ناجح المعموري: التفاحة والناي.. الأسطورة في كتاب اليوم .. كتاب الساحر

إشارة : خص الناقد المبدع الأستاذ ( ناجح المعموري ) موقع الناقد العراقي بدراسته القيمة هذه عن الشاعر المبدع عبد الزهرة زكي .. والمعموري طبع بصمته الفريدة على جسد الثقافة والنقد عبر منهجه الأسطوري في البحث .. فشكرا لأبي وهب العزيز

التراجيديا الرعوية وسواد الطبيعة

نص ” على صفحة الماء ” غرائبي ، وانقلبت الواقعة المألوفة والمرتبطة بين الشمس والظل ومن حق الشعر حرف اللغة بطريقته الفنية ، لأنه غير معني بضبط الظواهر مثلما هي معروفة :

وقفتُ على العين
لم أجدك . غير أن ظلك كان ما زال هناك ،
ماثلاً على صفحة الماء .

تعرف العاشقة اقترانهما معاً بالعين الدالة على بؤرة الحياة الطبيعية وهي مكان لقاءهما هناك ، لم يكن موجوداً ، بل رأت بقاياه هناك ، ظله الوحيد موجود على سطح الماء وكانت شياهه هناك ، ولأنها لا ترى غيره في الأمكنة وفي تصوراتها ، ظلت صورته الوحيدة عالقة بذاكرتها ولا ترى عيناها غير صورته ، فانقلب المعنى المرتبط بالضوء وكان الظل هو الماثل ، وربما لن يكون الظل موضوعياً بل خاضعاً لرؤيتها اللا معقولة والغرائبية ، إنها تراه لحظة اشتياقها له ، وكان حاضراً عبر ظله المتخيل مع كونه غائباً عاشقة تعرف وسيطا له ، فهما لا يعرفان شفرة أكثر من الناي / الأغنية . عبرهما يتواصلان ويتفاهمان ويبث كل منهما أشواقه ومشاعره للآخر . وكثيراً ما كان العاشق / الراعي غائباً وحضوره ذهني ووجود ما يومئ له هو الناي وصوته ، الأناشيد ، أغانيه وكشف لنا نص [ على صفحة الماء ] بأن العاشقة لها أغنية ترددها ، ربما خاصة بها ، أو هي إحدى أغانيه الحاملة لما يشير لها وحدها أو لكليهما معاً . ومثلما كانت الريح تأخذ أصوات نايه وأغانيه إليها ، حملت الريح صوتها المردد للأغنية والسؤال الى أين أخذتها الريح ؟ هذا ما لم تقله النصوص والواضح أن الريح تأخذها نحو الآخر ، لأن الموسيقى أو الأغنية ، لا تعزف ولا تغنى إلا للحبيب . ويبدو بأن أغنيتها مشحونة بحزنها الذي عرفناه في النصوص ، لأنها منتظرة دائماً والغائب ما زال غائباً . والأغنية حزينة لأنها مؤداة وقت الغروب . وفيها خوف من مجيء الظلام يكسو ظله الذي تصورته سابحاً على صفحة الماء .
أجد في هذه إلالتماعة النصية صعوداً جديداً لأسطورة الخصب من خلال تمثيل آخر للسيد المسيح الذي كان يمشي فوق الماء ، وهو راع كما هو معروف وعاشق أيضاً ، ولكنه من نوع آخر . على الرغم من أن الينبوع مرسل رمزي مشارك في الأناشيد المريمية واليسوعية . والظل على صفحة الماء شكل من التعميد والتطهير أو الولادة الجديدة ، حتى ترى العاشقة حبيبها جديداً في كل شيء والسؤال متى تحين لحظة حضور الغائب ؟ وهل سيظل منتظراً بالنسبة لها ؟

يبدو لي بأن نصوص [ كتاب الساحر ] محكومة بنسق حكائي ،أجده واضحاعلى الرغم من تنوعات السرد والبناء . وامتدت هذه الواحدية وسط مساحة جديدة هي الاقتراب من نهاية لمسلسل الحكايات المحكومة بنسيج بنائي وأسلوبي . وأضاء نص [ على صفحة الماء ] دخول النص [ كتاب الساحر ] وسط بؤرة سردية / تطويرية للإفضاء نحو عتمة العلاقة بين العاشقة والراعي . وما يدعم هذه القراءة غياب الراعي مادياً وحضوره المعنوي فقط . مع استمرار بقاء العاشقة وتعالي حكاياتها وكأنها الصوت الوحيد المسموع في أغلب النصوص ، مما ساهم بتصعيد التراجيديا العشقية التي تكرست باستمرار . ويومئ نص [ على صفحة الماء ] ما أشرنا له حيث دخلت الحكاية في عتبة ساعدتنا على تحرير هذا التأويل وتكرس مفرد الظل السوداء وما يجاورها دلالياً مع مفردة الليل . وصار للسواد مركز معبرا عنه في : ظلك + الليل + الظلام + ظلك . لقد تحول الفضاء ظلاماً وهبطت العتمة . هذه المفردة الدلالية ، ابتدأ بها نص [ حكمة الصمت ] :

أعتم الطريق

أنا وحيد أسير

الراعي في عتمته وسط الطريق ، وهو وحيد يسير والى أين ؟ النص أكثر كرماً في مساعدة القراءة ودعم تأويلنا الأخير حول تراجيديا الحكاية / الحكايات التي غاب عنها الراعي وحضر في واحدة منها [ حكمة الصمت ] التي كانت امتداداً ـ كمنا قلنا ـ لنص [ على صفحة الماء ] واستمرار وجود الظلام امتداداً بنائياً والعتمة في معناها مختلفة عن الظلام ، والراعي وحيد كان :

أنا وحيد أسير

وخطاي تغوص في الظلام

لا شيء أمامه غير الظلام ، ولم يعد ممكناً له التوقف ، لأن البنية السردية للحكايات صاغت تطورها بعمق رمزي والخطى غائصة في ظلام ، لا بل وسط عتمة حالكة .

الراعي مدوخ ليس بتفاصيل الحكايات وإنما بالإحباط وفشل العلاقة بين الاثنين ، لقد أعلن الراعي عن خيبته واندحاره ولم يترك غير حكايات فقط . كان آخرها حكمة الصمت بعد سيادة الصوت : الغناء/ الموسيقى / الحوار من طرف واحد / هو العاشقة ولم تكن الثنائية بينهما إلا في نص واحد هو [ رائحة الحب ] .

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

وخطاي تغوص مدوية في الظلام

وخلفي الحانة ،

وقد انفضّ عنها السكارى ،

فأعتمت فوانيسها ،

وجفت على نوافذها أغنية لي تتحدث عن حكمة قديمة / ص85

مغادرة الراعي الحانة أفضت به نحو ظلام غاصت وسطه قدماه ، وكانت مغادرته متأخرة ، ولم يعد أحد من السكارى موجوداً فيها . إنه خاتم السكارى الذي ارتضى العتمة وهو يسير نحو المجهول ،/ وسيادة الظلام تماماً ” فأعتمت فوانيسها ” .

ماتت تماماً أغنية الراعي المترددة ليس في الحانة وإنما في السهول وعلى سفح الجبل وفوق قمته . جفت ايقاعاتها ، و انطفأت جذوتها وترمدت الحكايات ، حتى الأغنية وحكمتها القديمة التي كانت تتحدث عنه وعن حبيبته :

خطاي تغوص عميقة

عميقة     من ص81

في الظلام الشديد

حيث لن ينتهي الطريق.

إنني أمضي وحيداً ولكن أتحدث كثيراً

وقد نسيت الحكمة التي تعلمتها في

الزمان القديم .  / ص86

وعندما تجف الأغاني ، تتعطل الحياة ويتسيد الحزن وليس أكثر دلالة على ذلك من :

خطاي تغوص عميقة

عميقة

في الظلام الشديد

حيث لن ينتهي الطريق.

تنامي الحكايات الشعرية واضح وهي تصعد نحو وضوح البناء الفني للحكايات التي درسناها ، وليس أكثر دلالة على انهيار أحلام العاشقة وسقوط أسطورتها بعد استمرار غياب الراعي الذي كان وجوده في النصوص وأكثر هذه النصوص كشفاً عنه هو نص [ حكمة الصمت ] انه النص الوحيد بلسان الراعي وانطوى على اعتراف كاف ، وربما بسبب المتوالية التراجيدية التي وضعها نهاية لأحلام غير متحققة . وانحدر الراعي كلياً وتلاشت أحلام وطموحات العاشقة . دخل في عالم معتم وخطاه تغوص عميقة وعميقة في الظلام الشديد . وتلاحظ مفردة عميقة ودورها البنائي في النص وما تومئ له من مفاتيح في هذه القراءة ، تكرر مفردة عميقة بأسلوبية اختارت لهما مكاناً تحت مفردة عميقة الأولى ليكون منها سلماً نحو الأسفل وهو الهاوية / الانحدار في ظلام شديد والطريق مفتوح نحو ظلام مستمر وممتد . دخل العاشق في عتمة المأساة الواحدية أو المشتركة بينهما .

لم يكتف النص بالإشارة الواضحة الى سوداوية الراعي وحزنه مع دلالة كافية للطريق الذي لن ينتهي . حمولة الطريق مغايرة عما يتصوره كل واحد منا ، وما يفضي إليه من أمل وطموح وحلم . إنه طريق الظلام والمغلق تماما ً .

النص مكتف بالإيضاحات التي أسست هذه القراءة ولم يجد الشاعر ضرورة بنائية أو أسلوبية كي يحوز على صوت الراعي ليتحدث كثيراً . لأن الراعي نسى حكمته الرعوية التي هي قمة النسق الثقافي / والديني / والسياسي أيضاً . بمعنى خسارته الكلية ، لأنه فشل في تداول حكمةى المرحلة الرعوية التي تعلمها في الزمان القديم ، لأنه ممثل لحظتها الأولى وخطاب حاضرها . تعلمها بمعنى انتقالها إليه عصراً بعد آخر ، حتى وصلت إليه وكان متداولها ومروجها ، لكنها انحدرت وسط ظلام هو الطريق كله … ظلام هو المستقبل وانطفأت حكاية ، لا بل حكايات العاشقة والراعي . ماآلت إليه سرديات الحب ، هي البذرة التي ألقاها السارد وظلت تنمو بهدوء وتدرج بطيء الى أن صعدت وأكدت بأن غياب الراعي في السرديات الغنائية عطلٌ في البناء وتأخر واضح في التصاعد السببي . وهذا غير كاف ، لأننا نلاحق العناصر الثقافية والفكرية للرعوية بوصفها نظاماً خاصاً عرفته حضارات الشرق وديانات العالم في فترات متفاوتة غير محكومة بلحظة واحدة في كل الحضارات ، وإنما هي متكونة بوجود عتبة ثقافية ودينية ، متى ما توفرت ستكون الرعوية هي النظام المهيمن . واستطاعت الرعوية في [ كتاب الساحر ] استطاعت الدنو من مراكزها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عايدة الربيعي : الامتداد الإبداعي والطلاقة والمرونة عند الفنان التشكيلي العراقي مهرجان كلاويز الدولي 2022.

يرى البعض من النقاد ان فن التصوير (الرسم الملون) هو فن حسي اكثر مما هو …

| د. فاضل حسن شريف : الهجرة القسرية واللجوء في القرآن الكريم.

صادف خلال شهر يونيو حزيران اليوم العالمي للاجئين. كلمة لجوء مصدرها لجأ، واللجوء تأتي بمعنى الالتجاء. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.