خضر عواد الخزاعي : شفاهية السرد في رواية “بلدة في علبة” للروائي حامد فاضل؛ حكاية الناس والمدينة

????????في روايته الجديدة “بلدة في علبة” الصادرة دار سطور 2015. يحاول الكاتب حامد فاضل أن ينحى بنصه السردي منحى بحثي من خلال اشتغاله على”علم الآثار” و”الاثنولوجيا” كمدخل معرفي لإعادة اكتشاف مدينته السماوة، لأن الكاتب في هذا النص اعتمد في سروداته الشفاهية المتعددة، والتي بلغت، عشرون فصلاً، على تحليل مجمل الظواهر الثقافية والاجتماعية، المتعلقة بسكان مدينة السماوة، كمجموعة بشرية حضارية، ساهمت بشكل حيوي على احتضان أولى الحضارات البشرية في منطقة الفرات الاوسط، في حقب تاريخية متفاوتة، تحليلاً ميدانياً، متخذاً من الملاحظة الشفاهية، والمنهج التاريخي العلمي، مجالا رحباً لتأطير نضه السردي، من خلال عملية انفتاح ذهني على ذاكرة متخمة بالفضاءات والازمنة.
فالكاتب في مقدمته يؤكد على جنس روايته السردية على انها”رواية عن السردية في الصور الفوتوغرافية”. تلك الصور التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها، تناص لواقعة “المارد” في حكاية “علي بابا والمصباح السحري” كما تروى في كتاب “ألف ليلة وليلة” المشهورة كواحدة من الحكايات الشعبية في التراث العربي والإسلامي.
والنص هنا أيضاً محاولة لإعادة بناء الماضي كما يسميه “ميشيل فوكو”. هروباً من قسوة الحاضر وسلبيته، باعتماد الوثيقة التاريخية، التي هيّ هنا مجموعة صور وشهادات حكائية شفاهية، يتناوب على روايتها، الشيخ النوري، الملم بشؤون التاريخ، والذي يعتبر الصوت الناطق للوثيقة التاريخية الافتراضية، والتي هيّ خرائط مسحية، حفريات جيولوجيا “ولأن نساخ القراطيس، مساح التضاريس، حفاظ الروايات، ساردي الحكايات، وقصاصي القصص.لم يذكروا منطقة في البادية الجنوبية العراقية لها أسم السماوة غير منطقة السماوة الحالية.ص76”. وبقايا شواهد تاريخية مثل/ الوركاء، أليس، القشلة، عين تمر، الحيرة، القادسية، السماوة، الخضر، العارضيات، صفوان، بحيرة ساوة، قلعة الهيس، خندق سابور، ونهر الفرات، ونهر بادقلي، ونهر العطشان/ أو شهادة شفاهية، كما يرويها الناصح، القطب الموجب في حكايات البلدة كما يسميه السارد، والغياث، القطب السالب فيها، والجد، والأب، وأبي ذيب، البدوي المفرط في التخيّل، والسارد نفسه. كشاهد معاصر لبعض تلك الاحداث والمشاهد التاريخية.
وبأسلوب غلب عليه السرد الخارجي، وسيطرت عليه المفردة البلاغية، كمُعبر دلالي”سيميائي”، استعاض بواسطتها السارد، عن الكثير من الشروحات، التي كانت تلزمه لإضفاء الملامح التعبيرية، على الكثير من صوره السردية، كما في “حقول محروقة، مناجل صدئة، مطارق مكسورة، خيول عُرج، أبقار عجاف، كلاب سمينة، جرذان كبيرة،سماء رمادية غربان سود، رؤوس مصلوبة، عيون hamed fadel 2
معصوبة، بنادق مهيأة، مدافع معطوبة، دبابات نافقة، نخلات عارية، مواضع مردومة، خوّذ مثقوبة، فردات بساطيل، فردات تمر… ص20″. كذلك في الصفحات”19، 21،53 ،132،133 ،191، 217″ وهيّ مفردات منحت النص الكثير من السلاسة، وساهمت بتشكيل كولاج زخرفي من نسيج خصب لذاكرة مازالت تعتاش على إرث الماضي، بكل تفاصيله الصغيرة، والدقيقة، كأنها حيوات مجهرية، ما أن تضعها تحت مجهر البصيرة حتى تنساح، بكل حيويتها وطاقتها الكامنة المتحفزة للظهور والحياة،”زفة عرس، سيارات، أبواق، زغاريد، صلوات، رجال صقور، نساء ظبيات، سرداق منصوب، قلادات مصابيح تتدلى من أعمدة السرداق، المصابيح حمر، صفر، خضر، زرق، ثوب براق منغمربمصابيح السرداق، جسد غجري يُرجف على نقر الخشبة، خلخال يرقص في أسفل ساق بضة، قد يتلوى كالروطة، شعر يتطرح، خصرٌ يهتز، نهد يقفز من مخبئه في قنِ الصدر.ص21″.
المرتكز التقاني الاخر الذي استند عيه السارد، هو المخيال، الذي كان يتمتع به السارد والشخصيات الأخرى، مثل صديق أبيه، الخرافي أبي ذيب، والشيخ النوري، الروح الافتراضية التي كان عليها أن تشاطر السارد متن الحكاية، بدخولاتها المعترضة والمصححة والمؤيدة حسب مجريات الوقائع واتجاهاتها، والأب بحياته الرحبة كمناضل سياسي، ومصور فوتغرافي يعتبر الذاكرة الحية لمدينته السماوة، والجد بمجلسه الصيفي والشتائي، الذي كان ديواناً للسرد الشفاهي “الحكواتي” لتاريخ السماوة الحافل بالتراث والآثار، وعين الحكايات الذي لاينضب. هذا المخيال الخصب والجامح، كان الأداة الطيعة بيد السارد، يسرد به مجمل حكاياته،”أقوض خيمة المرئي لأنصب خيمة المتخيل.ص28″. حيث تتحول العلبة، والمخيلة وجهان لذاكرة واحدة، يتجاوز فيها اللامعقول حدود العقل والمتخيل كما في حكاية “طماطة” المرأة السماوية وجارة السارد، عن السعلاة .ص55.وكذلك حكاية ناجي الصفار مع قدور عاشوراء .ص159.وحكاية سر القناة المائية، التي كانت تنقل الماء من النهر الى قلعة الهيس.ص108.
في النص أيضاً كان هناك اهتمام بالبيوغرافيا، تناول فيه السارد الشخصيات المؤثرة بالمشهد العام لمدينة السماوة، ولم يستثني من ذلك أحد، سواءاً كان من الشرفاء، كعبدالحميد السماوي وعائلة الامامين، ورجال ثورة العشرين من زعماء عشيرة الظوالم، كشعلان ابو الجون، وغثيث الحرجان، وعذيب الظالمي، وجياد البرجس بطل معركة جسر السوير، وفدعة ابنة علي آل صويح وشقيقها حسين ابن علي الصويح، وحمد آل حمود، سعدة العويلية، أم موسى بنت المؤمن، رئيسة أول رابطة للدفاع عن حقوق المرأة في السماوة، الهيئات التدريسية التي تعاقبت على مدارس السماوة، عبدالجليل حسن مدير ثانوية السماوة للبنين، نجم محسن مدرس التربية الرياضية، الى الشيخ شهاب المعلم في الجامع الكبير في البلدة، عباس بائع الصمون، ابو الورد ، بائع شعر البنات، هرمز بائع الخمر، الحارسان شروم ومطر، شيميران ابراهيم نزار، مديرة ثانوية السماوة للبنات.kh hamed fadel 3
وردت في النص السردي، الكثير من التضمينات للأهزوجة الشعبية الفلكلورية، كجزء من البناء العام للثقافة الشفاهية لأبناء السماوة، كونها كانت المعبر العاطفي والروحي عما كان يجول في صدور وخواطر السماوين، خصوصا في الوقائع المشهودة للمدينة كثورة العشرين، والتظاهرات ضد الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي، كما في الصفحات، 229،235، 238، 240، 249.
“بلدة في علبة” نص سردي شفاهي، حاول فيه الكاتب حامد فاضل، تقديم مدينة عراقية تمتد حدودها الجغرافية حتى تخوم الصحراء، منتشلاً إياها من وهدة السكون والخمول ليبعث فيها الحياة، التي بات يفتقدها الكثيرين بما فيهم الكاتب نفسه، لكن ذلك لم يمنع سقوط النص في بعض الهفوات التاريخية، التي أتوقعها غير مقصودة، وجاءت ضمن السياق العام لما اختزنته ذاكرته وقراءاته من مصادر تاريخية، غير خاضعة في أغلب الاوقات للإتفاق. كما حدث في فصلين مهمين هما:
لكن هذه الهفوات والمغالطات التاريخية، لم تصب النص السردي في صدقيته، وثرائه الحكائي، كنص شفاهي متميز. شاهد على قدرة الكاتب حامد فاضل على الخوض في أعماق التاريخ البشري والجيولوجي، لمدينة كانت تعتبر من المراكز الحضرية للعراق، في فترات مهمة من تاريخه الحضاري. قدمه بجزالة لغوية، وتمكّن أسلوبي، نجح في توزيع أدواره الحكائية، بين السنة شفاهية، يصعب التمييز فيها بين الافتراضي والحقيقي، رواية “بلدة في علبة” نص سردي يستحق القراءة وبذل الاهتمام من النقاد، كونه يؤشر على بداية منهجية جديدة للأدب السردي الشفاهي في العراق.

شاهد أيضاً

نبيل عودة: يوميات نصراوي: النقد الشخصاني ثرثرة بلا مضمون!!

حضرت قبل سنوات ندوة ثقافية عن النقد الأدبي المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن …

شوقي كريم حسن: عبد علي اليوسفي… محاولة تشكيل اليومي!!

*قد يدفع الهدوء الذي يعيشه الصبي، وسط بيئة مزدحمة بالخوف والضجيج، الحكايات التي تتجدد بشخوص …

اللغةُ الوصفيةُ، والإدهاش السردي الروائي حين يكون التاريخ هو المرتكز..
مقدمة رواية “شمعون” للكاتبة الجزائرية فاطمة حفيظ
كتبها سعد الساعدي

لمن نكتب؛ لمجتمع نحن معه، أو خارج سياقات الزمن والمكان؟ هذا التساؤل طالما طرحته كثيراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *