التحديث في الرواية العربية
وين جين أويان
ترجمة د. صالح الرزوق

المحاور الناقد د. صالح الرزوق

wain jene

لاختيار الحداثة الغربية، فإنه على الماضي النفسي أن يستسلم، ولانتخاب “الأصالة” المتجذرة في “الماضي”، فإنه على “الحاضر” أن يتعرض للإفناء. والنتيجة، بمصطلحات برهان غليون، قطيعة في التاريخ العربي حتى يستحيل على الذات أن تتماسك. والمشكلة، كما فسرها حسن حنفي، موجودة في استحالة الاختيار: هل على الذات أن تطور نفسها من الحداثة ذات الطابع الغربي التي يفرضها الآخر، وأن تنفي نفسها من ماضيها الخاص، أم عليها أن تجذر نفسها في التقاليد الكلاسيكية العرب-إسلامية، حتى لو غربت نفسها عن الحاضر. ولكن كي نستعيد الاستمرارية التاريخية للذات، فإنه يجب علينا تخطي آخرية الآخر، لا أن نحطمه، أو نحطم الآخر بتعريفه، أو حتى برفضه، بل بدمجه في الذات. على سبيل المثال بإضفائه على الوطنية والثقافة التي أنتجها تاريخ له جذور في تطوير الذات. وعلم الاستغراب، وهو استجابة للاستشراق الذي اقترحه حنفي، لا يذيب الاستشراق، القوة الحافزة التي بها يتحول الآخر (الشرقي) إلى موضوع بواسطة الذات (الغربية)، وإنما يمتص الآخر (الغربي) في الذات (الشرقية)، ليجعل من الطرف الأول جزءا متضمنا في الطرف الثاني.
في هذا السياق، يأخذ “قلق التأثير”، البارادايم النظري الذي افترضه هارولد بلوم لتفسير النصوص الأدبية، المعاني الإشكالية. فهو يعمل في نظام مثاقفة في وقت يصارع فيه الكتاب العرب للتغلب على والتخلص من والتسامي فوق ورفض تأثير الموديلات الغربية. وفي نفس الوقت، هو يعاني من قلق غياب التاثير، فهو ليس متجذرا في جذور الماضي. لقد أصبح التناص، داخل الثقافة الإسلام عربية أو بين الشرق والغرب، استثمارا مقصودا، يجري كتاب النصوص حساباته بحذر قبل إعدامه. وبواسطة ترتيب الأشكال والموضوعات والتقنيات واستيرادها من التراث الكلاسيكي والإرث الاستعماري، يحاول الكتاب العرب تصحيح شمولية “الذات”. فهم يحاولون علاج الانقسام المفروض على ذاتية العرب- وهي مقاطعة للتواصل بين الماضي والحاضر- ومن خلال تكامل كليهما الوطني والتقاليد المستوردة، وبتحقيق أصالة متشابكة مع المعاصرة، وهو، مبدأ المعاصرة والانتماء للعالم.
وفقط بتوفر هذين العنصرين المتزامنين يمكننا التأكيد على شرعية الثقافة الرؤيوية الجديدة. وكذلك مؤسساتها، والتي تم تشكيلها من أجل حداثة عربية.
إن التزامن، في كل الأحوال، يخلق التوتر في كل من النصوص النقدية المكتوبة على موضوع الحداثة في الثقافة العربية والنصوص الأدبية التي تنتج في هذا السياق. والرواية العربية، كما ذكر عصفور، تواصل المحاولة لتصعيد علاقة “اطرد واجذب”بين قطبين من هذه المعضلة المعقدة ويسميهما- الذات والآخر، الماضي والحاضر، الشرق والغرب، القديم والجديد، والوطني والأجنبي- وذلك لاستكمال هويتها المتميزة والفريدة.
قطبا هذه المعضلات المتمفصلة لا يتوافقان بأسلوب نظامي. لو أن الأصالة تجذرت في الذات والماضي والشرق والقديم والوطني، فإن المعاصرة بالضرورة ستستقر في الآخر والحاضر والغرب والجديد والأجنبي. وهذه بكل وضوح إشكالية. العصرنة بالعربية تقابل المعاصرة، وتتضمن معنى أن تكون مع المرحلة، أن تكون في الحاضر والجديد. وهنا تصبح الأصالة متجذرة في نفس الوقت في الماضي والحاضر،في القديم والجديد، في التقاليد والحداثة. فما يعتبر أصيلا يصبح من ثمة موضوعا للإيديولوجيا، وتنافسا رؤيويا على حداثة العرب وأولوية ومصدرا لكل هذه الرؤى. والمصطلح، أصالة، يمكنه فجأة أن يتضمن الماضي والحاضر بالاعتماد على إيديولوجيا المدن.
وبالنسبة لمن يضع أهمية أكبر على الـ “هنا والآن” تعني الأصالة أن تكون متموضعا في المشاكل المباشرة الخاصة بالأمة/ الدولة التي تصارع للتغلب على القمع والمجاعة والتجاهل والفتن الطائفية والاحتلال العسكري وكله ميراث من الماضي والحقيقة أو الواقع.
وعليه هي مصدر الأصالة. وفي الخطابات الماركسية عن الرواية العربية، الماضي هو الآخر. والواقعية، لا العودة إلى التراث الأدبي للماضي، تؤشر على البداية الحقيقية للرواية العربية برأي بدر*، ماركسي، لأنه في الواقعية يمكن للمرء أن يجد علاجا لظروف العرب الآن. وهذا لا يدفعنا لنقول إن الغرب ليس هو الآخر بالعكس إن جزءا من واقع الأمة/ الدول هو الدفاع عن نفسها ضد هجوم مستقبلي للغرب حين أخذ شكلا من أشكال الرأسمالية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، ودخول العولمة.
ويقر محمود أمين العالم أن العالم أصبح تهديدا يرفع درجة مخاطر العولمة الأمريكية أو الكونية التي تهدد بإلغاء خصوصيات الثقافة الوطنية والهوية القومية الثقافية لمجموعة أجزاء هذا العالم الواحد.
والحل كما هو واضح أن لا تتخلى عن الخصوصية من أجل الكونية أو على الكونية في سبيل الخصوصية لأن العزلة والقطيعة عن البشرية حماقة، لكن ضياع الخصوصية والهوية انتحار قومي وثقافي.
عوضا عن ذلك، إن الجواب هو في أن تكون جزءا من العالم مع الاحتفاظ بتميزك، وأن تعمل باتجاه إنسانية مشتركة، مع مقاومة محاولات السيطرة وتحطيم الهويات الوطنية والثقافية. أو بكلماته، للدفاع عن الأمة/الدولة. فالأدب العربي يفصل مسيرة الأمة الدولة في تحقيق وإنجاز الخصوصية، التي تأتي من الخبرات المعاشة، وكذلك طموحاتها للعصرنة والانتماء للعالم.
وبالنسبة لمن يرى الأفضلية في مواصلة الماضي والحاضر فإن مسيرة التأصيل لا تعني ببساطة البحث عن جذور أو أصل للثقافة العربية أو الأدب العربي في التراث الثقافي للعالم العربي. ولكن تتطلب إعادة تعريف هذا التراث بحيث يمكنه احتواء الظاهرة الثقافية والأدبية الجديدة والتي استبعدت تاريخيا من القانون الأدبي: والرؤيا التقليدية للثقافة من أجل الذات. والتي أخذت شكل مشاريع تصحيح أو إصلاحات سطحية قام بها زعماء مسلمون ومثقفون عرب في القرن التاسع عشر مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده واستمرت حتى القرن العشرين وقادها على سبيل الذكر لا الحصر طه حسين وأدونيس وحنفي والجابري وطيب تيزيني، الذين ضغطوا من الداخل والخارج لتحويل الوضع ألى حالة ألحاح وجودي.
الموضوع ليس استبدال المحاضر بالماضي ولا القديم بالجديد، ولكنه أولا وأساسا اعادة بماء وعينا بالماضي والحاضر وما بينهما من روابط وعلاقات. وهذه طريقة تتطلب تخطيطا متزامنا لكل من التراث الفكري للماضي والمستقبل. والتخطيط للتراث الماضي النخبوي يعني إعادة كتابة تاريخه، وبالاستطراد، إعادة تأسيسه في وعينا، وابتنائه كتراث نستوعبه نحن، ولا يستوعبنا هو أو يفرض نفسه علينا.
أما التخطيط للتراث النخبوي من أجل المستقبل، فيعني تصميمه في ظروف متزامنة وتشاركية: التزامن مع التفكير المعاصر والتشارك لإغنائه وتوجيهه. وهذا هو معنى المعاصرة.
إن الحداثة العربية المعاصرة وهي بوهان على المكونات الأجنبية، تجد مشروعيتها على أساس جنيالوجيا بنائها، وبوادرها تجدها في القرن الثامن عشر، وبشكل ممهد للنصطلح المعاصر الذي يدل على الحداثة في اللغة العربية، ويميزها عن المصطلح القروسطي المحدث، الذي ورد ذكره بكل وضوح. وبالمثل، إن الانواع الغربية التي دخلت الادب العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين بحثت عن مشروعيتها في جينيالوجيا متخيلة لها جذور تمتد في التقاليد الادبية العربية الكلاسيكية. مثل هذا النوع من السيرورات والاساليب يعطينا انواعا واجناسا ادبية جديدة، مثل الرواية العربية، له مصداقية وأصالة تاريخية مشتقة من ” الذات”، وله سلطة تلعب دورا في تشكيل مشهد الثقافة العربية النعاصرة. وإن مشروعية هذا الصوت المسموع بدوره يلقى التحديات التي تتساءل عن مقدار الاصالة المتوفرة فيه، وبكلمات أخرى، كيف يلعب الادب المعروف والمستقر دوره في تشكيل الحداثة الثقافية؟.

وين جين أويان: أستاذة الأدب والفكر المقارن في جامعة لندن. معهد الدراسات الاستشراقية والإفريقية. ورئيسة تحرير مجلة دراسات شرق أوسطية. والترجمة بإذن من الكاتبة.

ترجمة: صالح الرزوق

شاهد أيضاً

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

المقولاتُ الكونيَّة الكبرى في شعر: د. ريكان إبراهيم

تسعى هذه المقاربة إلى استكناه المقولات الكونيَّة الكبرى في شعر د. ريكان إبراهيم التي وجدنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *