توفيق التميمي : المفارقة بين «الهؤلاء» و«غارات الثور المُجَنَّح» (ملف/5)

tawfek altememi 2قد لايروق، كثيرًا، لكُتّاب الرواية، أو محترفي كتابة القصص أن يتطفل على عالمهم مفكر، أو معرفي تخصص في ميدان علم الاجتماع كتابة ً وتدريسًا لسنوات طويلة وله في ذلك مؤلفات عديدة وباع طويل.
ومن هنا تعد رواية «غارات الثور المجنح» للاستاذ عالم الاجتماع الدكتور سليم الوردي الصادرة عن دار ميتوبوزوميا نوع من المغامرة التي قد لايتلقاها الوسط النقدي بكثير من الترحاب او التشجيع، لا سيما ونحن نعيش في الثقافة العراقية ازمة عزلة وخصام بين فنون السرد من جهة، وبين فضاءات المعرفة المختلفة من جهة اخرى.
زمن الرواية تسعينات القرن الماضي التي ارتبطت بأيام الجوع وتغير ملامح الشخصية العراقية، وزحزحة جذور أصالتها القيمية، وبروز النزعات العدوانية في هذه الشخصية نتيجة الفاقة والحصار المزدوج لها، من النظام الرعوي، والعالم. المكان الذي انطلقت منه الرواية بوابة المتحف العراقي، وفي ذلك رمزية واضحة لما يعنيه اختفاء رأس الثور المجنح من غياب دفقة حضارية وعراقة تاريخية؛ تمثلها حضارات السومريين، والبابليين، والآشوريين العراقيين، تقابلها أمام بوابة المتحف العراقي ملامح صورة معاصرة راهنة ترسم أبعاد البؤس الاقتصادي والفوضى العارمة والانهيار في المنظومة الأخلاقية والاجتماعية التي أخذت تتهاوى تحت معاول الحروب والحصار والاستبداد. أمام ذلك يشحذ عالم الاجتماع خياله الأدبي، ويستنفر مخيلته الاجتماعية في رسم رواية قائمة على عنصري المفارقة والسخرية في آن واحد، تبدأ فور الإعلان عن واقعة اختفاء رأس تمثال الثور المجنح من أمام أبواب المتحف العراقي ومن ثم يتابع تنقلاته الافتراضية من مكان إلى آخر داخل العاصمة بغداد، مراوغًا كل الاحترازات الأمنية والإجراءات الاستباقية للقوات الأمنية للسلطة وأجهزتها التي تعجز عن كبح جماح هذا الرأس المسروق الذي يختار أماكن اختبائه وسقوطه فيها بعناية ورمزية لاتقبل اللبس. فمن ساحة علاوي الحلة الى روضة للأطفال الى تمثال الأم وهكذا… وتتعاقب مع هذه الانتقالات لرأس التمثال المختفي كشوفات مختبرية ونفسية لعوالم الانسان الذي يُظهر ملكاته القصوى في الخوف والرعب والنفاق الاجتماعي في ظل اجواء يخيم عليها رعب السلطة ووحشية أجهزتها القمعية مع انعدام فرص الحياة الكريمة واختلالٍ مُباغت لميزان القوى الاجتماعية، إذ تتفوق القوى الطفيلية التي تثري وتسمن في الحروب والأزمات الكبرى على حساب طبقات منتجة للحياة والقيم الإنسانية الكبيرة، وهذا ما حصل بالضبط في أجواء حصار التسعينات وهو زمن الراوية.
وأرى أنّ الروائي وعالم الاجتماع، أصلا، سليم الوردي تمكّن من الإمساك بثيمته بقوة حتى السطر الأخير منها، بغض النظر عن مدى تفريطه بأدوات الرواية وحرفية صنعتها التي لو توافرت لكان يمكن للرواية أن تحتل مكانة متقدمة في تاريخ المنجز الروائي العراقي المعاصر.salim alwardi
ربما كان اعتماده السخرية وحبك المواقف اللامعقولة، وسيلة تورية متعمدة لتحرير قبضة الكاتب في إطلاق العنان لمخيلة ترسم سردياتها اللامعقولة في فضاء يعج بالغرائب والعجائب؛ يختلط فيه الواقعي الفج بالمتخيل الأسطوري، ويندمج فيه التاريخ الموغل في العمق بيوميات البؤس والجوع الماثلة.
الهؤلاء… غلطة رقابية
تحيل رواية «الهؤلاء» قارئها المتتبع الى رواية صغيرة كانت قد أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام عام 1976للروائي المصري مجيد طوبيا، وقد أحدثت هذه الرواية، حال صدورها، صدمة وضجة في الوسط الأدبي العراقي، أكبر من حجمها الضئيل! بسبب الغرابة والمفاجأة بأن تتبنى وزارة الثقافة لسلطة البعث رواية تعج بالسخرية من رجال الأمن ومخبري السلطة، وترسم صورة كاركاتيرية لملامح وجوههم المرتعبة، وبطونهم المتكرشة، وقاماتهم المتقزمة، وكاميراتهم المخبّأة في أكمام قمصانهم، ورؤوس أقلامهم الحبر ليتجسّسوا بها على هواجس المواطنين وخفوق أحلامهم وأفكار تمردهم حتى قبل أن تولد.
لا أعرف، بالضبط، الظروف التي كانت عليها لجنة رقابة المطبوعات في هذه المرحلة، والتي أجازت هذه الرواية التي سبقت في أرشفة زمن الرعب البعثي الكارثي الذي سيحل على المواطن العراقي، بعد سنوات قليلة من صدور هذه الرواية.
في العبارة التمهيدية لروايته، لم يتمكن الروائي مجيد طوبيا من إخفاء ملامح رسالته التحريضية وهو يقول «رواية لا أساس لها من الصحة» لأن مثل هذه العبارات الدبلوماسية لا تنطلي على رقيب ماكر يتحسب كثيرًا لما يمكن أن يتمخض عن مثل هذه التعليقات التي لا تُغتفر بالنسبة لسلطة شبيهة بسلطة البعث. ومع ذلك، لم يفلت روائي «الهؤلاء» منها، فقد أصبح من المحظور عليهم حضور الاحتفالات والمهرجانات التي كانت تقيمها جوقة السلطة العراقية، ومن أبرزها المرابد التي تستقبل العشرات من المصريين، الذين تم شطب مجيد طوبيا من قائمتهم! وربما كانت السلطة تنتقم لنفسها في السماح بإصدار رواية «الهؤلاء» وبأثر رجعي. وربما كان طوبيا في منعه من الدخول الى بغداد، يدفع ثمن هفوة الرقيب الذي أجاز روايته التي مازال القراء يبحثون عنها حتى يومنا هذا.
لم يقدم مجيد طوبيا في رواياته التي جاءت بعدها، المستوى الذي قدّمته «الهؤلاء»، تلك الرواية التي نستعيد مفارقاتها، وسخريتها اللاذعة في رواية «غارات الثور المُجَنـَّح» لسليم الوردي، بالرغم من أنها تخلو ممّن يفكّر بطريقة بطل «الهؤلاء» المثقف الذكي الذي يريد تعميم فكرة مطابقة الأرض لدوران عقارب الساعة، وليس بعكسها، وهي الفكرة التي أودت الى اعتقاله ومروره بمراكز توقيف لانهاية لها، لغرض حصوله على براءة تُخرجه من هذه الورطة، غير أن الزمن ينتهي به إلى الوقوف على قبر يحمل شاهدة تحمل اسمه وتاريخ دفنه.
أمّا سليم الوردي فيباغت قارئه منذ الوهلة الأولى بالواقعة غير المعقولة بغياب رأس تمثال الثور المجنح واختفائه من مكانه والعثور عليه مرميًا وسط الطريق وهو يعيق حركة المرور اليومية وسط زحام علاوي الحلة وما يعقب ذلك من حصول استنفار أمني عالي الدرجة، لتجنب ما قد يترتب على هذا الحدث من تداعيات، يدفع ثمنها أزلام السلطة؛ حرّاس جمهورية الخوف!

*عن مجلة الإسبوعية 

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (الخاتمة) (15) (ملف/65)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

في تأمّل تجربة الكتابة
استعادة غسان كنفاني إبداعيّاً ونقديّاً
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/24)

ست وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في …

غسان كنفاني والكتابة للأطفال وعنهم
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/23)

ما زال غسان كنفاني مستعادا؛ مقرؤءا ومدروساً، على الرغم من مرور ثمانية وأربعين عاما على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *