طلال حسن : شبل والذئب (رواية للفتيان)

talal hasan” 1 ”
حملت الجدة سلتها ، وقد تأهبت للخروج ، ولوّحت لشبل مبتسمة ، ثمّ قالت ، وهي تتجه نحو باب الغرفة : كن هادئاً حتى أعود .
وقبل أن تفتح الجدة الباب ، هبّ شبل من حضن أمه صائحاً : جدة .
وتوقفت الجدة ، والتفتت إليه مبتسمة ، وقالت : مهلاً، سأذهب إلى الغابة ، وآتيك بموز .
وتعلق شبل بأذيال الجدة ، وصاح متوسلاً: خذيني ، خذيني.
ورفعت الأم رأسها ، وقد انتهت من عمل سوارين لشبل،وهتفت : تعال ، يا بني، تعال.
وتطلعت الجدة إلى شبل ، وابتسمت قائلة : دعيه، سآخذه معي.
وخفق قلب الأم ، وصمتت مترددة لحظة ، ثم قالت : إنه صغير ، يا جدة ، وأخشى أن يتعبك.
فردت الجدة قائلة : لا عليك ، لن نتأخر.
وصمتت الأم لحظة ، ثم قالت : الأمر لك يا جدة .
وأمسكت الجدة بيد شبل، وقالت : هيا يا بطل.
ونهضت الأم ملوحة بالسوارين ، وقالت : شبل، تعال البس سواريك.
وابتسمت الجدة قائلة : الاسورة للبنات ، يا بنيتي .
وتضاحكت الأم ، وقالت : إنه بنت ، يا جدة .
وعبست الجدة ، متظاهرة بالغضب ، وقالت : كلا ، كلا، أريده صيادا.
وابتسمت الأم ، وقالت وهي تضع السواريين في معصمي شبل: اطمئني ، يا جدة ، سيكون صيادا مثل أبيه.
وتطلعت إلى الجدة ، وضحكت قائلة: أنظري، ما أجملها في معصميه.
وابتسمت الجدة بفرح ، وقالت : إنه يذكرني بأبيه عندما كان في عمره.
وضحكت الأم ، فأمسكت الجدة بيد شبل، وقالت : هيا ، يا بني، لقد تأخرنا.
وفتحت الجدة الباب ، وخرجت مع شبل ، وسرعان ما لحقتهما الأم ، هاتفة : أيتها الجدة .
وتوقفت الجدة ، وقالت : نعم .
ومدت الأم يدها بفأس، وقالت : ليتك تأخذين معك هذا الفأس.
وبدت الحيرة على الجدة ، وردت قائلة : وما حاجتي إليه، الموز لا يجنى بالفأس.
فقالت الأم بصوت يشوبه الخوف: ليلة البارحة.. سمعت صوت ..الذئب.
وابتسمت الجدة قائلة : يا بنيتي.. .
فقالت الأم : أرجوك ، خذيه.
ومدت الجدة يدها ، وأخذت الفأس، وقالت : لا تخافي على شبل .
فقالت الأم : لن أخاف عليه مادام معك.
ووضعت الجدة الفأس في السلة ، وشدت على يد شبل، وقالت : هيا، يا بني، الموز اللذيذ ينتظرنا.
ولوحت الأم لشبل متمتمة : لتصحبك السلامة.
ثم هتفت للجدة : جدة .. أرجوك.. لا تتأخري.
فردت الجدة ، وهي تسير مبتعدة ، ويدها تحضن يد شبل: اطمئني، يا بنيتي ، سنعود قبل الظهر.

” 2 ”

أفاقت القردة على امرأة تهتف: شبل .
وفتحت عينيها، وأنصتت، فسمعت المرأة تهتف ثانية : هذه شجرة موز ، تعال .
وباعدت الأغصان ، وأطلت من أعلى الشجرة ، ووقفت مصعوقة ، حين رأت شبل ، يركض نحو الجدة هاتفاً : موزه .. موزه .. موزه .
وتراءى لها صغيرها ، الذي خطفه الذئب قبل يومين ، يركض نحوها متصايحاً يريد موزه ، فتقافزت فوق الشجرة ، تتصارخ بين الحزن والفرح .
وتوقف شبل مذهولاً ، فأسرعت إليه الجدة قائلة : لا تخف ، هذه قردة .
وقشرت موزه ، وقدمتها له، وقالت: كلها يا بني ،إنها لذيذة .
وأخذ شبل الموزة ، وقضم منها قطعة صغيرة ، وأخذ يهمهم متلذذاً : هممممم.
وضحكت الجدة ، وعادت إلى شجرة الموز ، وهي تقول : ابق هنا ،سأملأ لك هذه السلة موزاً.
وأقبلت فراشة ترف بأجنحتها الملونة ، وحامت حول شبل لحظة ، ثم مضت مبتعدة ، فرمى شبل الموزة من يده ، وانطلق في إثر الفراشة ، لكنه سرعان ما توقف ، حين سمع القردة تصرخ بجنون.
ورفعت الجدة رأسها ، وصاحت بالقردة : كفى ، أنت تخيفين شبل.
لم تصغ القردة للجدة ، ومضت تتقافز صارخة بين الأغصان ، فانطلقت الجدة نحو شبل متمتمة : يا إلهي ، أخشى أنها رأت…
وفجأة برز الذئب من بين الأشجار ، والشرر يتطاير من عينيه.
وتسمرت الجدة في مكانها، وصاحت : شبل.
ووقف شبل ينظر مذهولاً إلى الذئب ، وارتفع صراخ القردة ، وهي تتقافز بجنون بين الأغصان . وزمجر الذئب، وانقض على شبل ، وقد كشر عن أنيابه.
واندفعت الجدة تعترض الذئب ، ملوحة بالفأس . وأنشب الذئب مخالبه في الجدة ،وهو يزمجر بغضب . وصرخت الجدة ، وأهوت بالفأس على الذئب . فانكفأ الذئب متراجعاً، والدم ينزف منه ، وولى هارباً ، لا يلوي على شيء .
وخارت قوى الجدة ، وسقط الفأس من يدها ، وتهاوت قرب شبل . ومد شبل يديه الصغيرتين إلى الجدة متمتماً : جدة .. جدة.. جدة .
وتطلعت الجدة إليه ، وقالت : لا تخف يا بني ، لقد ولى الذئب.
وتمتم شبل مختنقاً بدموعه : ماما .. ماما.
وعبثاً حاولت الجدة أن ترفع رأسها ، وقالت بصوت خافت متقطع: شبل .. لا تخف.. سنعود إلى ..
وسكتت الجدة ، وتطلعت إلى شبل بعيني دامعتين ، وهمت أن تمد يدها إليه ، لكنها سرعان ما همدت فوق العشب.
وهبطت القردة من الشجرة ، وحامت بحذر حول الجدة. وكأنما أدركت حقيقة ما جرى ، فقد توقفت برهة ، وأطلقت أنة حزينة . واقتربت القردة من شبل ، وتراءى لها صغيرها، فمدت يدها ولمست وجهه، مغمغمة بأصوات حنونة.
وارتفعت ضجة بين الأشجار ، فانتفضت القردة ، وتلفتت خائفة ، ولابد أنها ظنت أنه الذئب، فأخذت شبل بين ذراعيها، ولاذت بالفرار.

” 3 ”

بدأ القلق يساور الأم ، حين سطعت شمس الظهيرة ، دون أن تعود الجدة وشبل . ولم تعد تقوى على الاستقرار، فخرجت مراراً من البيت ، تتطلع نحو الغابة، لعلها تراهما قادمين . وكلما مر الوقت ازداد قلقها، ورفعت عينيها إلى السماء ، أكثر من مرة ، متمنية أن تعود الجدة وشبل ، قبل أن يعود أبو شبل إلى البيت .
وكادت الأم أن تنهار ، عندما عاد أبو شبل قبيل العصر، يحمل أرنباً. وعلى غير عادتها ، لم تسرع إليه متهللة ، وتأخذ منه ما اصطاده. ورفع أبو شبل الأرنب ، وهتف بمرح : شبل ، أتيتك اليوم بأرنب.
وصمت أبو شبل ، إذ لم يجبه أحد ، وتلفت حوله ، ثم نظر إلى زوجته. فرفعت عينيها إليه، وقالت في تردد: ذهب شبل مع.. مع الجدة .
وألقى أبو شبل الأرنب ، وقد اشتعلت عيناه، وقال : لا تقولي أنه ذهب معها إلى الغابة .
فردت الأم قائلة : سيأتيان ، سيأتيان حالاً.
وحدق أبو شبل فيها غاضباً ، وقال : لكنه صغير ، وأنت تعرفين الغابة وأخطارها.
وارتج على الأم ، لكنها قالت: أرادت لجدة أن تأخذه معها، ولم أشأ أن أعارضها.
وتناول أبو شبل رمحه ، وشد قبضته عليه ، ثم فتح الباب، ومضى مسرعاً. وهمت الأم أن تلحق به، وهي تهتف: مهلاً ، سآتي..
لكن أبا شبل قاطعها بغضب ، وصاح دون أن يتوقف : كلا، ابقي أنت قي البيت .
ووقفت الأم حائرة ، لا تدري ماذا تفعل ، لكنها سرعان ما انطلقت إلى أبيها رئيس القرية ، وهتفت مستغيثة : أدركني يا أبتي ، ابني شبل .
وصمتت مختنقة بدموعها ، فهب رئيس القرية قائلاً : شبل ! ماله يا بنيتي ؟
فردت الأم بصوت باك : أخذته الجدة معها إلى الغابة ، منذ الصباح ، ولم يعودا حتى الآن ، وذهب أبو شبل للبحث عنهما .
ومد رئيس القرية يده ، وأخذ رمحه ، وقال : لا عليك ، سأخرج الآن بالرجال ، والحق به .
وفتح الباب ، ومضى مسرعاً نحو ساحة القرية ، فأسرعت الأم في أثره قائلة : سآتي معك .
وانطلق رجال القرية حاملين رماحهم ، يتقدمهم الدليل العجوز . وسارت الأم إلى جانب أبيها رئيس القرية ، وعيناها غارقتان بالدموع . وتوغل الجميع في الغابة ، يتأثرون أبا شبل ، وإذا الدليل العجوز يتوقف ، ثم يهتف: أنظروا ، ها هو أبو شبل .
وبالفعل رآه الجميع ، يقف جامداً على البعد ، وقد أولاهم ظهره فانطلقوا إليه مسرعين تتقدمهم الأم ، وندت عنها صرخة ، حين رأت الجدة ملقاة على الأرض . واقترب رئيس القرية من الجدة ، وحدق فيها ثم قال : إنه الذئب .
ودار الدليل حول المكان متتبعاً الأثر ، وانكب على الأرض ، وقال : هنا تنتهي آثار شبل .
وأسرع رئيس القرية ، وحدق في الأثر ، وتتبع آثاراً قريبة ، وقال : هذه آثار أخرى .
وتفرس الدليل العجوز في الآثار ، وقال : إنها آثار قرد .
فاحتد رئيس القرية قائلاً : أنت تخرف .
ورفع الدليل العجوز رأسه ، وقال : هذا ما أراه .
وندت صيحة عن الأم ، فأسرع الجميع إليها ، وقال رئيس القرية : ما الأمر ، يا بنيتي ؟
فمدت الأم يدها ، وتناولت سواراً عن الأرض ، وقالت بصوت باك : سوار شبل .

” 4 ”

من أعماق الغابة ، ارتفع عواء الذئب : عووووو .
وفزت الأم صارخة : آ آ آ آ .
وأصاخت السمع ، وقلبها يخفق بشدة ، لعلها تتأكد أحقيقة ما سمعت أم وهم ؟ وأغمضت عينيها متنفسة بعمق ، حتى هدأ قلبها قليلاً ، ومدت يدها تتحسس الفراش هامسة: أبا شبل .
وفتحت عينيها ، فيدها لم تلمس غير الفراش البارد ، فنهضت تتلمس طريقها في العتمة ، وهي تغمغم : المسكين ، يكاد لا ينام ، منذ اختفى شبل .
وفتحت الباب، وإذا هو كالعادة يقف في العتمة جامداً ، يتطلع نحو الغابة ، فمضت إليه ، وقالت بصوت خافت : أبا شبل .
وبقي أبو شبل على جموده ، ورد قائلاً : لم يعد لي ابن يدعى .. شبل .
واقتربت الأم منه ، وقالت : لا تقل هذا .
وتنهد أبو شبل ، وقال : إنها الحقيقة .
ومن أعماق الغابة ، ارتفع عواء الذئب : عوووو .
ودمدم أبو شبل : الذئب .
وتابعت الأم قائلة : شبل موجود .
وارتفع عواء الذئب ثانية : عوووو .
فالتفت أبو شبل إليها ، وحدق فيها لحظة ، ثم قال : اسمعيه ، اسمعي القاتل .
وبصوت يكاد يكون باكياً ، قالت الأم : شبل موجود .. موجود .
واستدار أبو شبل ، ومضى نحو الداخل قائلاً : لن يفلت مني هذا القاتل ، سأقتله مهما كلفني الأمر .
ووقفت الأم في العتمة ، تتطلع نحو الغابة ، وبصوت باك راحت تتمتم : شبل موجود ، نعم موجود ، هذا ما يقوله لي إحساسي ، وإحساس الأم لا يخطئ .
ومرة أخرى ارتفع عواء الذئب : عوووو .
فتراجعت الأم ، وأسرعت إلى الداخل .
ودوى في أعماق الغابة عواء الذئب : عووو .
فهب شبل من غفوته صائحاً : ماما .
وتوقفت الأم عند الباب ، والتفتت مغمغمة : شبل .
وأفاقت القردة على صيحة شبل ، ومدت يديها إليه مغمغمة بأصوات حنونة ، وضمته إلى صدرها ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وتلفتت الأم حولها ، ثم مضت إلى الداخل ، وهي تتمتم باكية : سأجن .. سأجن .

” 5 ”

راحت الأيام تمر ، يوماً إثر يوم ، وشبل يكبر في الغابة ، بين الطيور والأرانب والغزلان . وغدت القردة، مع الأيام ، بمثابة أمه ، تطعمه وترعاه وتلهو معه .
ورغم مرور الأيام ، لم ينسه أبوه ، ولم تنسه أمه ، وحتى جده رئيس القرية ، لم ينسه . وكثيراً ما توقفت أمه عن العمل ، وتطلعت نحو الغابة متمتمة : شبل .
ظل أبوه يبحث عن الذئب دون جدوى ، وظلت أمه تردد: شبل موجود .. موجود .. موجود .
ورغم أن جده ، رئيس القرية ظل يذكره إلا أنه ما فتئ ينصح الأم قائلاً : كفى يا بنيتي ، انسيه .
فتهز رأسها ، وعيناها تغرقان بالدموع . وطالما قال لها: بنيتي ، أنت شابة ، سيكون لك أكثر من شبل .
فتطرق قائلة : شبل موجود يا أبتي ، موجود .
وخلال هذه المدة ، عاش شبل مرتاحاً في الغابة ، لا ينغصه سوى الذئب وعوائه . وكلما دوى عواء الذئب ليلاً ، متردداً في أرجاء الغابة ، أفاق شبل ، وتطلع إلى القردة ، فتجيبه بغمغمة مطمئنة حنون .
وألف شبل الطيور والأرانب والغزلان ، وأحبها وبدورها ألفته وأحبته ، لكنه كان يتألم لا خوفاً من الذئب، ومن عوائه البشع ، وتمنى لو يستطيع أن يخلصها من هذا الخوف ، ويوفر لها الأمان في الغابة .
وبقدر ما كره شبل الذئب ، تمنى لو يراه ، ويتعرف على شكله وطبيعته . وذات يوم ، قبيل المساء ، كاد يتحقق لشبل ما تمناه .
لقد وقف متأملاً الخشف ، يتقافز حول الغزالة ، بينما جلست القردة فوق الشجرة ، وعيناها القلقتان الحذرتان تتابعان شبل ، وترصدان كل ما يدور حولها .
وفجأة صرخت القردة ، وراحت تتواثب بين الأغصان ، مشيرة لشبل أن يهرب . وبلمح البصر تسلق شبل الشجرة ، ووقف متلفتاً إلى جانب القردة .
وارتفعت ضجة بين الأشجار ، تصحبها زمجرة متوحشة وصرخت القردة مرة أخرى ، وراحت تتواثب حول شبل فدفعت الغزالة الخشف أمامها ، وانطلقا مسرعين ، حتى تواريا خلف مجموعة من الأشجار الكثيفة .
ومن مكانه ، لمح شبل جسماً يمرق كالسهم عبر الأشجار، وخفق قلبه بشدة ، فقد خمن أنه الذئب ، وسرعان ما سمع الغزالة تصيح مستغيثة متوجعة .
وبدون تردد هبط شبل من الشجرة ، وتصايحت القردة خائفة ، وحاولت عبثاً أن تعترضه . و التقط شبل ما يشبه الهراوة عن الأرض ، وانطلق مسرعاً نحو الغزالة .
ويبدو أنه وصل بعد فوات الأوان ، فقد رأى الخشف وحده ، يدور ثاغياً بخوف ، ولمح خيطاً من الدم ، يمتد فوق الحشائش ، ويختفي بين الأحراش .
ووقف الخشف متطلعاً نحو الشبل ، وراح يثغو بصوت شاك ، فاقترب شبل منه ، ومدّ له يديه ، مغمغماً بأصوات مطمئنة حنونة . وتململ الخشف حائراً ، لكنه سرعان ما اندفع نحو شبل . فأخذه شبل بين يديه ، وضمه إلى صدره قائلاً : اطمئن ، لن أسمح لأحد أن يمسك بأذى .
” 6 ”

أراد شبل ، ذات يوم ، أن يأخذ الخشف ، ويمضي به إلى النهر . وكالعادة اعترضته القردة ، وراحت تدور حوله ، وكأنها تحذره من الذئب .
وأخذ الشبل هراوته ، وأشار للقردة بأنه سيسحق الذئب ، إذا تعرض له . وطلب منها أن تعود إلى مكانها فوق الشجرة ، وتنتظره حتى يعود ، وطمأنها بأنه لن يتأخر .
وتراجعت القردة تهمهم محتجة ، وتوقفت لحظة ، ثم استدارت ، وتسلقت الشجرة . ولوح شبل لها مبتسماً ، وانطلق مع الخشف ، وراحا يركضان متواثبين عبر الأشجار .
وعند مشارف النهر ، توقف شبل مذهولاً ، وأشار للخشف أن يتوقف ، ويلتزم الصمت ، فقد تناهت إليه ، من جهة النهر ، أصوات غريبة ، ذكرته بأصوات لم يسمعها منذ فترة طويلة .
وتقدم شبل ببطء وحذر ، وأزاح بعض الأغصان ، وإذا به يرى امرأة ، وفتاة في عمره ، تتراشقان بالماء متضاحكين ، وتتخاطبان بلغة ، خيل إليه أنه سمعها ذات يوم ، لكنه لا يفهم منها الآن إلا الشيء القليل .
وخرجت الفتاة من النهر ، تقطر ماء ، وقالت : لابد أنّ بابا قد جمع الآن كمية كبيرة من الفطر .
وتبعتها المرأة قائلة : لنمض ِ إذن ، يا بنيتي .
فقالت الفتاة : هيا ، يا ماما .
وأشرق وجه شبل ، وتمتم : ماما !
وتراءى له وجه مضبب ، يبتسم بحنان ، فتمتم ثانية : ماما .
ووقف حائراً ، متردداً ، إنّ ماما هذه لا تشبه الوجه المضبب ، لكنها مع ذلك .. ماما .
وهمّ أن يندفع نحوها ، مردداً ماما .. ماما ، حين تقادحت عينان متوحشتان ، وبرزت أنياب حادة ، إنه الذئب ، نعم الذئب . وتوقفت الفتاة مرعوبة ، ثم أسرعت إلى أمها صارخة : ماما .
وارتعبت المرأة ، واحتضنت الفتاة صارخة : الذئب .
ثمّ صاحت بأعلى صوتها : النجدة .
واندفع الذئب مزمجراً ، نحو المرأة والفتاة ، وأسرع شبل ملوحاً بهراوته ، واعترض الذئب ، وأهوى عليه بالهراوة ، فصرخ الذئب ، وتراجع مترنحاً ، ثم لاذ بالفرار .
وتقدمت المرأة من شبل قائلة :شكراً ، يا بنيّ .
وتطلع الشبل إليها حائراً ، فقالت : يا لقوتك ، وشجاعتك، لم أرَ صبياً في عمرك ، يتصدى لمثل هذا الذئب المتوحش .
وحدقت الفتاة في شبل ، ثم قالت : يبدو أنه لا يفهمك .
فتمتمت المرأة : يا للعجب .
ثم تساءلت مستعينة بالإشارة : من أين .. أنت ؟
وابتسم شبل ، وأشار بيده مهمهماً ، بأنه من هنا .
فمدت المرأة يدها ، واحتضنت يد شبل ، وقالت : مكانك ليس في الغابة ، يا بنيّ ، تعال معنا .
وارتاح شبل للمرأة ، واستسلمت يده لدفء يدها ، وأوشك أن يستجيب لدعوتها ، حين ارتفعت من أعللا الضفة ، صرخات القردة .
وسحب شبل يده من يد المرأة ، ولوح للقردة مطمئناً ، لكنها ظلت تصرخ ، مشيرة له أن يعود بسرعة إليها . وتراجع شبل ، رافعاً يده للمرأة ، فشهقت الفتاة قائلة : ماما ، انظري إلى سواره .
وتطلعت المرأة إلى السوار مندهشة ، وقالت : هذا السوار يشبه الاسورة ، التي نصنعها في القرية .
وأسرعت القردة متصايحة إلى شبل ، وأمسكت بيده ، وراحت تعدو به مسرعة ، حتى تواريا بين الأشجار .
” 7 ”

انتقل الخبر بسرعة الريح ، من شخص إلى شخص، ومن بيت إلى بيت ، حتى عمّ القرية كلها. وسرعان ما تجمع أهالي القرية ، حول المرأة والفتاة ، يتقدمهم رئيس القرية ، وأبو شبل وأمه والدليل العجوز .
وروت المرأة والفتاة مجدداً ما جرى عند النهر ، فهزّ رئيس القرية رأسه قائلاً : يا للعجب ، هذه أول مرة أسمع بصبيّ يتصدى لذئب .
ولعل الفتاة ظنت ، أنّ رئيس القرية ، يكاد لا يصدق ما روته هي وأمها ، فقالت : إنّ دماء الذئب ، الذي ضربه الصبيّ بهراوته ، مازال على ضفة النهر .
ونظرت المرأة إلى الأم ، وقالت : والغريب أنّ هذا الصبيّ يفهم شيئاً من كلامنا .
وعلقت الفتاة قائلة : رغم أنه يغمغم مثل القرود .
وقالت المرأة : كاد يأتي معنا لولا القردة ، فقد نادته من أعلى الضفة ، فأسرع إليها ، ومضيا معاً .
فتمتم الدليل العجوز : القردة !
وبدت الحيرة على أهل القرية ، لكن أحداً منهم لم يفه بشيء ، فقالت المرأة : من يدري ، لعل هذا الصبي منّا ، فقد رأيت في معصمه سواراً من الأسورة ، التي يلبسها الصغار في قريتنا .
وشهقت الأم قائلة : قد يكون ابني شبل ، لقد اختطفه الذئب منذ فترة طويلة .
وتنهد أو شبل متضايقاً ، لكن أم شبل لم تلتفت إليه ، وسألت المرأة بلهفة : كم عمر ذلك .. الصبي ؟
فأشارت المرأة إلى ابنتها ، وقالت : يبدو لي أنه بعم ابنتي هذه .
وشهقت الأم ثانية ، وقالت : إنه شبل .
واحتدّ أبو شبل قائلاً : هذا جنون .
وهمت الأم أن تردّ عليه ، لكن أباها أشار عليها أن تلزم الصمت ، ونظر إلى أبي شبل ، وقال : لا غرابة في أن يكون هذا الصبيّ ابنكما شبل ، فقد سمعت أنّ أمراً كهذا، حدث في الماضي .
ولمعت عينا الأم بالأمل ، وقالت : إنّ ابني حيّ ، نعم ، حيّ ، فحين بحثنا عن شبل والجدة في الغابة ، لم نجد غير الجدة .
فردّ أبو شبل قائلاً : لكن وجدنا آثار الذئب .
واختنقت الأم بدموعها ، ولم تحر جواباً ، فقال الدليل العجوز : أنتم تنسون القردة .
وتساءل رئيس القرية : القردة !
فردّ الدليل : نعم ، لعلها أنقذته .
ولاذ الجميع بالصمت ، فتابع الدليل العجوز قائلاً : قلتُ لكم وقتها ، إنني أرى آثار قرد ، لكن أحداً منكم لم يلتفت للأمر .
وساد الجميع الصمت ، فتطلع رئيس القرية حوله ، ثمّ قال : الوقت متأخر الآن ، اعدوا رماحكم ، سنمضي غداً منذ الفجر ، للبحث عن .. شبل .
” 8 ”

وفي اليوم التالي ، حمل الرجال رماحهم ، قبل شروق الشمس ، وانطلقوا نحو الغابة ، تتقدمهم المرأة والدليل العجوز . وعلى ضفة النهر ، رأى الجميع دماء الذئب ، وحام الدليل العجوز حول الدماء ، وصعد الضفة متتبعاً الآثار ، ثم توقف قائلاً : تعالوا .
فأسرع الجميع إليه ، تسبقهم الأم ، وتساءل رئيس القرية : ما الأمر ؟
فأشار الدليل العجوز ، إلى آثار على الأرض ، وقال : أنظروا ، هذه آثار صبيّ وقرد وغزال .
وحدق رئيس القرية في الآثار ، ثم رفع رأسه قائلاً : هيا تقدم ، أنت أفضل من يتتبع الأثر .
وتقدم الدليل العجوز الجميع ، وعيناه تتابعان الآثار ، وتقف مراراً ، وقال : الآثار من هنا .
ثمّ غذ ّالسير قائلاً : اتبعوني .
وتباطأ الدليل العجوز ، ثم توقف مشيراً للجميع أن يلزموا الصمت ، وقال بصوت خافت : يبدو أنهم هنا .
وتلفت الدليل العجوز حوله ، ثم رفع رأسه إلى أعلى ، وقال : أنظروا .
ورفع الجميع رؤوسهم ، وشهقت الأم : القردة .
وتلفتت حولها متسائلة : إذن أين .. ؟
وهنا اندفع شبل من بين الأشجار ، ملوحاً بهراوته ، وهو يصرخ كالقردة . وتراجع الجميع مذعورين ، عدا الأم ، فقد ظلت في مكانها ، تتأمل شبل ، قائلة : شبل .. بنيّ شبل .
وصمت شبل محدقاً فيها ، فمدت يديها نحوه ، وقالت : تعال ، يا بنيّ ، تعال أنا ماما .
ولمعت عينا شبل ، وتراءى له وجه مضبب ، يحمل ملامح المرأة ، التي أمامه ، فتمتم : ماما !
فتقدمت الأم منه ، وهي تقول : نعم ، ماما ، ماما .
وتراجع شبل متردداً ، ولمحت الأم السوار في معصمه ، فأخرجت السوار الآخر ، وأرته إياه قائلة : سوارك .. سوارك .
ومدّ شبل يده ، وتناول السوار ، ثمّ نظر إلى أمه مبتسما،ً فابتسمت الأم من بين دموعها ، وأشارت إلى نفسها ، ثم قالت : ماما .. أنا .. ماما .
فتمتم شبل : ماما .
وتقدم أبو شبل ، فأشارت الأم إليه ، وقالت : بابا .
فتمتم شبل بحيرة : بابا !
ومدت الأم يديها ، واحتضنت يده ، وقالت : شبل .. تعال .. تعال معنا .. يا بنيّ .
وصرخت القردة ، فسحب شبل يده من بين يدي أمه ، وتراجع قليلاً ، فتقم أبوه منه ، وقال : بنيّ ، تعال ، لا تخف .
وصرخت القردة ثانية ، وراحت تتواثب قلقة فوق الشجرة ، فاستدار شبل ، وتسلق الشجرة بخفة ، واحتضن القردة مغمغماً ، حتى هدأت .
وتطلع رئيس القرية إلى شبل ، وقال : من الأفضل أن نتركه الآن هنا .
وشهقت الأم ، وقالت معترضة : لا ، لن أترك ابني مع قردة .
فالتفت رئيس القرية إليها ، وقال : لا تنسي ، يا بنيتي ، إنّ هذه القردة هي التي ربته .
واختنقت الأم بدموعها ،فاقترب منها أبو شبل ، وقال : لا عليك ، لن نتركه هنا طويلاً .
ورفع رئيس القرية يده ، وأشار لمن حوله قائلاً : هيا ، لنعد إلى القرية .
وسار رئيس القرية ، وسار الجميع وراءه ، والتفتت الأم مراراً ، وهي تسير إلى جانب زوجها ، وسرعان ما ابتعدوا ، وتواروا خلف الأشجار ، عندئذ التفت شبل إلى القردة ، ولوح بالسوار متمتماً : ماما .. ماما .

” 9 ”

أطفأت الأم السراج ، وتمددت في العتمة ، إلى جانب زوجها ، دون أن تنبس بكلمة . وأغمضت عينيها لعلها تهدأ قليلاً ، وترتاح ، وهمت أكثر من مرة ، أن تلتفت إلى زوجها ، وتبادله الحديث عن شبل ، لكنها سرعان ما كانت تكف عن ذلك ، حين سمعته يغط في نوم عميق .
وظلت الأم تتقلب في فراشها طول الليل ، وكلما أوشكت أن تغفو ، هزها صوت شبل ، مرتفعاً من وسط الغابة : ماما .
وعند الفجر ، وجدت نفسها تنهض من الفراش ، وتنسل بهدوء إلى الخارج ، وتمضي وحيدة تحت جنح الظلام ، نحو الغابة . وفزّ أبو شبل ، كأنّ أحداّ قد وخزه ، وتلفت حوله ، ثمّ هبّ من فراشه ، أين أم شبل ؟ أيمكن أن .. ؟ من يدري ، إنها مجنونة ، فلأتأكد أولاً . وأسرع إلى الخارج مناديا زوجته .. أم شبل .
لم يجبه أحد ، فقفل راجعاً إلى الغرفة ، وأخذ رمحه وانطلق نحو رئيس القرية ، والد أم شبل . وما إن رآه رئيس القرية ، حتى هبّ من مجلسه ، وتساءل : خيراً ، ما الأمر ؟
فردّ أبو شبل قائلاٍ : أم شبل ..
وقاطعه رئيس القرية قلقاً : لا تقل إنها ذهبت ..
فقال أبو شبل : هذا ما أخشاه .
وشدّ يده على رمحه ، وقال ، وهو يمضي مسرعاً : سألحق بها ، قبل أن يصيبها مكروه .
فصاح رئيس القرية : تمهل ، يا أبا شبل ، تمهل ، سنذهب جميعاً معك .
وأسرعت الأم متوغلة في الغابة ، وأجفلت أكثر من مرة، لصرخة طير جارح ، أو مروق حيوان مفترس ، يطارد فريسة . وواصلت سيرها ، حتى وصلت النهر ، ثم صعدت الضفة ، ومضت في نفس الطريق ، الذي قادهم عبره الدليل العجوز ، يوم أمس .
وحثّ رئيس القرية خطاه ، أثر الدليل العجوز ، والرجال يسرعون وراءه ، ورماحهم في أيديهم . وعند مشارف النهر ، صاح الدليل العجوز : ها هو أبو شبل .
فقال رئيس القرية : ناده .
ورفع الدليل العجوز صوته منادياً : أبا شبل .
فردّ أبو شبل ، دون أن يتوقف : هذه آثار أقدامها ، اتبعوني .
ومن أعماق الغابة ، ارتفع عواء الذئب : عوووو .
وتوقف أبو شبل لحظة ، وقلبه يخفق بشدة ، وسرعان ما شدّ على رمحه ، وانطلق قائلاً : الذئب .
وعلى الفور ، انطلق في أثره ، رئيس القرية ، والدليل العجوز ، وبقية الرجال ، وأيديهم تشدّ بقوة على رماحهم.
ودوى عواء الذئب ثانية : عوووو .
وتوقفت الأم ، وهي تتمتم برعب : الذئب .
وهمت أن تهرب ، فأطلت من بين الأشجار ، عينان متقادحتان ، وأنياب حادة تلمع ، إنه الذئب . وتراجعت الأم مذعورة ، فاندفع الذئب نحوها ، وقد كشر عن أنيابه. وفجأة برز شبل ، واعترض الذئب ، وأهوى بالهراوة على رأسه ، فصرخ الذئب مترنحا! وهمّ أن يلوذ بالفرار ، لكن شبل أهوى بالهراوة ثانية على رأسه، فتهاوى الذئب على الأرض مضرجاً بدمائه .
ووقف شبل لاهثاً ، فتقدمت منه أمه ، وقالت بصوت حنون : شبل .
ورفع شبل عينيه إليها ، وتمتم : ماما .
ومدّ يده إلى أمه ، فأخذتها الأم فرحة بين يديها ، وهي تردد بصوت دامع : شبل .. شبل .. شبل .
وهنا ارتفع صياح القردة ، فالتفت شبل إليها ، لكنه لم يسحب يده من بين يدي أمه ، بل مدّ يده الأخرى إلى القردة ، مهمهماً بأصوات مطمئنة حنونة .
واقبل الخشف من بين الأشجار ، وما إن رأى شبل ، حتى انطلق نحوه ، وهو يثغو فرحاً . ودارت القردة قلقة، ثم توقفت تتطلع إليه . وسرعان ما حسمت أمرها ، منطلقة نحو شبل ، ومدت يدها ، وأمسكت بيده .
وسار شبل ، واحدي يديه في يد أمه ، ويده الأخرى في يد القردة ، والخشف يتقافز أمامهم . وارتفع وقع أقدام كثيرة ، متسارعة ، تتجه نحوهم . وتوقف شبل متوجساً، فربتت أمه على كتفه ، وقالت : لا تخف ، إنه بابا ورفاقه من أهل القرية .
ومن بين الأشجار ، أقبل الرجال ، يتقدمهم أبو شبل ، ورئيس القرية ، والدليل العجوز . وما إن رأوا شبل يتوسط أمه والقردة ، حتى توقفوا مذهولين .
ورفع شبل عينيه إل أمه متسائلاً : بابا ؟
فهزت الأم رأسها ، وقالت : نعم ، يا عزيزي ، بابا .
واقترب أبو شبل من ابنه ، ومدّ يديه نحوه ، واحتضنه متمتماً بصوت تبلله دموع الفرح : شبل .. بنيّ شبل .

شاهد أيضاً

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

إِرْسَالِيَّة قَصِيرَة و عاجلة لبيروت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صباح الْخيْر حبيبتي بيروت أُعْذُرِينِي إِذْ أَنَا غادرْتُ بَاكِرًا ذَاكَ الصَّباح لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُقَبِّلَكِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *