عبد الخالق كيطان : بمناسبة رحيله..نعم يا خالد.. لقد ظلمتنا الحياة كثيراً (ملف/

abdulkhalek ketan1
بريق الشهرة الذي نلته من منتصف الثمانينات إلى منتصف التسعينات بدأ يضعف مع ابتعادي عن الحياة الأدبية بعد عام 1997، ذلك الابتعاد القسري الذي فرضته ظروف العراق الاقتصادية لاسيما بعد أن اشتد تأثير الحصار الشامل بعد منتصف التسعينات، فضحيت بأجمل ممارسات وانشغالات حياتي- وهي القراءة والكتابة والترجمة- من أجل توفير متطلبات المعيشة لأسرتي. ثم قادني هذا السبب نفسه إلى الهجرة عام 2001 ثم عدت إلى العراق عام 2004 ولكن بعد أن كانت هذه الضغوط المتراكمة قد وصلت إلى حد الانفجار وفاقت قدرتي على الصبر والاحتمال فتعرضت إلى تعب نفسي شديد. كنت عصامياً طوال حياتي، اضطررت إلى التعويض عن التحصيل الأكاديمي بالتحصيل الشخصي. لقد كافحت من أجل الحياة وأسرتي بمرارة. ولكن الحياة ظلمتني كثيراً، لم تتح لي إشباع أبسط متعة كنت أتوق إليها طوال سنين عديدة وهي القراءة، القراءة فقط. كنت أتعذب لأنني محروم منها، وما زلت محروماً منها إلى حد كبير لأنني ما زلت مضطراً إلى العمل المنهك الشاق الطويل من أجل توفير متطلبات الحياة لأسرتي. ولكن ما يخفف عني أهوال الحياة ومصائبها وحرمانها أن الله تعالى أنصفني إذ عوضني عن هذا الحرمان الظاهر بنعيم باطن، إذ أسبغ علي محبته واختصني بكلامه ومناجاته وأسراره ورفع كثيراً من الحجب بيني وبينه لما رأى صدقي في محبته وإخلاصي في طلبه وأبقى سبحانه منها حيث أكون بين الناس ما هو ضروري لطبيعتي البشرية ومناسب لها ولو رفع مزيداً منها لكنت في حال يصعب تكيفه مع متطلبات الحياة البشرية الاجتماعية، ولكن في الخلوات ترفع الأستار (بيني وبين حبيبي لستُ أبديها/ أسرارُ حبٍّ عزّ راويها). لقد ظلمتني الدنيا وأنصفني الله.
من حوار مع خالد جابر يوسف في جريدة المستشار بتاريخ 4/1/2012
2
عندما وصلنا خبر فوز الشاعر خالد جابر يوسف بجائزة يوسف الخال عام 1988، عن مجموعته “في مهب الريح”، احتفلنا كأن الجائزة، التي أعلن عنها في لندن، هي تكريم للشعر العراقي، وقصيدة النثر بوجه الخاص، وللشعراء الشباب بشكل أخص. جدير بالذكر ان هذا العام شهد فوز الشاعر باسم المرعبي بالجائزة أيضاً عن مجموعته “العاطل عن الوردة”.
كان هذا العام عام الانفراج العراقي النادر في تاريخه. لقد خرجنا والدم على وجوهنا من تجربة حرب الثماني سنوات، وكان القدر يعد العدة لغزو الكويت وما تبعه من حصار قل نظيره في التاريخ. khaled jaber yuosef
تجمعنا عند بوابة قاعة ابن النديم في باب المعظم بانتظار أمسية التكريم التي يستحقها شاعر بعيد عن الاعلام بشكل واضح. ولقد كانت الأمسية حدثاً ثقافياً لافتاً. قرأ الشاعر والناقد المصري فتحي عبد الله شيئاً عن مجموعة خالد، وتبعها الشاعر بقراءات من نصوصه.
كان العديد من مجايلي خالد يتهامسون حسداً. بعضهم ادمن إطلاق الاشاعات عن فوزه المحتوم بالجائزة في العام التالي، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. كان المشهد الثمانيني ضاجاً بالمتناقضات، شأن الحياة الثقافية العراقية في النصف قرن الأخير، والتي هي انعكاس لتناقضات العراق برمته، إن شئت، ما بين تخوين وتعذيب وسجون، وبين سلطة قمعية وشعب يحث الخطى دوماً جهة المجهول. بين حروب كارثية وحصارات غير انسانية.
ان يحصل الشعر الحديث في العراق على تتويج من جائزة كانت تمثل الحداثة الشعرية العربية خبر أكثر من نادر في تلك الأعوام العصيبة. لقد شكل العام 88 والعام 89 بالنسبة لأبناء جيلنا فترة التقاط الأنفاس التي أنتظرناها بصبر وألم.
3
ولما دخلنا إلى عقد التسعينات بدأ كل شيء ينهار. صارت الأعوام تتقاذفنا وصرنا نكثر من الصمت العدمي. على أن القصيدة ظلت بمثابة الأمل في تلك الأوقات. جماعات تعلن عن وجودها وأخرى تنطفئ. يهاجر الأصدقاء فرادى إلى المجهول. ومن بقي كان رأسه يزدحم بفكرة الشعر والمنفى.
هنا كانت معرفتي الأساسية بخالد جابر يوسف. في جريدة القادسية تحديداً، حيث تقاسمنا لسنوات غرفة ضيقة هي غرفة المصححين اللغويين. لقد مرّ بهذه الغرفة عدد كبير جداً من الشعراء العراقيين. وفي هذه الغرفة اقتربت كثيراً من عالم هذا الشاعر البارع في عزلته، والذي كان يمثل بالنسبة لي، وربما لعدد من أقراني فيما اصطلح عليه: الجيل التسعيني، رمزاً من رموز القصيدة النقية، تلك التي لا تعثر فيها على أغراض، أو شكوى، أو خشونة مكروهة. لا ريب أن ذلك ما دفع بصاحب هذه القصيدة ليكون اسماً بارزاً في المشهد الشعري العراقي، على قلة حضوره الاجتماعي، وكذلك الاعلامي.
ثم كانت تجربة منتدى الأدباء الشباب، عندما وصلت قيادة جديدة، على رأسها الشاعر خالد مطلك، لهذا الصرح الثقافي، وكنت وخالد جابر وآخرون، من بين تلك القيادة التي لم تعمر سوى أشهر معدودة، انتهت بإيعاز من عدي صدام حسين، ومن مجموعة من الأدباء الذين طالبوا بإلحاق أعضاء المنتدى باتحاد الأدباء العراقي وحل المنتدى، وأعتقد أن من بين أبرز من وقفوا وراء هذا المشروع هو الشاعر رعد بندر، الذي أصبح لاحقاً رئيس الاتحاد العام للأدباء العراقيين في فصل ثقافي بانتظار من يكتب عنه بالتفصيل.
من جهتي كنت الفتى الغض، الذي دخل إلى مسرحية الكبار سهواً. أما عن خالد جابر يوسف، ومجموعته التي يمكنني تسميتها بـالمجموعة الباطنية(لا أريد تسمية أعضائها كي لا يساء الفهم، وهو أمر شائع في ثقافتنا العراقية للأسف!)، فلقد كان له هدف من دخوله المفاجئ في صراع المنتدى، كان يريد أن يخلق من هذا الصرح مكاناً للتجربة الشعرية، الأدبية، الحداثية في العراق، ولكنه لم يستطع. كان الموج أقوى منه، ومني، ومنا جميعنا، بكثير جداً.
كان خالد جابر يوسف يقترب أكثر من العزلة، العزلة التي أرادها وسعى إليه، وهي عزلة، يعرف القريبون منه، أنها كانت مجرد عزلة عن الآخر، فيما كانت من جانب آخر تقربه من حبيبه، الله. وكنت حينها أداهمه بالأسئلة الفوضوية، الأسئلة الحائرة عن علاقة الله بالانسان، وكان يرد عليّ بابتسامة لا تفارق محياه، ويسهب بالكلام. كان عاشقاً. ذائباً في العشق الآلهي. وكان هذا خياره الذي يحب.
4
ومع انسداد الأبواب النادرة في عراق التسعينات كان الجميع، تقريباً، يفكر في الهجرة. هكذا هاجرت لا أدري إلى أين وكيف ولماذا! هاجر العشرات من الأصدقاء قبلي، ومعي، وبعدي.. ومن بين هؤلاء كان خالد جابر.
التقينا في عمان مجدداً. وكانت حياته قاسية، مثل حياة الآخرين تماماً. عمل لفترة مصححاً لغوياً ثم سرعان ما غادر إلى ليبيا. لم التق به إلا في العام 2010 في بغداد. كان خارجاً للتو من محنة عصيبة أسكنته مستشفى الأمراض العصبية لسنوات. من المؤكد أن مثل هذا المصير يشبه سيرته تماماً، بمعنى: ذلك السكون العميق الذي يبديه، والذي يخفي داخله صراعات شتى، عائلية وسياسية ودينية وثقافية. لم يكن أمامه إلا أن يصل إلى حافة اليأس… والجنون طبعاً.
5
كان يكافح في الأعوام التي تلت ذلك من أجل البقاء. لقد صار العراق ملكاً صرفاً للقتلة واللصوص. لا مجال فيه لشريف نزيه مثل خالد. من الذي يسأل عن شاعر حفر في الصخر من أجل مشروعه الشعري، ومن أجل لقمة العيش في آن واحد؟ من الذي يحفل بشاعر بلا سند غير سند الكلام النظيف؟ هذه البلاد مجبولة على خنق العشاق تحديداً. تمسكهم من رقابهم، تمرغ رؤوسهم في الوحل، ثم تلوح بها بعيداً. لم يكن أمام خالد جابر يوسف إلا عقله، وقلبه، ولقد خذله عقله مرة وها أن قلبه يخذله ليطيح به نهائياً.
6
الحق أقول: ان الحياة لم تظلم خالد جابر يوسف فقط، على عظمة مأساته الشخصية، بل هي ظلمت أجيالاً من العراقيين في مختلف فروع الحياة. الحياة التي عشناها كئيبة، خالية من الفرح إلا ما ندر. تخنقنا الحاجة ونستحي أن نمدّ اليد أو نتسول على أبواب السلاطين، وما أكثرهم اليوم. لقد ظلمتنا الحياة عندما وجدنا أنفسنا في أتون صراع الشيوعيين والبعثيين والاسلاميين والكرد في السبعينات. ثم ظلمتنا الحياة عندما دفعتنا لمواجهة مصيرنا بين الديكتاتورية والحرب، ثم الديكتاتورية والحصار. ظلمتنا مجدداً عندما فتحت أبواب جحيمها بعد العام 2003 لنتحول إلى شيعة وسُنة، كرد وعرب، مسيحيين ومندائيين وأيزيديين، ظلمتنا ونحن نتابع أخبار مجموعة من التافهين الذين أصبحوا يتحكمون برقاب الملايين. ظلمتنا الحياة حين بقينا في العراق، وظلمتنا حين هاجرنا. ظلمتنا حين كتبنا الشعر ليأسنا منها، وظلمتنا حين تشهينا عزلتنا. دفع ظلم الحياة لخالد إلى الفرار جهة الذات، والحلم، وكان فراراً بلا جدوى.
ارقد يا صديقي بسلام. أما نحن، فسنبقى على قارعة الطرقات، كما هو شأننا دائماً، بانتظار أن يخذلنا عقلنا، أو قلبنا، مثلك تماماً.
عن صحيفة المدى

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم في “رؤيا اليقين”: ما أصعب الحرب والأيام والصعوبات
جنان جاسم حلاوي (ملف/79)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (18) (ملف/78)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

قصص “رؤيا اليقين”: بحث جميل في عوالم الشخصيات
عبد جعفر (ملف/77)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *