عبود الجابري : خالد جابر يوسف عاش عذابات الشاعر الحر في زمن السجود (ملف/4)

abod aljabiri“ظلمتني الدنيا، وأنصفني الله”، تلك هي الخلاصة التي يركن إليها الإنسان حين يجد نفسه وحيدا يجرحه العالم بالتجاهل، وتجرحه ذاته بالانشغال عن الدنيا، مكرها على إتيان السهو بشفراته الحاذقة، بسبب من الجغرافيا التي أودعته وطنا بلا بديهيات، فينتهي به الأمر إلى تساؤل مرير يختم به حياته: متى ينتهي هذا الكابوس ليتفرغ كل إلى مشروعه الشخصي، سواء مبدعا أو مثقفا، كما هو حال الناس في بقية أرض الله؟لم أعرف الرجل ولم يحدث أن التقيت به حتى أنني لم أفكر أن أبحث عن صورته من قبل، لكنه من الأسماء التي بقيت عالقة في ذاكرتي منذ كان عمري خمسة وعشرين عاما، والسبب يكمن في ضغينة صغيرة داهمتني حين سمعت أنّه فاز بجائزة يوسف الخال للشعر العربي عن مجموعته “بحثا عن المهب” عام 1988.

تخيلته محلّقا في عواصم العالم بفم ضاحك، وتخيلت العالم بساطا أخضر يمتدّ تحت قدميه، والناس من حوله يرمون له الأقلام كلما حاول أن ينام طمعا بقصائد جديدة، صحيح أن الأسى كان ناتئا بشكل ظاهر بين دفتي مجموعته الشعرية التي فازت بالجائزة، لكنها كانت ملاذا أوليا لنا نحن الذين كنا نحاول الانعتاق إلى قصيدة النثر حينئذ، وحين نثرتنا البلاد على السواتر نسيته هو وآخرين، أو إنني خبأت أسماءهم لأفكر برأسي المتلفت هناك، لكنه ما لبث أن بزغ في سماء غربتي منذ غادرت العراق، فتذكرت أني لا أعرف الرجل وما من ملامح يمكن استعادتها لأحن إليه، وتشاء المصادفة أن أعثر في إحدى مكتبات عمان على نسخة قديمة من مجموعته “بحثا عن المهب”، نسخة قديمة بالية متآكلة الأطراف جعلتني أضع يدي على قلبي وأبحث عنه في أجوبة الآخرين الذين لم أجد منهم سوى جواب واحد، خالد جابر يوسف، الطيب الذي آثر العزلة وتدبير أمور الحياة، على صخب الشهرة وضجيج الاسم، الذي كان يمكن له أن يكون مدويا، كأنما يرددون قصيدته التي اختار لها عنوان “لثغة”:

له صحراؤه يتقدم في متاهاتها سحلية تذكر بالمتحجرات.

يجرّ خلفه طابورا من الأزمنة وهو الذيانتهى في نهار الطعن إلى نتوئه ندبة صباه الخالص.

وكانت فاضحة تشبه انعكاس النهار لحظة القتل.

تقدم ولم يجد ما يعينه على التيه: قبوه ينتهيإلى مرآة أيامه.

kh khaled jaberوشرخاته مهندسةكأنما شهوة تقود سبابته إلى الجهة الصادقة،أو تمنعه من الاحتفاء بتلاشيه، في تلمس الحياة.لم أجد في كلمة الطيب سوى ما يحيل إلى أن الوطن/ الأب يحمل في غضون جبهته ما يشي بالقسوة المفرطة فيغدو أبناؤه طيبين بالإكراه، الطيبة وأسبابها الموجبة، نحن طيبون يا رب، طيبون بالفطرة لكننا نتشيطن حين نضمن من آبائنا التفاتة أو انشغالا بحديث أو صلاة، أما أن يكون المرء طيبا لدرجة مفرطة فإن ذلك يعني أنه يحمل في روحه أثرا لا يمكن نسيانه من سياط آبائه، بحثت عنه قبل عام في مواقع التواصل الاجتماعي فلم أجده، وقد قيل لي إنّه اتخذ من التصوف بابا للدخول إلى روح الله ليأنس بها فتأكد لي يقيني بحاجة الرجل إلى ما يشعره بالقوة إزاء الطغيان الذي عصر روحه، وقبل شهر واحد تماما وجدته يرسل لي طلب صداقة على الفيسبوك، فضحكت وبكيت، ضحكت لأنه حاول أن يعود إلى الحياة، وبكيت لأنني صدمت بما قرأت على صدر صفحته:

الحياة جميلة. ربما لم أعش جمالها كما ينبغي، لكنني شاهدته وتأملته وشعرت به. لا يضيرني بعد ذلك أن أموت. أناس جدد ينتظرون أن يعيشوا هذا الجمال ربما بشكل أفضل. شكرا يا رب.

هكذا تأكد لي أن الرجل يخجل من عودته إلى الحياة، أو ربما يخالجه شعور بالأسى لأن ما فاته منها كثير لا يمكن تداركه لا بالشعر ولا بالأصدقاء مادمنا نقاسي وطأة من يحتلون بلادنا من ذوي القربى الذين يتحصنون بالدين، وذلك ما جعله يعبّر ثانية عن وجعه بشكل أكثر وضوحا:

الخلل ليس في الدين كمنظومة قيمية وأخلاقية، بل في المتدينين أنفسهم، في نظرتهم القاصرة إلى حقيقته وجوهره وكليته، تلك النظرة الناتجة من الاجتزاء وسوء الفهم لسياقه العام بوصفه منظومة كلية، وفي تأليه رجال الدين أي اعتبارهم ممثلين لله على الأرض غافلين عن حقيقة أن رجل الدين مختص بالفقه وهو عمل عقلي يتعلق بالشريعة من عبادات ومعاملات وهذا هو دوره الحقيقي ولا أحد من الفقهاء زعم أو يزعم أنه يوحى إليه أو تتنزل إليه العلوم والمعارف من لدن الله، فهو حتى في هذا الجانب قد يبدر منه سوء فهم للعبادة كقول بعضهم “يستحب النظر إلى أرنبة الأنف حين السجود” لينشغل المصلي بأنفه بدل التوحد مع المعبود في حالة خشوع وكأن الصلاة صنم يعبد لذاته، أما ما عدا ذلك فهو كأيّ إنسان آخر ليس معصوما من الخطأ وقد تتجاذبه الأهواء والمصالح والولاءات الشخصية. ولنا في اختلاف رجال الدين واتباعهم من المتدينين من معتنقي الدين الواحد، بل المذهب الواحد، حتى وصل إلى حدّ التكفير والقتل باسم الله خير دليل على ذلك. وهذا لا ينطبق على الدين الإسلامي فقط بل على المسيحية كذلك والحروب الصليبية البعيدة عن روح المسيحية خير شاهد.

هكذا سننفق حياتنا الباقية صديقي خالد، في استحباب النظر إلى أرنبة الأنف حين السجود، ولعمري إنّه لسجود طويل لا ينتهي.

شاعر عراقي
عن صحيفة السياسي

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *