عدنان أبو أندلس : أُمنياتٌ صغيرةٌ :”بابا ويست” الجنَّة المغُلقة التي دَخلتُها بشِيفرة الصِّبي الإنكليزي “هينري”

adnan abu andalusلا أدري لماذا يحنُ أهلُ الشرق إلى الماضي ويلقبونهُ بـ “الزمن الجميل” رغم المعاصرة وبمواكبة حياتهم اليومية لمتغيرات الحاضر ! يستذكرون بنشوةِ الذي مضى ، ويشمئزون من الذي سيأتي ِ، على عكس أهل الغرب تماماً؛ حيثُ يرنون إلى المستقبل بعيون متلهفة بالترقب . إذنْ لا بد من وراء هذا التناقض سببا ً؟ قدّ تكون حالة الإستذكار هذه ِ؛ مقترنة بالعُمر الذي عاشوهُ بلذّة نفسٍ مطمئنة ، وبهذه السردية ربما أُوعز السبب هوتحكُم العُمرفيهِ .
هذا ما أتحسسه جلياً وكلَّما اختليت بذهنٍ صافٍ من إستذكاراتي التي اختزنتها ذاكرتي قبل نصف قرنٍ وبالتحديد في أوائل شهر آب وأواخر ستينيات القرن المنصرم . كنتُ في العقد الأول من عُمري وأواسط المرحلة الابتدائية ، صبياً متمرداً، نزقاً، مشاكساً حاد الطِباع وعبثاً حدّ القرف ،تَملّكني حبُ الإطلاع بفضولٍ عجيب ، مما ولدّت لدّي أمنياتٍ صغيرة كنتً ملهوفاً بتحقيقها ،تسلقُ قِمة جبلٍ عالٍ ، السَّفر بطائرةٍ والتطلع للأرض من هناك ، النزول في بئر عميقة والنظر من فوهتها إلى السماء ، رؤية البحر وامتداد زرقتهِ ، كلًها تحققت لاحقاً وبروية دونما أي جهد، ناهيك عن الطواف في محيط القرية وساحاتها وأشواكها والبحثُ عن أعشاش الطيور والجري وراء لُعاب الشمس والناس تغُطُ في قيلولة هانئة.
كان والدي يعمل حينها في شركة النفط ” آي بي سي ” في منطقة ” بابا ويست ” يروي لنا في جلساتنا العائلية واصفاً المنطقة ذاتها ، بأنها قطعة من الجَنة بثمارها وأطيابها وطيورها وأعشاشها وعشبها وماؤها وناسُها من الإنكليز، فكنتُ ملهوفاً وفاغراً فمي لهُ ، زاحفاً لهُ وأنا جالس بقربهِ ،ألتصق بهِ كي اسمع الكثير فبتُ فضولياً بحق ، لكن كدّر خاطري في خاتمة وصفهِ حين قال :” المنطقة مسَورة بأحكام وعليها حارسٌ شديد متأبطاً سِلاحهِ من الصباح وحتى المساء ، يراقب حتى الجُرّذي إن تسللّ إليها ” !خزنتُ هذا في الذاكرة جيداً لعلّي أحظي بما سردهُ أبي وأصريتُ بعناد وقلتُ بنفسي : غداً أنا لهُ ؛ سأبذل المستحيل من أجلِ أن أتسلل إليها حتى لو سُجنتُ إثر ذلك .
نعم حدث ذلك في ظهيرة قائظة من اليوم التالي ، وحالما هجَع أهلي ، تسورتُ سطحِ الدار وسرتُ في أزقة القرية المتربة ، وريحُ السموم تعصف الأشياء برقصة الغبار المألوفة . ما إن اجتزت حِدود قريتي مسافة كيلو مترين ، وهي المسافة الفاصلة بين القرية وسياج الشركة والتي أتعبتني بخطواتٍ قلقة حتى داهمتني أسئلةٌ حرجة ، تهديدات أبي المتواصلة ،توصيات أُمي المقنِعة ؛ ارتطام نظراتي بعيون الكهاريز المرعبة بأفاعيها المائية الملتوية ، وأنا معبأٌ بخوف أرتجف منهُ في حرارة آب اللاهبة .
واصلتُ المسير بإصرارٍ طفوليٍ مشاكس ،حالما اقتربت من السياج حتى حبوت بين الأدغال وزحفتُ على الأشواك كي لايراني الحارس ، اقتربت لاهثاً أتصبب عَرقاً؛ فإذا السياج ممتدٌ على طول مرمى العين مشكلاً حاجزاً بتقنية مُحْكمة , أمسكتهُ كفريسة تناولها الصياد من شبكتهِ بمشقةٍ ،جلتُ ببصري حول تُخومٍ المكان من خلال فتحاتهِ ، رأيتُ صبياً بعمري يركل كرةً ملونةً كرغباتي العقيمة ، راقبتهُ بحذرٍ وبنوعٍ من الحَسد الطفولي المقترن بغِيرة بريئة ،هممتُ أن أصيح عليهِ بلهجتي ” هيي ياولد ” غيرأن سبقتني مناداة أمهِ بلغتها المُدّمجة : ” هنري ، كام هير ” لم يأبه لها بل واصلَ لهوهِ ، قلتُ سأصيحُ مثلُها فناديتهُ حالاً بترديد ببغائي وبلهجتي : ” هرّي – كمن هير ورر “ما إن سمعني حتى جاء مهرولاً على إيقاع ” ورر ” والهواء يعبثُ بشعرهِ الأشقر ،يبدو أنهُ وحيدٌ في هذا المكان ؛ طيرٌ ذهبي مسجونُ ! ..لم نتكلم بل سِرنا حول السياج بقهقهات مكتومة لا تفضي لمعنىً ومتبادلين الحديث بإشارات فقط . نهذرم بحرف تارة وبكلمات مبهمة أُخرى . أشار لي مؤشراً نحو الثغرة المخفية في أسفل السياج ، إندسيتُ منهاُ خفيّة من أنظار الحارس الذي كان منشغلاً بتنظيف بندقيتهِ، ما سرتُ خطوة وكأني عبرتُ خط الإستواء وكأني في فصلٍ الربيع ، تلفتُ فإذا قريتي تسبحُ في الغبار و يحفها سرابٌ لامع ، تبعتهُ أتهادى بدشداشة بازة مقلمة، وهو يتقافز أمامي فرحاً بـشورت قصير وبقميص نصف ردن ، كنتُ أخطو بحرارة التحرر المبهمة والتي تلازمني إلى الآن .
كان المكان كما وصفهُ ابي وأكثر، جمالاً، ومتعة، وغرابة ، مساحات خضراء على مد البصر ، أشجارٌ معرورشة وأغصانٌ متدّلية مثقلةً بثمارها ، كانت الحديقة ولا بالأحلام ، زهورها ، أرصفتها ، سورها ، أرجوحتها التي أدهشتني بهزاتها المتتالية ، ما إن وصلنا بيتهُ حتى رشقتني نافورة لم أرها شكلها من قبل ، وحالما فَتح الباب حتى تدفق هواءٌ بارد منعش ، تلقفني كلبهُ الصغير يحتكُ بي ، قِطتهُ الثلجية تموء وراءنا وعيناها تختفيان بوبر منسدلُ على كتفيها ، أُمهُ الشقراء مستلقية على الأريكة ومتجرِّدة من ملابسها إلا الداخلية فقط !..، بين يديها كتابٌ تقلبُ صفحاتهِ بتمعنٍ ، لم تكترث بوجودي أبدا وهي بهذا الشكل الغريب ، بل ظلتْ ترنو إلي بعينين ذهبيتين أحسستُ فيهما الاطمئنان والترحيب معاً ، لم تتحرك من وضعيتها البتة ، هذرم لي بإشاراته التي أتقنتها حالاً بانها طبيبة في الشركة ، وأبوه ُمهندسٌ فحص البترول، كان منبطحٌ على العشبِ ويقابل الشمس بظهره الأحمر، كعلاج وقائي ، ممسكٌ بغليونهِ ينظفهُ ، وبين لحظةٍ وأخرى يكرعُ من كأس بقربهِ ، هو الآخر لم يتحسس مني إطلاقاً ، بل أومى برأسهِ وابتسم فقط . جال بي ” هينري ” في أرجاء البيت الإنكليزي بكلِ غرفهِ وكأننا من فرق التفتيش الرسمية ،أدخلني غرفتهِ الخاصة ، والتي جُمعت بها كل حاجاتهِ من سريرٍ وأدوات لهوهِ وملابسهِ وكتبٍ دراسية مرتبة بإنتظام ، بيتُ مؤثث على طرازعجيب ، فتح باباً وناولني منهُ طبقاً صغيراً من حلوى لم أذقْ سواها بعمري ، عرفت فيما بعد بأن الباب الذي فتحهُ هو ” الثلاجة ” والحلوى هي” الموطا ” ياحسرتي غبطةً ما بعدها غبطة ، إلا تأوهٍ كسيرٍ مشرعن! ،لم يكتف بهذا، بل دّس بجيبي المثقوب مكسرات متنوعة تسربت منهُ حالما سرتُ ، ما إن أكملنا الطواف في بيتهِ حتى هرعنا نتجول في الشوارع الفرعية للمنطقة والحدائق المزهرة والأوفياء البهيجة ، ننتقلُ من ظِلٍ لآخر كخرافٍ شاردة ، ما إن أعاكسهُ أو أقطع ثمرةٍ حتى يبدو انزعاجه في الحال ويتلفظ بـ ” نو ” حتى تحملتهُ بما يكفي وإلا أظهر مشاكستي لهُ فجأةً ، لكني إعتدّتُ عليها لأجلِ إشباع فضولي ليس إلا و رغم سروري بالرحلة داخل هذا السّور الأخضر .
في بابا ويست ” والتي سُميت “بابا الغربية ” فيما بعد ، كلُ شيء فيها يثير فضولي العفوي وعما سمعتهُ من والدي وعمال الشركة من أنها جنة افتراضية وكما قيل ” ما رأت عينٌ ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر”، وصلنا إلى المسبح حيثُ كانت الأجساد البضةُ اللامعة ترتجُ بمشيتها ، والصدور العامرة تتّرجْرج أعلاها ؛ وكأنهن َفقمات مستلقيات على ساحل بحرالشمال ، لم أُبالِ ذلك أبداً لصغر سني ، بل بدّرت من الشقراوات التمسد على رأسي ، وقبلات طائرة ارتطمت بخدي الملفوح بالشمس وأنا أتخطى الأجساد المطروحة على الأديم النّدي ، كانت النظرات تُثير الاستغراب بولوج هذا الصبي الريفي كإشارات إستغراب كنتُ اتحسسسها من تلاقي النظرات المتبادلة في ما بينهم بالتحدِّيق ، هذا ما إستفهمتهُ من عراقيٍ كان يزاول السباحة معهم ، قال لي : كيف دخلت هنا ، ومن الذي سمح لك بذلك ؟! أجبتهُ بأن صديقي هذا أدخلني كي أعلمهُ العربية . وقدّ ردّ عليهِ صاحبي وأقنعهُ في الحال ، سكتُ ولم يتفوه بعدها ، هزَّ رأسه يبدو قد أقتنع كونهُ رجل مسؤول في هذه المنطقة السكنية المحظورة لغير العاملين فيها ، فواجبهُ يتطلب التّقصي ،و لكوني صبيا لاأُثير إهتمام ما يخيفهم مني.
وخلال هذه الساعات كنا قد تجْولنا وطِفنا كل المنطقة ، من السينما – والنادي – ودارالإستراحة ، وملعب الكولف ومحطات لا أعرفها ، وأمكنةٍ لم أعد أتذكرها لتقادم السنين ، وتقافزنا فوق الأنابيب المكشوفة ، وحتى مقبرة الإنكليز الكائنة على منحدر روابي ” نفط داغ ” هي الأخرى لم تسّلم من بحثنا بأحجارها المركونة بزواياها منذ الخليقة ، حقاً كانت هذه الجولة والتي اعتبرتها فيما بعد بـ السندبادية – وأمتع سفرات العمر في حينهِ ، مدّتها ستُ ساعات صيفية باذخة في سمومٍ تُلهب مع توهجات نيران” بابا كركر” الأزلية ، كانت خاتمة الجولة اليتيمة بهجة ما بعدها بهجة ! ، حيثُ تواعدنا للغد الآتي بتكرارها ، وإفترقنا مع تلويح يدهِ عند معبر التّسلُل بـكلمة ” باي ” ورددّتها لأول مرة على لساني فكانت نغمة بلثغة موسيقية سهلة التلفظ .
في اليوم التالي وعلى الموعد المحدد ، إقتربتُ من السياج منتشياً كعادتي ، وما أفزعني إلا رَتقُ الثَغرة بأحكامٍ ، وإنطلاق صوت الحارس الأجش من هناك ، إرجع وإلا سجنتك ، أنت المسبب في مرض الصبي “هينري ” المصاب حالياً بضربة الشمس وهو الآن طريح الفِراش ، رجعتُ القهقرى وتعالت صيحات صاحبي عبر نوافذ غرفتهِ ” كمن هير ورر ” تتهادى كلما إبتعدّت أكثر، والتي أضحت أطياف ذكرى طفولية بامتياز، وعلى ما يبدو بأنها لن تتكرر أبداً في بلدٍ أمسى يميلُ إلى الترييف يوماً بعد يوم بذائقة خشنة، وسلوكية متحسسة من الأجنبي ،لذا فقدنا ملامح التلاقح والتمدن الحضاري وإلى الأبد ….
كركوك 13-1-2015 .
* بابا ويست- منطقة سكنية لكوادر شركة النفط في كركوك ولا تزال ،كان أغلب ساكنيها من الإنكليز ، وكأنهُ حيٌ سكني إنكليزي الطابع من الدرجة الأولى وبمضاهات أرقى منتجعات العالم ، هذا ماسردتهُ في قصيدتي .
.Baba West.*“

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *