العدوانية في التحليل النفسي.. جاك لاكان
ترجمة: حسين عجة (الجزء الأول)

إشارة : في حدود علمنا لم يتقرّب أي مترجم عربي من آثار المحلل النفسي الفرنسي الشهير (جاك لاكان) وخصوصا في مجموعة مقالاته المسماة ecritics  ، وذلك بسبب لغته العالية وتورياتها وانزياحاتها المعقدة . وقد نُقلت عن لاكان مقاطع ومقولات ( في كتاب الدكتور عدنان حب الله مثلا ) أو دراسات مكتوبة عن أفكاره ( مثل الكتاب الذي صدر عن المركز القومي للترجمة ) . أما كتاب ( الكلام أو الموت ) للمحلل النفسي اللاكاني الشهير ( مصطفى صفوان ) فهو تأسيس فكري لصفوان على معطيات المدرسة اللاكانية وقد تتلمذ صفوان على يدي لاكان . لكن الأستاذ المترجم المبدع ( حسين عجة ) يقدم ترجمة وافية ودقيقة وصعبة لدراسة للاكان من ينبوعها الأصلي بجهد مضن وآسر في الوقت نفسه .. ويخص بها قرّاء موقع الناقد العراقي ..فأي امتياز رائع هذا ؟! .. تحية للمبدع حسين عجة ..

الجزء الأول

تقرير نظري قُدمَ في المؤتمر الحادي عشر للمحللين النفسيين الناطقين بالفرنسية، المجتمعين في بروكسل في منتصف شهر مايو/أيار 1948.
في التقرير السابق كنا قد قدمنا لكم الطريقة التي نستخدم فيها فكرة العدوانية (1)، في المعاينة السريرية « en clinique »، والعلاج « thérapeutique ». يبقى عليَّ القيام بالبرهنة أمامكم إذا ما كنا نستطيع الادعاء بتشكيل مفهوم علمي عنها، أي مفهوم بإمكانه موضعة أفعال قابلة للمقارنة في الواقع، وبدقة أكبر إذا ما كان بمقدور ذلك المفهوم تأسيس بعداً لتجربة يمكن بفضلها التعامل مع تلك الأفعال المُموضعةِ باعتبارها متغيرات « variables ».
يتمتع جميع الحاضرين في هذا اللقاء بتجربة تقوم على تقنية « une technique »، أي منظومة مفاهيم نتمسك بها ونخلص لها، أمّا لأن ذلك الذي
فتح لنا كل سبل هذه التجربة هو من قام بتهيئتها، أو لأنها تحمل العلامة الحيّة لمراحل ذلك العمل. وهذا يعني، كما نعرف، بأن تلك المنظومة المناقضة للعقائدية (الدوغماتية) التي يسندونها إلينا، تظل منفتحة ليس من جانب جاهزيتها فحسب، بل وأيضاً من جانب العديد من نقاط تمفصلها.
يبدو أن تلك الثغرات تتصل بالدلالة المُلغزةِ التي صعدها فرويد إلى مصاف غريزة الموت « instinct de mort » : شهادة، كطائر العنقاء، على الإحراج « aporie » الذي اصطدمت به تلك الفكرة العظيمة في أعمق محاولة ظهرت من أجل صياغة تجربة عن الإنسان في سجل البيولوجية « registre de la biologie ».
أن ذلك الإحراج قائم في صميم فكرة العدوانية، التي نقيس بصورة أفضل كل يوم الأهمية التي ينبغي منحها لها ضمن الاقتصاد النفسي « économie psychique ».
لهذا فإن مسألة الطبيعة الميتا-سيكولوجية « métapsychologique » للنوازع المُميتةِ قد وُضَعتْ دائماً على المحك من قبل زملائنا المنظرين، بيد أن ذلك لم يكن خالياً من التناقض، وغالباً ما كان ينطوي أيضاً على شيء من التقعيد « formalisme ».

لا أنوي هنا تقديم شيئاً آخر سوى بضعة ملاحظات، أو أطروحات كانت قد ألهمت تأملاتي منذ زمن بعيد من حول ذلك الإحراج الحقيقي في النظرية، وكذلك الشعور الذي تولد عندي بعد قراءة العديد من الأعمال المتعلقة بمسؤوليتنا حيال التطور الحالي لسيكولوجية المختبر والعلاج « laboratoire et de cure ». أفكر، من جانب، بالبحوث المسماة بالسلوكية « behavioristes » التي تبدو لي بأنها تدين في أفضل النتائج التي حصلت عليها (والتي تظهر أحياناً ضعيفة نوعاً ما مقارنة بالجهاز الذي تحيط نفسها به) للاستخدام الضمني الذي تقوم به غالباً للمقولات « catégories » التي أدخلها التحليل على السيكولوجية؛ ومن جانب آخر، بذلك النوع من العلاج -إن كان يستهدف البالغين أو الأطفال- الذي يمكننا وضعه تحت مفردة العلاج النفسي-الدرامي « psychodramatique »، والذي يبحث عن فاعليته ضمن مجال إزالة العقد « abréaction » في محاولة استنفاذها على صعيد اللعب، الذي قدم عنه التحليل الكلاسيكي، هنا أيضاً، أفكاره التوجيهية الفاعلة.

الأطروحة رقم 1 : تظهر العدوانية في تجربة ذاتية ضمن تكونها نفسه.
في الحقيقة، ليس من العبث العودة ثانية إلى ظاهرة تجربة التحليل النفسي. إذ غالباً ما يتمّ التغافل عن هذا التأمل، حين يتعلق الأمر بالنظر في المعطيات الأولية.
يمكننا القول بأن الفعل التحليلي يتطور عبر ومن خلال الاتصال اللفظي « communication verbale »، أي عبر الإدراك الجدلي للمعنى. لذا فهو يفترض، إذاً، وجود ذات « sujet » تظهر كما هي عليه حيال آخر « un autre ».
لا يمكن الاعتراض على هذه الذاتية كونها عتيقة، وفقاً لمثالية يشبعها النفساني « psychique »، وذلك بالتخلص منها بفضل الجهاز التسجيلي، الذي لا يضمن، بالرغم من ذلك، عدم الخطأ الشخصي في قراءة النتيجة.
أن الذات وحدها هي منْ يستطيع فهم المعنى، وبالمقابل، كل ظاهرة للمعنى تفترض الذات. ففي التحليل تعرض الذات نفسها باعتبارها قابلة للفهم وذلك ما يجري في الحقيقة : لا يشكل هنا الاستقراء والحدس المزعومين كإسقاطات الإلغاءات الأولية التي تعتبرها السيكولوجية، في أولى خطواتها على الدرب العلمي، مُتعذرةً. إذ سيكون ذلك بمثابة وضع عائق أمام لحظات الحوار المعزولة تجريدياً، فيما كان يتوجب على المرء بالأحرى اقتفاء حركتها : تلك هي مزية فرويد بقبوله بمخاطرها، قبل أن يسيطر عليها عبر تقنية صارمة.
هل يمكن لتلك النتائج تأسيس علم وضعاني « science positive » ؟ أجل، إذا ما كانت التجربة قابلة للتمحيص والضبط من قبل الجميع. والحالة هذه، ولأنها قائمة بين ذاتين تلعب أحدهما دور اللاذاتية المثالية (نقطة تستدعي أن نعيرها الانتباه فيما بعد)، يمكن إعادة تلك التجربة، بعد أن تكون قد تمت وتحت الشروط الضرورية وحدها التي تمكن أي بحث  متخصص من القيام بفحصها، مع ذات ثانية من قبل ثالثه. أن هذا المدخل الذي يبدو وكأنه تعليمي ما هو إلا تحويل عبر الإعادة، لا يستوجب الاندهاش ما دام أنه يرتبط بالبنية مزدوجة القطب « bipolaire » لكل ذاتية. لقد كانت سرعة نشر التجربة هي وحدها منْ تأثر من ذلك، وإذا ما كان التَضيّيق الذي يمكن أن تفرضه عليها ثقافة ما قابل للنقاش، فإن كل شيء يشير على أن تلك النتائج قابلة أن تكون نسبية بما يكفي من أجل تعميم يستجيب للفرضية الإنسانية، التي لا يمكن فصلها عن العقل العلمي، بالإضافة إلى أنه لا يمكن لأية انثروبولوجيا الاعتراض عليها.

الأطروحة رقم 2 : نلتقي بالعدوانية، ضمن التجربة التحليلية، باعتبارها نية للقيام بالعدوان وصورة للتفكيك الجسدي، كما تبرهن على فاعليتها ضمن هذه الأنماط.
لقد أتاحت لنا التجربة التحليلية التحقق من وجود ضغط قصدي « pression intentionnelle ». فنحن نقرأه في المعنى الرمزي للأعراض المرضية « symbolique des symptômes »، ما أن تعري الذات دفاعاتها التي تقوم بفصلها عن علاقتها بحياتها اليومية وتاريخها -ضمن الغائية الضمنية لتصرفاتها وحالات رفضها-، -وضمن إخفاقات فعلها- عبر اعترافها بفنتازماتها المفضلة – والألغاز الرمزية للحياة الحلمية « rébus de la vie onirique ».
يمكننا تقريباً قياس ذلك الضغط الغائي من خلال التغييرات في التنغيم الصوتي للمطالبة التي تدعم أحياناً مجمل الخطاب، حالات تعليقه، تردداته، تغيير مقامته وهفواته « ses lapsus »، في عدم دقة السرد، ولا نظامية الالتزام بالقاعدة، وكذلك في التأخر عن حضور الجلسات العلاجية، الغياب المحسوب، وغالباً عبر الاتهامات، الملامات، المخاوف الفنتازمية، ردود الأفعال الانفعالية للغضب، والبراهين المكرسة لغاية ترهيبية؛ أمّا حالات العنف المجردة فهي نادرة نظراً لفرضية الحاجة التي دفعت المريض نحو الطبيب، وتحوله، الذي يوافق عليه هذا الأخير، ضمن قاعدة الحوار.
أن الفاعلية الخاصة لتلك النية العدوانية واضحة : نلاحظها بصورة عادية من خلال الممارسة الأصلية التي يقوم بها فرد ما إزاء الأشخاص الخاضعين له : فالعدوانية المقصودةِ تقرض، تهدم، تفكك؛ أنها تخصي وتؤدي إلى الموت : “وأنا التي ظننت بأنك عاجز”! ذلك ما صرخت به أم كالنمرة بوجه ابنها الذي كان قد أعترف لها للتو، بألم، عن ميوله المُثليةِ. وقد تمكنا من رؤية أن عدوانيتها المتواصلة، كأم فحلة، لم تكن بدون نتائج؛ ففي حالات كهذه، كان من المستحيل علينا إبعاد المشروع التحليل النفسي ذاته عن ضرباتها.
مما لا شك فيه تجري ممارسة عدوانية كهذه تحت ضغوطات واقعية. لكننا نعرف بالتجربة بأن فاعليتها ليست أقل شأناً في المجال التعبيري : أن حضور أحد الوالدين القاسي يكفي وحده للتخويف، كذلك لا تحتاج صورة المُعاقب أن يُلوحَ بها حتى يقوم الطفل بنفسه في تشكيلها. فهي تدوي أكثر من أي ضرر آخر.
أن هذه الظواهر الذهنية التي نطلق عليها تسمية صور، والتي يؤكد علم الدلالة بكل أشكاله على قيمتها التعبيرية، بعد جميع الإخفاقات المتواصلة التي منيت بها السيكولوجية الكلاسيكية في إظهارها، كان التحليل النفسي أول من ارتقى إلى مصاف الواقع الملموس الذي تمثله. ذلك لأنه أنطلق من وظيفتها التكوينية داخل الذات وبَيْنَ بأنه إذا ما كانت تلك الصور العادية تُحَدّد مثل هذه الانحناءات الفردية ضمن الميول، فذلك لأنها تتماثل مع متنوعات القوالب التي تكونها “للغرائز” نفسها، هذه التنوعات التي جعلناها بديلاً للتسمية القديمة لمفردة .« imago »
من بين هذه الأخيرة هناك ما يمثل التوجهات الانتقائية للنوايا العدوانية، وتزودها بنشاط يمكن للمرء القول عنه بأنه سحري. أنها صور الإخصاء « castration »، القطع، البتر، نزع الأعضاء، تفكيك الجسد، بقر البطن، الافتراس، انفجار الجسد، وباختصار، الـ « imagos » التي جمعتها أنا شخصياً تحت عنوان يبدو وكأنه بنيوي، « imagos » الجسد المُقَطَّعِ « imagos du corps morcelé ».
ثمة هنا من علاقة خاصة للإنسان بجسده، كما أنها تظهر بشكل عام عبر سلسلة من الممارسات الاجتماعية –بدءً من طقوس الوشم، البتر، والتطهير في المجتمعات البدائية، وفي ما يمكننا تسميته بالفضائحية الاعتباطية للموضة، وذلك بالقدر الذي تتنصل فيه المجتمعات المتقدمة من ذلك الاحترام الطبيعي لأشكال الجسد الإنساني، التي ظهرت فكرته بوقت متأخر في الثقافة.
يكفي الإصغاء للتخريف وللعب الأطفال، المعزولين أو الذين يلعبون فيما بينهم، لكي نعرف بأن قطع الرأس أو بقر البطن هي من المواضيع العفوية لمخيلتهم في أعمارهم ما بين العامين وخمسة أعوام، والتي تكملها صورة الدمية المنزوعة الأعضاء.
ينبغي تقليب البوم صور تعيد أنتاج المجموع الكلي وتفاصيل عمل الفنان “جيروم بوش” « Jérôme Bosch » لكي نتعرف على أطلس كل تلك الصور العدوانية التي تعذب الأفراد. أن تفوق صور الهلوسة الذاتية البدائية للأعضاء الفمية « organes oraux » المُنحدرةِ عن الغائط، التي كشف عنها التحليل، قد وَلَدتْ هنا أشكالاً شيطانية. ففي تلك الرسوم نعثر حتى على القوس القوطي لقلق الولادة عند باب المغارات حيث يتدافع المدانين، كما نعثر أيضاً على البنية النرجسية « structure narcissique » في تلك الكريات الزجاجية التي يُأسَرْ في داخلها الرفاق المنهكين في فردوس الملذات.
نعثر دائماً على هذه الاستشباحات « fantasmagories » في الأحلام، لاسيما في اللحظة التي يصل فيها التحليل إلى الانعكاس في عمق الأفكار الثابتةِ « fixations » الأكثر قدماً. سأتحدث عن حلم أحد زبائني، الذي تكشف دوافعه العدوانية عن نفسها عبر فنتازمات مهلوسة؛ ففي ذلك الحلم، كان قد رأى نفسه، وهو يقود سيارته برفقة واحدة من عشيقاته الصعبات، مُلاحقاً من قبل سمكة طائرة، كان جسدها الغشائي قد فسح المجال لظهور خط من السائل الأفقي، وهي صورة للتعذيب المعوي بوضوحه التشريحي الكبير.
نجد هنا المعطيات الأولية “لكيشتالط” « gestalt » خاص بالعدوانية عند الإنسان يرتبط بالطابع الرمزي، وكذلك بالدقة القاسية للأسلحة التي يفبركها، على الأقل في المستوى الحرفي لصناعته. سوف تتضح هذه الوظيفة التخيلية في ما نقوله لاحقاً.
لنعير الانتباه هنا للنقطة التالية : إذا ما حاول أحدهم القيام باختزال سلوكي « réduction behavioriste » للمنهج التحليلي –وذلك ما يندفعُ نحوه البعض منا بحكم حرصه على الدقة، غير المبررة من وجهة نظرنا-، فإنه سيقوم ببتر معطياته الذاتية الأكثر أهمية، التي تشهد عليها الفنتازمات المفضلة داخل الشعور، والتي سمحت لنا بإدراك الـ « imago » كمُشكل للتطابق.

الأطروحة رقم 3 : تُقَررْ دوافع العدوانية الأسباب التي تحرك تقنية التحليل.
يبدو أن الحوار يشكل بحد ذاته نبذاً للعدوانية؛ لقد دأبت الفلسفة منذ سقراط على وضع أملها في إمكانية تغليب النهج العقلاني. ومع ذلك، منذ زمن ظهور “تراسيماك” Thrasymaque  الشيطاني في بداية حوارية “الجمهورية”، لم يكف الجدل اللفظي عن تأكيد إخفاقه.
لقد أشرت بأن التحليل قد وصلَ إلى أشفاء الأفراد عن طريق الحوار، وحتى في حالات الجنون العظمى؛ ما هي إذاً الفضيلة التي أدخلها عليه فرويد ؟
أن القاعدة المعروضة على المريض في التحليل تتيح له فرصة التقدم ضمن نية تتغافل عن أي هدف آخر غير تحرره من شر أو جهل لا يعرف هو نفسه حدوده.
فصوته هو الصوت الوحيد المسموع خلال وقت تحدد فطنة المُحللِ ديمومته. وبشكل خاص سرعان ما يتبين له، ويتم التأكد من رفض المُحللِ الإجابة عن كل ما يتعلّق بتوجيه نصيحة له أو دفعه نحو مشروع ما. ثمة هنا، كما يبدو، أكراه يتناقض مع الهدف المرغوب وبالتالي لا بد وإن يكون هناك دافع عميق يبرر ذلك.
أي هم « souci »، إذاً، يشرطُ موقف المُحللِ حياله ؟ أنه هم تقديم شخصية في الحوار لا تتمتع بأية صفات فردية، إذ نقوم بمسح أنفسنا، ونخرج من النطاق الذي يمكن أن تُلمَحْ فيه أية مصلحة، أي تعاطف، أية ردة فعل يبحث عنها ذلك الذي يتحدث في وجه محاوره، كذلك نتحاشى الكشف عن ميولنا الشخصية، ونخفي ما يمكنه فضحها، كما نتجرد عن شخصياتنا، ونسعى لجعل الآخر يتصور بأنه يواجه برودة مثالية.
نحن لا نعبر هنا عن فقدان التعاطف الذي كان علينا تحقيقه في أنفسنا فحسب، بل وأيضاً لا ندع تدخلنا التأويلي، الذي تُشَكلْ تلك البرودة عمقه، يأخذ نبرة الوحي.
نحن نرغب تفادي الوقوع في الفخ القائم ضمنياً في تلك المناشدة، المدموغةِ أبدياً بالتعاطف الإيماني، التي يوجهها لنا المريض. ذلك لأنها تنطوي على سر. “لتأخذ على عاتقك، هذا ما يُقال لنا، ذلك الألم الذي يُثقل على كاهليَّ؛ لكني كما أراك شبعان ومكتنز، لا يمكنك أن تكون أهلاً لحمله”.
أن ما يظهر هنا كمطالبة مغرورة للعذاب يكشف عن وجهه –ويكشف عن وجهه أحياناً في لحظة حاسمة لكي يدخل في “ردة الفعل العلاجية السلبية” التي أثارت انتباه فرويد- تحت شكل المقاومة التي يبديها الحب الذاتي « résistance de l’amour propre »، حتى نستعير التعبير الذي منحه “روشوفوكو” Rochefoucauld كل عمقه والذي غالباً ما يتمّ الاعتراف به على النحو التالي : “لا يمكنني قبول فكرة تحريري من قبل أي أحد غيري أنا”.
مما لا شك فيه أن ما ينتظره منا المريض، من مكان لا يمكن سبر غوره في قلبه، هو مشاركته بألمه. بيد أن ردة فعلنا الرافضة هي التي تقود تواضعنا، وهي ذاتها التي جعلت فرويد يحذرنا ضد أية غواية تدفعنا للعب دور النبي. فالقديسين وحدهم يستطيعون الانفصال كفاية عن الانفعالات العامة الأكثر عمقاً، لكي يتجنبوا الضربات العدوانية كمقابل للبر.
أمّا فيما يتعلّق بإظهار فضائلنا واستحقاقاتنا، فلم أر أبداً من يلجأ إليها سوى ذلك الذي يعتبر نفسه كأي رئيس عمل، والمشبع بفكرة، جافة للغاية وبريئة، عن قيمته البابوية؛ ما زلت أفكر بالرعب الذي أطلق عنانه.
من ناحية أخرى، كيف يمكننا الاندهاش من ردود فعل كهذه، نحن الذين نفضح الدوافع المتخفية للعدوانية تحت كل تلك الممارسات التي يُطلَقْ عليها اسم الحب البشري « philanthropiques ».
وبالرغم من ذلك، لا بد لنا من وضع لعبة عدوانية الذات إلى جانبنا، ما دامت نواياها، كما نعرف، هي ما يشكل التحويل السلبي « transfert négative » والذي هو بمثابة النواة الأصلية للدراما التحليلية « drame analytique ».
تُمَثلُ هذه الظاهرة عند المريض تحويل متخيل « transfert imaginaire » لواحدة من صور الـ « imagos » الخاصة به، العتيقة نوعاً ما، فوق شخصنا، بفعل زحزحة رمزية، تحط من، تحرف أو تعطل دائرة السلوك، الذي أبعدَ عن انضباطية الأنا، عبر حركة قمعية، هذه الوظيفة أو تلك القطعة الجسدية، التي منحت شكلها عن طريق المطابقة لهذه المكانة الشخصية أو تلك.
يمكننا ملاحظة بأن أية ذريعة اعتباطية تكفي لإثارة النية العدوانية، وتُفعَلْ من جديد الـ « imago »، الذي ظل قابعاً بشكل دائم ضمن مخطط تراكب الطبقات الرمزية، التي نطلق عليها اسم لاوعي الذات « l’inconscient du sujet »، وملازمها الغائي.
غالباً ما يظهر لنا هذا الميكانيزم ببساطته الشديدة في الهستيريا : في حالة شابة مصابة بالتغيف (استحالة الوقوف على القدمين، م.م) « astasie-abasie »، ومن ثم قاومت لشهور أية محاولة إيحاء علاجي مهما كان اختلاف أساليبه، ذلك لأنها ضمت شخصيتي أنا منذ البدء إلى كوكبة من الملامح الأشد بغضاً وفرتها لها مادة انفعال بعينه، تغلب عليه من ناحية أخرى نبرة هذيانية. لقد كان الـ « imago » التحتي « sous-jacente » هو والدها، ومن ثم كان يكفيني جعلها تلاحظ بأنها فقدت إسناده (عاهة كنت أعرف بأنها قد سيطرت بالفعل على سيرتها الذاتية وضمن أسلوب روائي تماماً)، حتى أجدها وقد شفت من عارض مرضها، لكنها لم تر منه، كما يمكن للمرء قول ذلك، سوى دخانه، فهذا الانفعال المرضي ظل على حاله بالرغم من ذلك.
نحن نعرف بأنه من الصعب تماماً قطع تلك العقد « nœuds » في حالة العصاب الاستحواذي « névrose obsessionnelle »، بالدقة بسبب من ذلك الفعل الذي نَعلمُ جيداً بأن بنيته مكرسة بصورة خاصة لإخفاء، لزحزحة، لنكران، لشطر وتمويت النية العدوانية، كل ذلك يجري عبر تفكيك دفاعي « décomposition défensive »، يمكن مقارنته بمبادئه بالحيد (جدار بارز في سورِ حُصْن، م.م) والمماحكة، التي سمعنا العديد من مرضنا يستخدمها من أجل ذاته كمرجع مجازي للحصول على “تحصينات على طريقة “فوبان” « fortifications à la Vauban ».
أمّا فيما يتعلّق بدور النية العدوانية في حالة الهلع « phobie »، فذلك ما هو مكشوف تقريباً.
لذا لا يمكن القول بأنه ليس من صالح التحليل النفسي إعادة تفعيل نية كهذه.
ما نسعى لتحاشيه من أجل تقنيتنا، هو أن تكون النية العدوانية عند المريض قد عثرت على ما يدعم فكرة حالية متطورة كفاية حول شخصنا لكي تنتظم في ردود أفعال من التناقض، من الإنكار « dénégation »، من الفخفخة « ostentation » والكذب، التي تدلل لنا تجربتنا بأنها هي الأنماط الخاصة بمكانة الأنا « instance du moi » في الحوار.
(1)ماعدا السطر الأول هذا، قُدّمّ هذا النص بكامله.
ملاحظة من المترجم : الترجمة مأخوذة عن “كتابات 1” لجاك لاكان، منشورات « Points »، المقالات « Essais ».

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مريم لطفي : التصالح مع الذات..

” والذي نفسه بغير جمال.. لا يرى في الوجود شيئا جميلا ” ايليا ابو ماضي …

| عبد الجبار الجبوري : – سلاماً أيهّا البَحرُ مِنّي السّلاما – .

يؤلمُني البُّكا بين يديّها، فأهربُ الى سماء لا أرى فيها ،غيرَ عينين دامعتين، وشفتين يقطرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *