علي عبد الأمير صالح: عقيل مهدي يوسف.. بورتريه

إشارة: رائعة مبادرة مثقفي واسط في الاحتفاء بابن مدينتهم المبدع الكبير المرابط الدكتور  ( عقيل مهدي يوسف ) بمناسبة فوزه بجائزة مهرجان قرطاج وهو الكبير بها وبدونها .. ويا عقيل .. علي يذكرنا من خلال سلوكك الوطني والإبداعي : يمكنك أن تأخذ العراقي من العراق ولكنك لن تستطيع أخذ العراق من العراقي .. تحية لكما أيها الرائعين ولواسط المثقفة .

يحيا في المسرح . ويمثل في الحياة .
يسكنه هوس التمرد والتجديد والمغايرة .
مؤسس ورائد مسرح السيرة . قدم عروضا ً مسرحية ً عن شخصيات عراقية أصيلة : بدر شاكرالسياب ، يوسف العاني ، حقي الشبلي ، علي الوردي وسواهم .
ارتحل بين الأمكنة والأزمنة والثقافات والتقاليد والمجتمعات … لكنه ظل مخلصا ً لبلده وشعبه وثقافته .
لا يعتصم بالصمت ولا يركن إلى الهدوء .
لا يسترخي في شرفته الظليلة .
لا يطيق الوحدة ، ولا يسكن في أبراج العزلة الكرستالية .
لا يجيد لعبة التخفي ، ولا يعتنق الحياد .
لا يدير ظهره لساحة الحوار ومديات الجدل .
لا يتمسك بالحقائق المطلقة المتقرنة .
لا يشيح بوجهه عن الحاضر، ولا يغفل أوجاع شعبه ومآسي بلاده .
لا يخاف العُقب الحديدية .
لا يتشبث بأفكار ٍٍ مندثرة ، ولا يتكىء على أيديولوجيات ٍ غابرة .
لا يعرف اليأس ، ويمقت النرجسية والترفع الفكري .
لم يستسلمْ للعقم ، ولم يتيه في فيافي العبث .
يؤمن بمقولة  أناييس نن : أن هنالك نوعان من الحرية في العالم ؛ حرية الأثرياء وذوي السلطة ، وحرية الفنان والراهب الذي يتخلى عن حقه في الممتلكات .
ما من نجاح ٍ يقنعه ، وما من سعادة ٍ تهدئه .
محب ٌ لمدينته ، ومخلص لأبنائها إلى حد الانحياز .
يضحك ضحكة ً قوية ً مجلجلة .
هذا هو باختصار : عقيل مهدي يوسف .

د. عقيل مهدي

في سنة 1968 ، جلس عقيل مهدي يوسف في قاعة المحاضرات بأكاديمية الفنون  الجميلة ، وكان لسان حاله يقول : لدي ّ حلم I  have a dream   . كان يهمس بجملته هذه لزميله الجالس على اليمين وزميلته التي على اليسار. تارة ً يقولها همسا ً وطورا ً بصوت ٍ  عال ٍ . كان صوته قويا ً تينوريا ً حتى قبل أن يتلقى دروسا ً في فن الإلقاء .
في سنة 1968 ، لا بل حتى قبلها ، كان عقيل يرمي أحلامه في الفضاء كما يرمي أطفال الكوت طائراتهم الورقية .. وطوال هذه الحقبة الزمنية عادت أحلامه بالمسرحيات والنظريات والكتب والأوسمة والميداليات والجوائز ودروع الإبداع والشهادات التقديرية وكل ضروب التكريم و الاحتفاء .

فيا صديقي عقيل : كلنا ، الآن ، نتنحى جانبا ً كي تمر أنت َ .

كان عقيل متيقنا ً من أن الوقت مناسب له كي يعبر النهر لأن لديه حلم .. لديه قضية .. لديه رسالة .
على الرغم من فواجع الحاضر، ظل متمسكا ً بحلمه ، بقضيته ، برسالته ، لأن الإبداعات الفكرية والفنية الخلاقة هي التي تنير دروب الجوع والقهر والحرمان والتخلف .

يمكنك َ أن تأخذ العراقي من العراق ، لكنك َ لا تستطيع أن تأخذ العراق من العراقي .
لا يمكنك َ أن تجتث الكوت من ذهن عقيل مهدي وفؤاده . مع أن طموحه أخذه بعيدا ً إلى  بغداد ، وصوفيا ، ولندن ، وباريس ، وعمّان ، وطرابلس ، وتونس وسواها من عواصم ومدن الدنيا .

أتذكر، الآن ، مناسبتين ثقافيتين ، حضرهما عقيل مهدي ، في منتصف تسعينات القرن الماضي .. ألقى في إحداهما محاضرة ً في المسرح على قاعة نقابة المعلمين ، وفي الأخرى ترأس لجنة التحكيم في ( مهرجان المسرح التجريبي الأول ) في الكوت شارك فيه نخبة من زملائنا المسرحيين أذكر منهم الدكتور رياض موسى سكران والزملاء هادي عباس حسون وأحمد طه وكاظم العماري والزميلة ساجدة الركابي .

ها نحن ، اليوم ، نحتفي بواحد ٍ من مبدعي مدينتنا ، وعراقنا الحبيب ؛ نحتفي ببيرق ٍ من بيارق ثقافتنا الوطنية ، أشبه بالبيرق الأولمبي على حد تعبير زميله صلاح القصب .

فتحية ً لعقيل مهدي يوسف مؤلفا ً دراميا ً .
وتحية ً لعقيل مهدي يوسف مخرجا ً مسرحيا ً .
وتحية ً لعقيل مهدي يوسف مُنظرا ً وناقدا ً .
وتحية ً لعقيل مهدي يوسف أكاديميا ً .
وتحية ً لعقيل مهدي يوسف عاشقا ً لمدينته ، ومُحبا ً لأبنائها .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *