علي عبد العال: سيرة ذاتية..

البشر سواسية لكنهم لا يتشابهون إلا كما تتشابه بصمات الاصابع

أي إنسان خُلق على وجه الأرض له سيرة ذاتية تخصه لوحده. إنه أمرٌ يشبه كثيرا بصمات الأصابع البشرية؛ لا تتطابق بصمة إنسان مع بصمة إنسان آخر حتى لتوأمين نزلا من نفس الرحم بالرغم من التشابه الشكلي العام الذي يصل حد التطابق بينهما أحيانا.
يميل الشخص، في الغالب، إلى التعامل والتعاطي والتفاهم مع الناس الذين يتشابهون معه في السلوك والأخلاق والمرتبة الاجتماعية والطبقية والوظيفة أو المهنة؛ وينفر من الناس الغرباء عن فكره وعالمه الخاص وطريقة تفكيره على وجه العموم. هكذا يفعل الحيوان أيضا، ولكن بدرجة أقل وعيا وأكثر عفوية من الإنسان. فنرى الحيوان يشّكل حالة القطيع. الأسود تعيش في مجموعة تتميز عن النمور، والغزلان تعيش في عالمها الخاص، وكذلك الثيران البرية والحمار الوحشي الزيبرا. كل مجموعة تعيش داخل نطاقها الخاص، وفق نظام عام وشامل يوحدهم جميعا في الطبيعة التي تجبرهم على العيش المشترك وتقاسم الفرص في هذه الحياة من شرب الماء وأكل الأعشاب الطرية واللحوم، وبالتالي دفع ضريبة الحياة بالتضحية ببعض أفراد القطيع عندما يتحتم عليهم عبور نهر حيث تنتظر التماسيح الجائعة لعب دورها في الحياة هي الأخرى.

نحن البشر لا نختلف كثيرا، من ناحية الغرائز، عن هذه الحيوانات الجميلة سوى بمادة “الفهم” أو بمعنى آخر “الإدراك”.

الحياة، في منظوري الخاص، “معركة” أبدية بين جميع العناصر المكونة لها والمحيطة بها. وهذه المعركة تنتهي بالموت الحتمي لجميع العناصر المشتركة فيها، بين منتصرٍ وخاسرٍ بالرغم من الفارق الزمني المخادع بينهما. أقصد التعريف بحقيقة ولادة الأجيال ثم تفسخها وانحلالها وزوالها. ذلك يشمل جميع العناصر التي تدب فيها الروح من حيوانات وحشرات وبشر ومختلف المخلوقات على وجه البسيطة.
كنتُ أدرك بشكل عفوي على نحو ما أنني “كائنٌ زائل”، ولستُ أدوم أكثر من وقتٍ يمر بين الشروق والغروب بحساب البعد الكوني. لذا لم أكن أهاب الموت، وتقاتلتُ بضراوة جندي باسل من أجل الحب والحرية والبطر الرائع الذي يجب أن يتمتع به البشر سواسية في جميع إنحاء العالم كما يجلس الملوك على مائدة واحدة، لا فقير ولاغني، إنما بصفة إنسان حر فقط. كل إنسان يحق له أن يصير ملكا حرا، على الأقل في مملكته الروحية الذاتية المترامية الأطراف.
ولدت في العراق ـ الديوانية 1956
درست في جامعة بغداد ـ كلية القانون والسياسة أربعة أعوام بين 74ـ 75 و 78- 79
نشرت عدة قصائد صغيرة ومقالات في الصحافة العراقية كانت بمثابة البداية الأولى.
عشتُ تجربة الكفاح المسلح في كردستان العراق
عملت في المملكة المغربية أربعة أعوام كمدرس لمادة العربية في أحدى مراكز تكوين المعلمين في مدينة تطوان الشهيرة.

تجربة الكتابة الخاصة والعامة

أما بالنسبة لتجربة الكتابة الاحترافية، فأنني مررت بمراحل مختلفة في عدة مستويات من الفن القصصي والروائي والمقال الصحفي. كنتُ أظن في البداية الأولى  أنني “شاعر”  وبالرغم من ولعي العفوي بالشعر لم أجدني أكتب شعرا جيدا. لكن الهاجس الشعري لا يفارقني وأنا أكتب على الإطلاق، بل وأنا أعيش. الشعر الحقيقي حالة متفوقة جدا من حالات الوعي الإنساني الجمالي، والشعر أحد العناصر المهمة في بناء الحضارة البشرية على وجه الأرض. بيد أن القص والروي كانا الأقرب إلى طبيعتي وسجيتي. كل ما أراه في الحياة، في الشوارع والحانات وأماكن العمل وفي الحقول والمدن والمزارع وفي بيتي وبيوت الآخرين هو يقع ضمن حقل اهتمامي الأدبي والثقافي والرغبة العفوية بالتدوين، جريا على مقولة الروائي الكبير أوسترياس: “كل ما يحدث في هذه الحياة يصلح لأن يقع بين دفتي كتاب”.
لم أُعجب بنفسي كشاعر رغم نشر قصائدي في الصحف وبعض الثناء الذي لقيته من قبل بعض القراء. الأمر مختلف بالنسبة للروي. إنها مسؤولية أكبر جسامة وأكثر الحقول الأدبية على التحدي لدخول عالم الثقافة والأدب والمعرفة الشاملة. خضتُ هذا المضمار عن رغبة وعن قناعة وأعتقد عن إمكانية ذاتية أتمتع بها شخصيا.
بدأت بكتابة القصص القصيرة كلما أعجز عن كتابة قصيدة من بضع كلمات. القصة بدت لي أسهل من القصيدة الشعرية. كثافة عالية من الإحساس مقابل لغة التوضيح. الأمر فاصل في أسلوب الكتابة. لذا أعتقد وحسب رأي النقاد الذين تناولوا أعمالي أنني أكتب القصة “بلغة شعرية”. هذا ثناء أحتفظ فيه لنفسي من قبل الذين كتبوا ذلك أو، والأهم، من قبل الأدباء الأصدقاء الأكثر احترافا على الصعيد الثقافي والمهني.
عندما كنتُ طالبا في السنة الثانية في كلية الحقوق ببغداد، أدرس القانون والسياسة، نشرت لي أحدى الصحف أول القصائد. وبالتالي أول المقالات. الآن عندما أقرأ ما كتبت في أعوام 1976و1977 أعرف جيدا كم كنتُ مراهقا غرا أخبط خبطا عشوائيا تتقمصني أرواح رامبو وبودلير والمتنبي  وبدر شاكر السياب ومظفر النواب وسارتر ودستوفسكي وديكنز وجيوس وغوغول وتتشيخوف من ناحية الأدب ومن ناحية السياسة تتقمصني أرواح يوسف سلمان يوسف “فهد” وسلام عادل و تشي غيفارا ولينين وتروتسكي وماو تسي تونغ  وهوشي منة وبقية الرهط من الثوار الأحرار الخالدين في تاريخنا السياسي والثقافي القديم والمعاصر على السواء..
العمل الطويل في الصحافة العراقية والعربية كان له التأثير الكبير في صقل اللغة التي أكتب فيها مادتي الأدبية. وبالتالي تطوير الأساليب الفنية للكتابة وجعلها أدوات ذات طبيعة متنوعة تواكب التطور والتحديث في العالم المعاصر.
قادتني الأحداث السياسية للعمل في الصحافة العراقية المعارضة في سوريا، وبالتالي الانخراط بالعمل في الصحافة العربية العربية، والفلسطينية منها على وجه التحديد. عملت في مجلة الهدف والحرية وإلى الأمام ثم أستقر بي الحال لأكثر من خمس سنوات بالعمل في مجلة نضال الشعب الفلسطينية التي ترقيت فيها على مستوى جيد من ناحية المرتب المالي ومقدار المسؤولية.
اقترنت بشريكة حياتي عام 1982 وفي المغرب رُزقنا بطفلنا الأول عام 1983 وهي أبنتي العزيزة نوار. وعدنا من جديد إلى سورية لنرزق بطفلي الثاني أبني هاشم. وفي السويد رُقنا بطفلنا الثالث أحمد عام 1992.

أصدرت كتابي الأول في بيروت عام 1987 عن دار الصداقة للطباعة والنشر. وكان عبارة مجموعة قصصية بعنوان “المشي في الحلم” نالت المجموعة القصصية التقدير والترحيب عراقيا وعربيا. بعد سنتين، وبالضبط في العالم 1989 كنت أطلب اللجوء السياسي في السويد لأسباب سياسية قاهرة.
بعد الانخراط في المجتمع الجديد ودراسة اللغة الجديدة، ومن ثم اختيار الدراسة في الجامعة فرع الصحافة، وعملت كصحفي تطبيقي ما يقرب العام في الجريدة الرئيسية لمقاطعة أوستريوتلاند الـ كورسبوندنتن أي” المراسل” ومقرها الرئيسي في لينشوبنغ.
في العام 1996 صدرت لي روايتي الأولى “مقتل علي بن ظاهر ومتاهته” عن دار المنفى في السويد. وتناولت الرواية تجربتي الكفاحية في صفوف الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي.
في العام 1998 أصدرت مجموعتي القصصية الثانية بعنوان “العنكبوت” عن دار المنفى في السويد أيضا. وكانت هذه المجموعة هي الكتاب الثالث لي.
في خضم العمل في السويد؛ حيث عملت أخيرا وبشكل مستقر كموظف في المكتبات السويدية العامة، لكي أحصل على وظيفة موظف في إحدى مكتبات المدارس، كنت أواصل الكتابة قدر الإمكان وسط هذا الروتين القاهر من ساعات العمل الطويلة الرتيبة والمملة والمحبطة من ناحية العمل الروحي والفكري. حتى العام 2003 صدرت الطبعة الأولى لروايتي “أقمار عراقية سوداء في السويد” لتعيد دار المدى ـ بيروت طبعها بعد التعاقد معي ماديا على شراء حقوق الطبع لمدة خمس سنوات، هي نافدة الآن، أو بعد قليل من الوقت.
هذا العمل الروائي “عرفني على القارئ العراقي والعربي في السويد وفي العالم العربي. كُتب الكثير عن هذه الرواية سلبا وإيجابا وهكذا هو حال الأعمال الأدبية يشكل عام. لكن الأمر المشجع بالنسبة لي هو الدعم السويدي الذي لاقته هذه الرواية وهي تُطلب مني حتى هذه الأيام.
في العام 2005 صدر لي كتابان عن دار النشر حوران في دمشق أحدهما رواية “ميلاد حزين” والآخر مجموعة قصص “أزمان للمنافي”. بالنسبة لرواية “ميلاد حزين” تبنتها وزارة الثقافة السورية وهي قيد الطبع الآن وقد وقعتُ على العقد مع الوزارة وتقاضيت ثمن بيع حقوق الطبع للوزارة لفترة خمسة أعوام كذلك.
عام 2007 صدرت مجموعتي القصصية “عالم صغير جدا” عن وزارة الثقافة السورية ضمن عقد رسمي بشراء حقوق النشر لمدة خمسة أعوام.
عام 2008 صدرت روايتي “جمرٌ عراقي على ثلجٍ سويدي ـ جيسيكا” عن دار التكوين ـ دمشق وهي آخر أعمالي المنشورة أتمنى ألا تكون الأخيرة.

الكتابة الروائية هي عملية احترافية تتم على فترات طويلة الأمد. تحتاج إلى العمر وإلى الصحة وأهم ذلك بكثير تحتاج إلى “المعرفة الشاملة”. الروائي المحترف يجب أن يكون، فيما إذا أراد أن يكون روائيا جيدا ومعقولا، أن يكون رحالة محترف، ومناضل محترف من أجل الحقيقة، وإنسان عميق مثل بئر مجهول. فضلا عن التحصيل الأكاديمي الذي يضفي طابع الاحتراف في مجال العلوم واللغة وما شابه ذلك.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *