مهدي شاكر العبيدي : الرَّسائل المتبادلة بين الرصافي ومعاصريه جمعها وقدم لها وعلـَّق عليها عبد الحميد الرِّشودي

mehdi 6أوستن – تكساس
عبد الحميد الرِّشودي أديبٌ مبرأ من الازدهاء والادعاء،مُنزَّه عن اللغو والثرثرة،على احاطته الجمة بأحوال المجتمع البغدادي وشؤونه،ومعرفته الدقيقة بالرِّجال الأعلام الذين تفايضت شهرتهم في الماضي وذاع صيتهم نتيجة لاستقامتهم وسواء نفوسهم وتناهيهم في العفة والإيثار والحمية والبدار لخدمة الناس،هذا إلى إلمام وافٍ بتاريخ وفياتهم وما اكتنف حياة الكثيرين منهم من ظروف وصروف وملابسات شتى،يضاف إلى هذه الحصيلة من العلم اجتهاده المتواضع في ميدان الخطط المتصلة ببغداد،بحيث صار إلى دراية واسعة بمواقع آثارها ومعالمها من مدارس وجوامع وكنائس ومن تطوع لبنائها والإنفاق عليها من المصلحين والساعين في الخير والتخفيف عن أهلها وساكنيها كلّ عبء ووزر ومشقة،فلا مراء أنْ يقصده مستفهماً كلَّ من يرتجي تصحيح معلوماته عن سير المشهورين الراحلين،أو ينشد تصويباً لما داخل ظنه من أوهام بشأن وقائع ومجريات شهدها أهل بغداد في حقبة عصيبة من حياتهم،أو يبغي استيثاقاً مما خلص له إطلاعه واستيعابه للحقائق التاريخية من دقةٍ وصحةٍ وبعادٍ عن الخطأ والزيغ .

وأجدر اهتمامات الرِّشودي بالذكر وأحراها بالإشادة والإعجاب،هـو انقطاعه الكلي لدرس الرصافي وتخليده وأنباه ذكره،فعكف على إحياء بعض آثاره وأدبياته المخطوطة بأنْ حققها وعلق عليها وشفعها بالحواشي وطبعها بالتالي،فضلاً عن جمعه لما قيل في رثائه من خطب ومقالات ودراسات تحليلية لشعره الجزل ونثره البليغ،الذي يرشحه لعّدِه من المفكرين العرب وفلاسفتهم في هذا العصر الحديث،كما ضم إليها طائفة من أشعار مَن رزئوا بنعيه مـن أخدانه شعـراء الوقـت،وآراء وأقوالاً مُبتسَرَة تنصفه وتجب عنه ما لحقه من حيف وافتئات أدلى بها بعض قادة الرأي من المشتغلين بالفكر والسياسة،وعثر على ما اجري معه من مقابلات ومواجهات صحفية في زمن ماضٍ أوضح فيها نظراته وانطباعاته عن مستقبل الشعر العربي والحركة الأدبية وما يتطلع له العرب من نهضة وتجدد في مختلف مضامـير حياتهم،كلُّ ذلك أودعه كتاب (ذكرى الرصافي) الذي مضت اليوم سنين كثيرة على طبعه ونشره وتداول القراء له من أجيال متلاحقـة،ولك أنْ تعجب من لصوق هذه الهواية بالرَّجل طوال هذه المُدَّة،دون أنْ يعروه سأم أو ملال،بل شفعها بإعداده وتنقيبه عن (الرسائل المتبادلة بين الرصافي ومعاصريه) فتجمعت لديه اضمامة منها نشرتها مجلة المورد التراثية قبل سنوات ، ثمَّ تفرَّغ لتمحيصها ومراجعتها ثانية مضيفاً إليها ما زوده من نظيراتها بعض المتفضلين أشـياع الشاعر المكبرين لوطنيته والمعجبين بأدبه وجرأته في الحقِّ ونزوعه لمصادمة الناس في المهروء من عاداتهم ومواضعاتهم،وكتب لها تقديماً ضافياً abdulhamid alroshodiمحيطاً بأدب الرسائل لدى جهابذة العرب وتفاوت أساليبهم وصور تعبيرهم في إنشائه و ترجحها بين السلاسة والوضوح والبيان والانطلاق على السجية،وبين الجنوح للتعقيد والتعسُّف واستعمال الجافي الغريب لدى بعضهم،وصنع لها هوامش وتعليقات،معرفاً بأسماء الأعلام من جرائد ومجلات وأدباء منسيين مطموسين طيَّ الإهمال والتجاهل،بفعل تقادم الزَّمن على رحيلهم ومغادرتهم هذه الدنيا،أو بعامل حداثة مصطنعة عـفـَّت على تذكار كلِّ أصيل وعريق من رجال الأدب وطوقت بأكاليل العبقرية والنبوغ والنضج كلّ محدود مماحك كثير الصياح محدث الضجة،وهذا المجهود الطائل أعني إعداد الهوامش والتعاليق هو ضرب من التأليف المجدي ينتفع به أبناء الجيل ويلـبِّي حاجتهم إلى معرفة ما خفي عنهم أو فاتهم شهوده من وقائع وأحوال،وهنا تجلـَّت ما أسلفنا الإيماء لها أو تشخيصها من قابلية عبد الحميد الرِّشودي واستعداده لرفدك بمعلومات وافية وغزيرة عن أساطين الأدب والرأي والسياسة،وما بلوه من سلائق ونفسيات،وامتحنوا به من تجارب ووقائع،وما عهد عنهم من مواقف واستجابات أشبه في صوغـها وتدوينها وتوثيقها صنيع الراحل الدكتور محمد مندور في تضمينه ترجمته المأثورة لكتاب (دفاع عن الأدب) للكاتب الفرنسي جورج ديهامل،قلتُ إنَّ تضمينه تعريفاته وتوضيحاته لما ورد في المتن من أسماء الأقطاب المجلـِّين في ميدان الإبداع،ومن عناوين محكمة الصلة بالتيارات والمذاهب الأدبية،ومن الحوادث السياسية والاجتماعية الكبرى في تاريـخ أوربا كان لها أبلغ الأثر في التطور الأدبي ومساره،وينبئنا مندور بطبعه السمح وسليقته المحببة أنـَّه كتب هوامشه ليزيل بعض الغموض الذي قد يواجهه القراء غير المطلعين والمحيطين بهذه الشوارد،فإنْ لم يستسغها القارئ أو يقبلها منه،أو يعتدّها تطفلاً منه على جهد الكاتب الفرنسي فليشفع له أنـَّه كتبها لنفسه .

kh abdulhamid alroshodi 2وآن لنا اليوم أنْ نجلو معروفا ًالرصافي كاتبا ًبعـد أنْ خلد في أذهان الناس شاعرا ًمنافحا ًعن عِزَّتهم وكرامتهم،وبـُحَّ صوته جرّاء مطالبته بإنصافهم ومحو ما يشوب عيشهم من بؤس واحتياج إلى الآدنين، ولا غرو أنَّ كتابة رسائل التعليقات ورسالته عن آراء أبي العلاء المعري،وسفره النفيس الشخصية المحمدية الذي تستعيره الخاصة من مكتبة المجمع العلمي بعد مراجعات ومكاتبات يطول شرحها والتفصيل فيها،قـلت إنَّ هذه المدونات وغيرها تفيض بالأسانيد والدلائل والحجج القوية المستندة إلى المنطق والبرهان في إثبات صحة آرائه ووجهاتها أيا ًكانت،وفي شتى ميادين البحث والاستقصاء توزعت،وحسبها أنـَّها مصوغة في اسلوب قوي وبيان ناصع يؤشر نزوع بعض الشعراء لكتابة النثر البليغ بحيث يبذون أقطابه ومنشئيه المتفوقين فيه،بينا لايحصل في أحيان كثيرة أنْ تسمو ملكة الناثر الممتاز والمعهود عنه شدَّة انقطاعه له،إلى التفوق والبروز في كتابة الشعـر،وهذا موضوع حَريٌ بالنظر والتأمل والتدارس والتقصي،وما عليك بما يشغل به الهواة والمتأدبون نفوسهم من صنيع وما يحاولون من معدلة بين النزوعين أو الضربين .

ما أشبه حياة الرصافي بحياة كاتبنا العربي القديم،أبي حيَّان التوحيدي،فكلاهما كابد السِّقام والسَّغـَب، وشعر بالوحشة وتطلع إلى الكفاف،ومُنِي برفض الناس لاستقراءاته وتخريجاته،بشأن بعض حقائق الحياة ونمط معيشة الناس،ورموه بالأباطيل والضلالات،فجاء نتاجه الأدبي والفكري،زاخرا ًبالالتياع والوجد،يحكي ضياعه واغترابه،في هذا العالم الذي تغيب فيه المروءة ويتوارى العدل وينهزم الذكاء،ففي صفحات أو مواضع من هذه الرسائل نفحات وقسمات من بيان أبي حيَّان التوحيدي وجريه على العفوية والسليقة لاسيَّما إذا تحدث عن ضيقه وحاجته ومحنته بأبناء الزَّمان من الاغمار وشرار الخلق،وشعوره بنفرة صاحب الأمر منه واضطراره لمداراته واسترضائه لكن دون جدوى،وتصويره صراعه مع مجتمعه الحافل والمبتلى بالعقد المستعصية والآفات المرذولة من معتقدات فاسدة وأوهام شتى مجملا ًذلك بعبارات تنبض بالصدق والتوهج، وتعطي الدليل القوي على أنـَّه يمتح من واقعه الأليم وظروف عيشه الخشن .

شاهد أيضاً

تنبيه .. تنبيه.. تنبيه إلى كتّاب وقرّاء موقع “الناقد العراقي”:

لاحظتْ أسرة موقع الناقد العراقي وجود موقع آخر يحمل نفس الإسم وهو “الناقد العراقي” وهو …

رواية “ســلم بازوزو” للروائي عامر حميو
بقلم: حميد الحريزي

((نحن كلنا…كأن أمهاتنا ما ولدتنا إلا لنعيش في البئر)) ص180 ((أنا بازوزو ابن حنبو ملك …

في عيدها..ام الاذاعات
امل المدرس..صوت يصدح بالحب
مريم لطفي

في عيدها الرابع والثمانون،تحية اجلال وتقدير لام الاذاعات العراقية متمثلة بالام القديرة والسيدة الفاضلة “امل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *