتجة للوحة التشكيلية/ اللون، مساقط الضوء،الظل،الحركة، الخطوط، خط الأفق، المديات المفتوحة، وبوقت مبكر، سبق محمد خضير، في ذلك الكثير من الكتاب في الوطن العربي والعالم،انطلق في كتاباته منذ مجموعته القصصية”المملكة السوداء”1972.وما تبعها في مجموعته”في درجة 45 مئوي”1978.وحتى كتابه الأخير”حدائق الوجوه.2008″ مروراً بكتابه “كراسة كانون.2004”. ومجموعته القصصية “رؤيا خريف.1995″ومجموعة “تحنيط.1998″ حرص على أن ينتهج لنفسه اسلوباً سرديا خاصاً، مازج فيه وباتقان بين الرؤيا التي تقترب من السحر والمثيولوجيا، وبين الواقع الممعن في الالتصاق بالبيئة المحلية العراقية، كحاضنة مؤطرة لبنية نصوصه السردية، وفي مجموعته القصصية الأولى”المملكة السوداء” الصادرة في العام 1972 عن وزارة الاعلام العراقية. نتلمس هذا الوله الذي يصل حد التماهي بين ما هو رؤيوي/ميتافيزيقي، لما وراء الواقع، وما سبقه، وما سيؤول اليه، وبين ماهو واقعي، لا تفرضه محضورات الانسياق مع الرؤيا، على حساب الواقع الظرفي، بقدر ماتفرضه حدود الواقعة، وانضباط الكاتب، في كونه يعرف متى وكيف يلم شتات رؤياه، ويركنها جانباً، ليسمح لحيثيات الواقعة/الثيمة، لتقود حبكة النص.
mohammad khdaierفي قصة “المئذنة” يبدأ القاص محمد خضير من آلية”رفض التسلسل الحكائي الموبساني” كما يصفها الناقد ياسين النصير، واستخدام البعد النفسي”السايكولوجي” في تصوير الشخصيات، وهو هنا يلتقط شخصيته الرئيسية المرأة، التي كانت قبل عام تمتهن الدعارة، في بيت زوجها الغائب. وهاجس واحد يسيطر على فكرها ويشغلها عن كل ما حولها، أن تستغل غياب زوجها، لتذهب لرؤية عشها القديم وابنتها حسنة، ذات السبع سنوات.”كما لو كانت في قعر ابريق … أنبأها خدر عينيها المفتوحتين كمحارتين طريتين انها ملقاة في برية تنتمي لعصر سحيق”. فليس هناك من مقدمات لما كان، فقط تلك اللحظة المرتبكة، بما تحمله من قلق واستذكارات عميقة، عن مئات الاقدام الشرهة التي ترتقي السلم، الى غرفتها، لتستبيح انوثتها، في عالمها القديم، دون الخوض في الكيفية التي تم بها الخلاص والانتقال الى بيت الزوجية”مئات من الاقدام كانت تدوس وجهها وشعرها وفخذيها لتحيلها هشيماً آخر النهار”. وفي منتصف الجملة/المعلومة، يتوقف السارد دون أن يقدم مبرراً، لتوقفه وقطع المعلومة، ليترك المخيلة للقاريء الفذ، لتنشط وهي تبحث، كما في لعبة”Buzzle” .”اضطررت لدخول المستشفى. لقد تضاعف ألمها القديم. ذاك الذي …/- أعرفه.نادي على حسنة”. وبأسلوبية ما يطلق عليه ميشيل فوكو”المركز الحيادي المتذبذب” أو السيادة على عتبة رؤيتين متنافرتين، ان يكون جزء من الكل، أو ضمن الكل، يقترب صوت السارد العليم/الخارجي، من الهواجس الروحية للمرأة، ليتحول في أكثر من مقطع، الى ضمير المتكلم، لكن بصوت السارد، فهذه ال”آه” العابرة، والتي يطلقها أحدهم، حين “سمعت أحد الرجال الذين مرت بهم يقول”آه” لايمكن أن نقرئها إلا بلسان المتكلم الملتاع. اشارة الى تنهيدة، أن تكون بذاكرة أحدهم، استرجاع لجزئية لايمكن لواقعيتها وحدثيتها الانية، إلا أن تكون آثمة في زمن غابر، فتلك ال”كأن البعض مازال يتذكرها”، تصبح محايدة. بين أن تنطق بلسان أحدهم، وبين أن تُسقَط كرد فعل ساكن، لما كان في روح المرأة، يتكرر هذا الطرح في مقطع آخر، للتأكيد على العوالم الروحية المستفزة للمرأة، التي لم تكن تحتاج وسط فوضى العالم الذي كانت فيه، إلا للشجاعة للاستمرار، هذا ما كان يهمها رغم تلك التلميحة التي أطلقها أحدهم في اعقابها، وهي تركب الباص، “انتظري”.
ومن ضمن تفردات القاص محمد خضير في اسلوبيته المتميزة، عملية اخراج النص السردي، من نسيج التدوين والاستقراء، الى عوالم الفن والمحاكاة، ولن يكون وقوف المرأة أمام المرآة مدعاة للأغواء، ولا طلباً لإشباع غريزة جنسية. بقدر ما أراد منه الكاتب أن يكون سرداً تشكيلياً، متعدد الزوايا والتكوينات، لكن بؤرته واحدة، جسد المرأة، المتماثل في أكثر من انعكاس صوري، محاطاً بسينوغرافيات مشهدية، لعوالم مغتربة عن ظرفية المكان، حيث تتحول الجارية والقطط والغزلان، المنسوجة على السجادات المعلقة على الجدران، الى سيميئيات تفضح بحضورها الكثيف والمركز، المكنونات الملغزة للمرأة وهي تستعد لمغادرة الغرفة، وفي هذه الجزيئية البسيطة، من الحياة اليومية للمرأة، والتي تماثلها ملايين التفاصيل المتشابهة، استطاع القاص محمد خضير ان يبتكر وبمفردات حرص على أن يبعد عنها، كل مسوغات الانفعالات الحسيّة، إنموذجا متقدماً، في أن يجعل من اليومي والعابر في حياتنا، رؤيا مؤسطِرة لتلك الوقائع وبحس تشكيلي.”وحين نهضت، وبتلك الخطوات المغمضة الشيقة صعدت الدرجات وفتحت باب السرداب”لم يكتب عن تلك الخطوات انها كانت”شبقة” بل جعل منها”شيقة”. ليبعد عن ذهن القاريء، التصور المبتذل، الذي سيقدمه له في المقطع التالي، والذي هو بمجمله، رؤيا سحرية، تمازجت فيها الصورة التشكيلية مع السرد لتصنع هذا التناغم الهارموني”وعلى جانبي النافذة كانت جواري السجادتين المعلقتين تبارك اشتياق القلب المدمر على مرآة منضدة الزينة، كما أن قطط وغزلان سجادتي جانبي الباب كانت تشارك في رقصة التآلف على مرآة الخزانة”.
kh mohamad khdier 3وفي رحلتها التي تهيأت لها، مستغلة غياب الزوج، تنطلق المرأة في دروب المدينة، متجهة صوب ساحاتها وميادينها، وقاطعة لشوارعها، ومندسة بين زحام أسواقها، لتصل البيت الذي غادرته قبل عام، وحتى وسط هذه البيئة السوقية المبتذلة/”الملجأ المحشور بالقمامة”.تنثال اللغة الصوتية الرصينة، ترجمة حسيّة لصور مؤوِّلة لما هو مغاير للواقع”أنتِ؟ فتاتي الرصينة؟”، لكن في الأدب:أن نكتب العالم ليس معناه أن نصفه أو أن نعبر عنه كما هو، كما يقول أدونيس، لكن يعني ان نخلق علاقات جديدة مع الكلمات والاشياء،ولن يكون بمقدور الكتابة التعبير عن الكائن الانساني أو عن الوجود، اذن لابد من إعادة التفكير في الكلمة التي نعبر عنها” . وليس هناك من نسق كتابي يماثل تلك التراتبيات الفنتازية في قصة “المأذنة”، أفضل من ذلك الاستقبال الروحي/بلغة بلاغية فصيحة، لاتمت لتلك اللحظة بصلة، غير أنها ولدت بحكمة سارد، وليس بعفوية المتكلم، عبّرت به، عن كل ما لم يقله القاص محمد خضير، تاريخ امرأة ولدت لتكون زوجة وأم، على الرغم من كون القاص محمد خضير، “أفضل من يكتب الجملة الشعبية” . كما يقول عنه الناقد ياسين النصير، ولن تكون “المأذنة” وعش اللقلق، الخرب المهجور، سيمياء لصناعة المعنى المزخرف بالخيبة”كنت أحسب أن أمكنتي القديمة ستبدو جميلة في عيني ثانية وأنها ستعيد لي بعض طمأنينتي”. بل مسك ختام لبداية كانت تحمل في طياتها، بذور ما انتهت اليه “وتوسلت كبلبل أُطعم فلفلاً كلا، كلا”.القاص محمد خضير،وفي سن مبكرة، في منتصف العشرينات من عمره، وبزمنٍ كان فيه الأدب القصصي العراقي، يتلمس العتبات الاولى للانطلاق من عقال، “الواقعية الاجتماعية الاصلاحية”، نجح في أن يؤسس لتيار وعيوي جديد، في الأدب القصصي العراقي، لم يستطع وطوال عقود، أن ينافسه على ريادته كاتب آخر، لما امتلكه من ملكات فنية لم تتوفر لغيره، في الأسلوب والتقنيات والرؤية الفنية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.