عبد الأمير المجر : سيرة ابراهيم .. محنة الانسان الاعزل! (ملف/2)

abd alamir almajarخلافا لما نقراه في الكثير من الاعمال الروائية، التي اطل من خلالها كتابها على السياسة من ابراج الايديولوجيا، او ظلالها الكثيفة التي تطبع سلوك ابطالهم، ياخذنا الروائي والكاتب سليم علي الوردي في روايته (سيرة ابراهيم) في رحلة انسانية شائقة، وهو يصور لنا مكابدات بطله (ابراهيم) الذي تحمّل جميع عثرات الساسة وانهصر جسده بين مناكب المتدافعين في محرابها، حتى يصل الى نهايته الحزينة، التي لم تخترها له السياسة هذه المرة، وانما قدره البائس، وكإنما اراد الروائي ان يقول لنا، ان سيرة هذا الرجل هي صورة مختزلة لحياة الانسان العراقي في العقود الماضية، بدءا من العهد الملكي الذي بدات رحلته فيه، وصولا الى ثمانينيات القرن الماضي، بعد ان جعل منه الوردي العدسة التي صورت لنا ماحصل، ليس كما قرانا في الكتب ، وانما من خلال حياة انسان بسيط، عاش تداعيات الاحداث ودفع فاتورتها من جسده الذي انتهى مقطّع الاوصال في مشهد فاجع، افتتح به الروائي روايته، ليثير فضولنا عن سبب هذه الفاجعة، ثم يبدا سرد الاحداث بطريقة التتابع وباسلوب غاية في السلاسة والعذوبة والتمكن من اللغة التي كانت مشبعة بالشعرية من دون تهويمات او تشبيهات مملة، او توصيفات زائدة وقد كان لتمكن الروائي من اللغة ومعرفته لدلالاتها الاثر الكبير في جعل عمله بهذا التشويق للحد الذي يجعل القاريء لاينفك من القراءة الاّ بعد ان ينهي الرواية، او هكذا يتمنى في الاقل.

ملخص الرواية او بؤرتها التي تشظت منها الاحداث الاخرى، يقول، ان (ابراهيم) شاب مسيحي، يسكن مع عائلته محلة (عكد الاكراد) في بغداد، خجول ومستقيم في حياته وعمله، وجد له وظيفة في احدى الدوائر الحكومية، وتعرّف بالمصادفة الى فتاة (نعيمة) من عائلة فقيرة قادمة من الجنوب، ذكية وطموحة، تعمل في احد بيوت الموظفين الكبار (ادهم) الذي يطمئن الى ابراهيم والى اخلاقه فيكلفه بايصال مواد غذائية وحاجيات منزلية الى بيته، وهناك يرى نعيمة ويقع في حبها، لكن ديانته تقف حائلا دون تحقق الزواج، فيغيّر دينه الى الاسلام بعد ان ياخذه شخص (عبدالزهرة) الى الكاظمية ويطلعه على طقوس عاشوراء ويشرح له معنى ثورة الحسين وقيم الاسلام، الاّ ان زواجه من نعيمة لم يتم فيطوي كشحا عن فكرة الزواج، وتمضي به الايام مثلما تمضيsalim alwardi 2 بالعراقيين، ويتنقل بين بالاحداث او تنقل هي به، ويشهد تحولات الحياة اثناء وبعد ثورة تموز 1958، وصراع القوى، بدءا بما كان يعرف بفصائل المقاومة الشعبية، التي تشكلت بعد الثورة، وارهاصات الصراعات الحزبية، ويكون عمه الشيوعي مصدرا لمتاعبه، اذ بسببه يدخل السجن ايام حكم عبدالكريم قاسم، ثم يشهد الصدامات الدموية بعد شباط 1963 ، فبعد خروجه من السجن الذي دخله من دون ذنب او لمجرد اشتباه، يكفر بالسياسة، لكنه يبقى تحت تاثيراتها المباشرة وغير المباشرة، كونها صارت تصنع وباستمرار مزاجه الخاص وترسم له اقداره، فحبيبته القديمة نعيمة تتزوج من عبدالزهرة بعد ان تركها، وتنجب منه ولدا، لكن زوجها هذا يقتل في الكاظمية اثر صدامات مسلحة في شباط 1963 ويترك صغيره مع امه التي تبقى وفيّة لذكرى زوجها، اما الناس الذين عاش بينهم فتتفرق بهم السبل، فبعضهم طالتهم حملة التسفيرات التي جرت مطلع الثمانينيات اثر توتر العلاقة مع ايران ومن ثم نشوب الحرب، بعد فترة الرخاء والهدوء التي عاشها العراقيون في السبعينيات، واخرون ماتوا او غادروا العاصمة، وهكذا صار يشعر بالعزلة والاغتراب، وفي ايامه الاخيرة، يجد وظيفة لفتاة كردية، بصفة كاتبة طابعة معه، وهذه طيبة حد السذاجة، ويصادف kh salim alwardi 1ان يعمل في الدائرة نفسها موظفون اكراد، اقارب او معارف للفتاة، وفي لحظة ضعف واثناء خلوة معها في الدائرة، يحصل شيء يكون سببا في نهايته الحزينة، فعندما تتسلم الفتاة ورقة معلومات قدمتها لها الدائرة لتملاها، تفهم عبارة (الجنس) او نوع الجنس، التي ترد فيها فهما يعكس سذاجتها وفقر معلوماتها في امور الحياة، ويتسبب هذا في فضح ماحصل في تلك الخلوة اللعينة، فيتم استدراجه الى محلة (عكد الاكراد) التي غادرها، وهناك يكمن له اقرباؤها، ممن هم في الدائرة وينقضون عليه ويقطعون اوصاله ويمثلون بجثته، وتنتهي رحلته مع الحياة، التي لم ير فيها الاّ الحرمان وفقدان الامان …

رحلة ابراهيم، هي كناية لرحلة الكثيرين من العراقيين الذين سارت بهم اقدارهم خارج ارادتهم، والرواية ايضا، تعرض لواقع بغداد الثري في تنوعه الثقافي، مثلما غيرها من مدن العراق. حيث قدمت الحياة كما هي، وابتعدت عن الخوض في طبيعة القوى المتصارعة، او محاكمتها عقائديا اوسياسيا، مكتفية بعرض تداعيات صراعاتها المباشرة على الابطال، كلّ حسب فهمه للسياسة وموقفه منها، لكني لااجد ضرورة لتحفظه على اسماء بعض القوى التي يعرفها الجميع‘، فالشيوعيون يسميهم (هؤلاء) والبعثيون (اولئك) لان الرواية تكتب للتاريخ وربما ياتي جيل لم يعش تلك الاحداث او يقراها جيدا ولم يستطع ان يفهم معنى مااراده من هذه الاشارات.

*مؤسسة بابل للثقافة والاعلام

شاهد أيضاً

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *