جمعة الجباري : ملاحظــات كـاتب دوغـمائــي

jumaa aljbari-1-
منذ نعومة اظفاري وأنا مولعٌ باقتناء الكتب القيِّمة والدوريات ذات الصيت، فكنتُ أدَّخِرُ من مصروفي اليومي لابتاع به الروايات العالمية والكتب و مجلة ألف باء والقبس الكويتية وجريدة الراصد، وبعد التشبع من قراءتها كنت اجمعها في خزانتي الخاصة، حتى صارت بمرور الوقت؛ لا تتسع لملابسي وكتبي المدرسية وكتبي وجرائدي دفعة واحدة، فقمت بحفظ تلك الجرائد والمجلات في اكياس كبيرة و وضعتها في سقيفة لنا على سطح المنزل _مع تأوهات وتذمرات أمي طبعاً_ وما ان بدأ الحصار يشد خناقه على العراق في عام 1991 بشكل عام وعلى اقليم كوردستان بشكل خاص لاننا كنا نعاني حصارين معاً، و شحَّ كل شىء، حتى النفط والغاز _كما هو الان_ حتى انتهزت امي غيابي عن البيت لغرض الدراسة؛ فأحرقت تلك الاكياس الكثيرة (شقى العمر) لتخبز بها! وعندما عدت بعد فترة طويلة، ذهبت الى السطح للاطمئنان على اغراضي الغالية على قلبي، وما هي الا هُنيهات حتى جفلت أمي ومن في البيت على صوت صراخي وأنا اصيح (أين مجلاتي وجرائدي يا أميييي) فعلمتُ بعد ذلك أنها أصبحت هي الاخرى أحدى ضحايا (الحرب الدائمة) في العراق.
-2-
لم يعد في السياسة شىء أسمه “شعرة معاوية” كخط رجعة لاعادة المياه الى مجاريها، بعد عاصفة من المناوشات والمهاترات والتخبطات السياسية بين الجانبين. بل بات الوضع الان لايوصف باي صفة، كون المصالح الانية هي التي تحدد ما اذا كانت تستوجب أن يكون لهذا الطرف علاقات سياسية مع ذاك الطرف أم لا، وقد خلخلت سباقات التصارع الدولية والكونية السريعة؛ كل الموازين المعروفة، ولم يعد احد يحتكم الى شىء أسمه “شعرة معاوية” بل المصالح الآنية المشتركة هي التي تحدد طبيعة العلاقات بين الطرفين، وقد تنهار تلك العلاقات بين ليلة وضحاها؛ بسبب مزاجيات شخصية وفردية، رامية مصالح شعوب بأكملها عرض الحائط.
-3-
لايمر يوم الا وألعن وأشتم تغير الموازين العالمية وظهور العولمة وتأثيراتها السلبية في دول العالم الثالث و تسارع الزمن وتخبطه؛ فقد انقلبت الموازين الاجتماعية، وباتت الاحاسيس الانسانية غير التي كنا نعرفها (أيام زمان) ومنها الاحاسيس المؤلمة والرقيقة في مناسبات العزاء، فقد كنا نتألم كثيراً حين يتوفى قريب لنا أو صديق أو احد المعارف، وكنا نسترجع مواقفه ومحاسنه بكل اجلال داعين له الرحمة والغفران، وكان الناس ياتون لأهل المتوفي بمساعدات مادية، دون ان يأكلوا من قدرهم خشية الله وتعاسة المناسبة التي تسد النفس. الا أن مجالس العزاء في ايامنا هذه أنقلبت الى إقامة ولائم وعزائم دسمة يدعى اليها وجهاء وفجعاء الديرة، ناهيك عن تسابق وتنافس بين عوائل الفقيد للافتخار بما قاموا به من وليمة كبيرة وذبائح كثيرة ايام العزاء، كي يأكل المعزين ما لذ وطاب على شرف المتوفي وحسابه! ولو كانت الذبائح قليلة والولائم على قدر مد البساط؛ لعن المعزين في سرهم الفقيد ودعوا له بالخلود في جهنم وبئس المصير، ونعتوا اهله بالبخل وفضحوهم بين الناس. ناهيك عن مجالس عزاء النساء التي اصبحت مجالس سمر وضحك وقبلات حارة وغيبة ونميمة وفضح اسرار الناس ناهيك عن ايجاد زيجات مناسبة لبناتهن؛ دون ان يطرقن السمع لايات القرآن التي تتلى في الفاتحة أو يكون لديهن مجال كي يترحمن على المتوفي، الذي بموته؛ جمعهن تحت خيمة واحدة.
-4-
أحدى القواعد الشائعة والمتبعة في مهنة الصحافة، هي البحث عن الحدث وتوثيقه كما هو. وقد أرهقني التفكير في عبارة تقول: أذا رأيت رجلاً بصيراً يهم بالعبور في شارع، وأنت كصحفي واقف في الجهة المقابلة للشارع وكاميرتك بيدك، وقد رأيت سيارة مسرعة تتجه نحو الرجل البصير الذي قد وصل بخطواته الحذرة الى منتصف الشارع، وأنت متأكد من وقوع حادثة أصطدام السيارة بالرجل، فهل تسرع لانقاذه أم تأخذ وضعية تصوير حادث الاصطدام لتحصل على سبق صحافي؟ لاشك أن غالبية الصحافيين يجيبون بأنه يجب على الصحافي الا يتدخل في تغيير الحدث وأن يترقب حدوث الحادث كي يوثقه!
الا أنني تعبت من كثر التفكير في هذه القاعدة، ولو وضعت نفسي في ذات الموقف؛ لاسرعت لانقاذ الرجل البصير دون أهتمام بتسجيل الخبر، لانني أرى أن الصحافي لو تجرد من مشاعره الانسانية وآثر تسجيل خبر لصحيفته على انقاذ روح أنسان؛ فأن ذلك برأيي ليست صحافة، فالصحافة قبل كل شىء التزام أخلاقي وأنساني، قبل أن تكون توثيق خبر. ومن يعدَّني مخطأً فربما هو صحيح، ولكنني أتحدث من واقع تجربة أعلامية أمدها اكثر من 20 عاماً، ولا أريد أن أكون صحافياً أنانياً مجرداً من مشاعره الانسانية، فرغم عشقي للصحافة؛ الا أنني أحب الرجل البصير أكثر من الخبر والصحيفة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : عجيبة بيت أبو بشارة .

– عجيبة، يا أم بشارة.. استيقظي.. القديسة العذراء الممتلئة بالنعمة… بارك الله اسمها… باركت بيتنا. استيقظي …

| خالد جواد شبيل : الشاعر عزالدين المناصرة سلاماً.

في نهاية الستينات من القرن المنصرم، حطّ بين يديّ كتاب شعر يحمل عنوان ” يا …

2 تعليقان

  1. جمعه‌ الجباری

    شكرا لموقع (الناقد العراقي) الذي يسهم دائما في نشر نتاجاتنا والاعتناء بها على اكمل وجه

  2. شكرا جزيلا أخي الأستاذ جمعة الجباري على لطفك وثقتك
    تقبل فائق احترام أسرة الموقع
    حسين سرمك حسن
    المشرف على الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *