قاسم ماضي : ومضات حُلمية بواقع مفترض إضافة إلى الهم الإنساني الشامل في المجموعة القصصية “سناء” للشاعر المهندس “محمد سعد جبر الحسناوي”

kasem madi 2الكثير من الذين يكتبون عن الوطن سوءاً في داخله أو خارجه ،يغوصون كثيراً في ذواتهم التي يجدون من خلالها مفاهيمهم واشياءهم الجميلة التي سلبها الآخر ، وهم يجتهدون في فضاء المتاهة السردي ، منطلقين من ذلك في إبراز حجم ثنائية العلاقة ، بين المكان الذي ظل عالقاً في ذاكرتهم، بوصفه بؤرة أستدعاء إيجابية ، وهم يدركون جيداً بإنهم يهيئون له النهوض والقفز ضد كل ما يعيقه من تحديات ، وأقصد ” الوطن ” الذي صار شغلهم الشاغل بأعبائه ومشاكله المهمة التغييرية التي حملوها .
” سوى الاعتكاف في صومعة الأسى ومحراب الذكريات ، فتبدو الذكريات كخيط يمتد من عمق السنين ليغذي الروح بالأمل ، ولكنه أي أمل ” ص111
والتي أصبحت في عقولهم ونفوسهم منذ أن تجذرت مفاهيمهم الإنسانية التي إنطلقوا منها ، والساعات الكثيرة وآناء الليل والنهار التي يقضونها، ليعمقوا وعيهم لمفاهيم جديدة ، وهم يدركون مسؤوليتهم الإبداعية في أي منجز أدبي ، هذا الوطن المغزو بالمبضع لا لتدميه وتجرحه ُ وإنما لتكشفه ُ ، ولتتعرف عليه وتدرك جيداً بأن الهزائم التي لحقت وتلحق بالذات الإنسانية ممتدة في الأعماق الدفينة .
” وليس لي في لحظات صمتي القلق غير جزازات من الورق ، وقلمي الذي يستقي مداده من نزيف القلب ” ص109
ومن هؤلاء القاص العراقي ” الحسناوي ” الذي يقول عنه الناقد ” عبد الرضا جبارة ” في مقدمة المجموعة القصصية ” تكوّن قصص المجموعة مرآة عاكسة لإسقاطات الواقع وإرهاصاته الدافقة ،فظل النص القصصي يسيرُ باتجاه الواقع الاجتماعي والوطني ”
” متى أيتها الغربة نطوي صفحات خريفك التي أسقطت الأوراق ، والزهور على سواقي السعادة ، وعكرت صفو خرير الماء ، ماءها العذب متى نطويها ونعفّرجسدها بتراب الوطن ، ونستنشق رائحة براريه التي تهب مع زخات المطر عذبة كرائحة الجنة ” ص112
وهنا نتساءل من يهيئ فرص التفاعل مع الأوطان التي فرضت علينا واقع الغربة من جراء جلاديها !هل الضمير الإنسان أم سلوك الكاتب ونهجه في الحياة الذي تربى عليه ، أم رعاية المبدع وتربية أيام الطفولة والصبا وتبني تربية تسهم في خلق فضاء الكاتب ، وإنطلاق شخصيته لتحقق ذاتها في الواقع الصعب والمرً والكاتب ” الحسناوي ” لايقبل التفرد لكونه يغوص في عالمه الشعري والأدبي ، ولهذا جاءت معظم قصصه التي كتبها في هذه المجموعة ” سناء ” علم متنوع من الحكايات والنوادر ، ولو تمعنت أكثر تجد شغفه الشديد بالحرية التي بحث عنها ، ألم تكن الكتابة هي الترويح عن النفس والترويح عن الآخرين .
” لماذا أنا هنا ؟ هل ألقي القبض عليً بسبب إحدى قصائدي ، ولكنها وطنية خالصة أو وجدانية خالصة ، هل تهمتي كبيرة إلى هذا الحد الذي جعلهم يعصبون عينيً ويهينوني ؟ ” ص95
mohamad saeid jabrkh mohamad saeidيقول عنه الناقد المعروف ” علوان السلمان ” فالقاص يتكئ في سرده على نماذج محاصرة ، مطاردة ، حزينة ، منطلقاً من ذاته ، وبالرغم من ذلك ظلت نصوصه مؤثرة في متلقيها بحكم صدقه وتعامله الفني مع الواقع بجرأة وموضوعية ، وبذلك قدم نصوصا سردية تمتلك ما يؤهلها على التواصل والحضور وما يوفر لها الديمومة مع نبض الحياة ومعطيات الواقع ”
” كانت روحها كطائر يرفرف بجناحيه فوق الحقول بحثاً عن حبة قمح أو كطائر الأوز حينما تضيق أمام روحه ، الفضاءات فيبحث عن أيكة ليغرد عليها تغريدته الأخيرة ” ص17
تجد قسوة الواقع وحرية الحلم التي إنطلق منها ” الحسناوي ” وجسدها في معظم قصصه ، وهو يكسر صمته ويخلق فضاءات متعددة من خلال حوارات داخلية فيها الكثير من التأمل متجاوزة ضيق الواقع ومحدوديته ،مما يدفع بشخوصه التي حددها هي التي تقرر . ولو وضعنا الكثير من قصص هذه المجموعة على طاولة التشريح تجد الأحساس بمعاني المكان ، وهو الموصول بالزمان عبر آلية إنطلق منها الكاتب في فلسفته ” الحكائية ” متصلاً به فقد بدا صعبا قراءة المكان بمعزل عن تضمين الزمان ، كما يصعب تناول الزمان في دراسة تنصب على عمل سردي ، دون أن ينشأ عن ذلك مفهوم المكان في أي مظهر من مظاهره كما تقول الدراسات ،
” فصرت أفسر من مجهولية البحر مجهولية المستقبل ، وما يضمه القدر لهذه النفس الشفيفة والعميقة الألم ”
لذلك لعب ” الحسناوي ” الشاعر والقاص على لغة أتسعت فيها فعالية الصفات المتعارف عليها في دائرة العمل اللغوي بسبب قدرتها الدلالية في رصد أفكاره والتعبير عنها ، أو بتراكيب لغوية منتظمة في أنساق من التوازن الذي يعتمد الومضة المتمثلة بحركة ذهنية تعبر عن مكنونات الحدث .
” تساءل َ الشاعر ُ عما تبقى له من وقتِ ، لقراءة ِ قصيدته ِ الأخيرة ، فأجابهُ مقدم ُ الجلسة ِ قائلاً ، اقرأ ما شئت َ فانهم نائمون ” ص112
ولهذا جاءت قصص المجموعة ” سناء ، ليلى ، صداع الكلمات ، خطيئة العمر ، الملل ، في بلدي السياط قبل التحقيق ” وغيرها متوهجة وذات لغة بسيطة وسهلة ، ولكنها في الوقت نفسه مفخخة حبلى بالمفاجاة واللاحتمال ، وهذه المجموعة من القطع المتوسط وتقع في 118 صفحة ، عن دار نشر اثارة العالمية – النجف الاشرف .
قاسم ماضي – ديترويت

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *