الرئيسية » نقد » ادب » مهدي شاكر العبيدي : السرد في مشغل النقد ؛ رسم الصورة بالكلمات

مهدي شاكر العبيدي : السرد في مشغل النقد ؛ رسم الصورة بالكلمات

mehdi 6أوستن – تكساس
توافى الي هذا الكتاب الموسوم (في مشغل النقد) من صاحبي شكيب كاظم اثناء تأهبي للنزوح والشروع بهجرتي الثانية الى الديار البعيدة ملتحقا بأبنائي واحفادي هذه المرة ولسان حالي ساعتها يتردد على عذباته قول الشاعر الرصافي مدللا فيه على وثاقة صلته بسائر قاطني هذه الربوع على تباين منازعهم ومشاربهم وحتى اهوائهم الشتى:
ان جفتنا بلادنا فهي حب ومن الحب يستلذ الجفاء
فلا ازعم اني اتيت على جملة ما فيه من انظار وتوجهات في عموم فصوله المجسدة من خلال الصياغات اللغوية لما جال في ذهنه من افكار وآراء بخصوص النتاجات الابداعية المتمثلة في القصص والروايات مما يكتبه وينسجه كتاب عرب واجانب، من الحاضر والماضي، مستوحين فيها ومستلهمين ما تزخر به بيئاتهم واحوال ناسها من شؤون وشجون، وتضطرب به دنياهم من الوان الصروف والحوادث وتختلج به نفوسهم من الاشواق والآمال. كما لا ادعي اني فرغت من الاحاطة بها وسوغها جمعاء انما هو التهيؤ للسفار والتفكير في ما يأتي به المقبل من الايام واستمساكه بوجدانك، ما يصرفك كليا عن الانقطاع لتدارس الكتب، وينأى بك عن الاشفاق على الحياة الادبية ان يسودها الشقاق والتنازع حول لا شيء غير حب الاشتهار والذيوع، والتهالك على تصيد الأوطار والرغائب والحرص على نوال الجدى والمكرمات من ايما واهب او معط وعلى شاكلة تحكي استهانة الادباء بما يحسن ان يتوافر لهم قدر من الميزات والخصائص متجل في الصون والتجرد والتنزه عن الرغائب والاراب على حساب اراقة ماء الوجه بإزاء صنوف متنوعة من ذوي الشأن ومن خلص لهم الزمام في شتى الظروف والاحيان وهم في ذلك مغتبطون لهذا التصرف وموقنون بمساماته لطبيعة الاشياء واستوائه هو والمنطق السليم فليس عابا في ملة بعضهم ان تتبدل الازياء وهذا من شأنهم حقيقة، اذ هو امر شخصي يخصهم شريطة ان لا يعدوه الى المساس بحرمات الآخرين والتحرش بنقاوتهم وذمتهم. وما ان تمليت في صحائف الكتاب واجتليت منواله في تجسيد انطباعاته وخطراته، وحبكها عبر صوغ فني توسل له بأستئناء ودراية بحسن تخير مفرداته والفاظه من بين ركام شوارد لغتنا حتى بهرني ما يسم بيانه من متانة وقوة، فضلا عن اشراقه وخلابته وسلاسته ووضوحه بحيث لا يعسر فهمه، ولا يحوج القارئ لان ينصب في اكتناه مراده ومرماه مما تخلله وانساق له احيانا من مجاراة غيره ومشاكلتهم في التوقل على المصطلح النقدي المحدث من قبيل (موت المؤلف) ونحوه سوى انهم يجرون وراءه، ويتهافتون عليه بينا يبين في كتابته من غير اقحام وتنطلع، ان لم ينبر لمباهاته ومطاولته بما يحويه تراثنا من المصطلح الدال ما يغني عن اقحامه او زجه في نتاجاتنا فكتاب الاستاذ شكيب ينسلك في المدون النقدي ويكتنز بوجهات نظر مختلفة وينشحن بانطباعات متنوعة shakeb kadum 2بصدد قراءات مؤلفه للنتاجات القصصية والروائية وايا كان نصيبها من السداد والقصد فهل من الجائز شفعها بنقد للنقد؟ وما جدوى ان نعجل عليه بتعقيب على توصلاته بخصوص نتاج الروائي جاسم الرصيف مثلا؟ ونتلوه باستدراك على نواتج ما تسلل الى نفسه من اهتزازها وتأثرها برواية تاييس للكاتب الفرنسي اناتول فرانس متجاوزين الاغداق عليه بالثناء ومشيدين في ذلك بمواقفه الانسانية في مناصرة المحروبين والمضامين، بذريعة انه راض بحاله ولا تقدر القوى الظلامية ان تثنيه عن الوقوف بجانب الشعب المصري وغيره من الشعوب المطالبة بحريتها واستقلالها، يوم كان يدرج بيننا في الحياة، بل الأحرى تأمل دقة تصويره لما تجيش به نفس ذلك الملتاع من تهيامٍ و كلفٍ بتلك الغانية او الفاتنة الاسكندرانية التي على عتباتها تمرغت انوف الرجال وحيال جمالها الاسر وهوا وضعفوا وغادرهم تماسكهم بمن فيهم الراهب المنتهد من تلقاء ذاته لانتشالها من الفضيحة والاختزاء وايداعها ديرا من الاديار في المرفأ المصري فبان منه العي والحصر ان يفوه بالكلمات التي تعني كما يظن لزومها العفة وطهارة الذيل، و تُجلببها بالهداية والرشاد وتمسكها بأهداب الفضيلة وسواء القصد. غير اني وجدتني منصرفا ومصروفا معا الى قرن استفاضته في ارسال رأيه بشأن ما قرأه من الاعمال القصصية والروائية موشحا اياها بلواعج نفسه وكروبها واشجانها حيال واقع حال بني جلدته في العراق كلما وجد الفرصة سانحة والمجال مواتيا، والفى المنفذ متسعا وعاصما له من معرة الاختلاق والعمد، فيبوح اذ ذاك بما يخامره من العواصف الصادقة ويساوره من خلجات الشعور بالأسى والفرق والذعر، لطول لبث هذه الوضعية المشنوءة في حياة العراقيين بكل ما نجم عنها وتسببت فيه من تفرق شملهم وانقسامهم ثللا وطوائف، ومن ثم نزوع هذا الطرف او ذاك للاستئثار بالمراتب و قرم غالبيتهم للانفراد بالحكم وسط تبجح اعيانهم ان السلطان ما جاءهم وانتهى اليهم الا نتيجة تداولهم له سلميا، قلت وجدتني ميالا نحو قرن اكتوبته هذه ببعض فصول كتاب (نماذج بشرية) المفصل المفيض باطباع من عثر بهم لا عليهم من الافراد والشخوص المتميزين، ووقف مدهوشا لغرابة اطوارهم وحسن تكيفهم هم والظروف القاسية المحيقة بهم مما وقف عليه الدكتور محمد مندور رحمه الله اثناء قراءته في الآداب العالمية، هو الذي رامه الاديب العراقي الاريب الراحل عبد المطلب صالح بانتحاله من ناقد فرنسي معروف وعزاه لنفسه بعد ما الحق به موضوعات اخرى بصدد شخصية ابراهيم الكاتب وجلاه للقارئ العربي على انه يمثل شاهدا على تفنن ابراهيم عبد القادر المازني في ابتداع الصورة الرائعة الدانية من الاصل للانسان الحائر والمتردد في اقدامه واحجامه ورفضه وانتقاضه بوجه ما يملأ حياته من ضجر وسامة، ويؤثر انتواءه تخير ما يخلبه من الجمالات والمفاتن. ومهما كان زعم عبد المطلب صالح عليه من المقبولية والوجاهية او نصيبه من الافتراء والتصور فحسبنا ان نضيف الى مدركاتنا عينة من الشواهد الادبية المطبوعة على الدفق والسلاسة ولا يوفق اليها الا من ريض على الجدية والرصانة في سجاياه ومزاياه ويصح ان يحتذيه الآخرون ويقاربوا شأوه ونسجه كي لا يغفلوا عن سماتهم البيانية بعامل التقليد البليد والمقيت، علما ان المماحكة النقدية ذي لم تمر في الاوساط الادبية في الحواضر العربية دون ان تمنى بالدحض والتفنيد او التكذيب والرفض، لاسيما بعد تعدد مواضع نشرها فقد بعث بها ابو الحارث محمولة على يد عباس خضر المحرر القديم بمجلة الرسالة في مرحلتها الاولى، الى احمد حسن الزيات فنشرتها المجلة وهي تجوز مرحلتها الثانية واتى دور مجلة الاقلام لتنشرها ثانية، كما ضمنها غير كتاب له من كتبه المتشابهات في عنواناتها، فحامت حول شخصه شبهة التغرض ولم يفده ما لهج به في الملتقيات والمحافل عن ان لمندور من الريادة النقدية ما يتقاصر الاخرون دونها، كما انه اوفى على نقل تراث الآداب الفرنسية الى عربيتنا على شاكلة من حسن الاختيار والدقة وتوخي افادتنا وتأثر نتاجنا بموحيات ذلك التراث المكتنز بالثرارة والعمق، هذا الى انه برع في الكتابة الانشائية عبر موضوعات منجزه النقدي الفرد والفذ والموسوم (في الميزان الجديد) بحيث يضاهي نظيراته في الآداب العالمية، او يرقى الى مستواها من ناحية عنايته واهتمامه بالعناصر الأسلوبية، ودون ان ينصب من نفسه موجها للشادين في الادب، ولا متعالما متشادقا بوجه الاغرار والصفوة من الأدباء الكاملين.
نماذج بشرية
kh shakib 4kh mohamad mandorكتاب شكيب كاظم اذن ينظر في بعض اقسامه لكتاب نماذج بشرية، اي انه يتحرى وراء الشخصيات المؤثرة والتي يتبقى ما ند عنها من تصرف راسخا في الاذهان ولو بعد سنين فمثلما برع الروائي والشاعر الفرنسي (فيكتور هيجو) في رسم صورة بالكلمات للفرد جافروش في روايته (البؤساء) (1) وهو يجازف في سرقة رغيف من الخبز ليسد جوعه، ويظل هذا الجافروش بعدها والى ابد الابدين، بمثابة الشاهد القوي على الانسان الذي تتردى احواله وينفد صبره ويهن امامه ضغط الحاجة، ان لم ترمز وضعيته الى سوء حال معيشة الفرنسيين في عصر فيكتور هيجو صار وكد المؤلف التفتيش في ما وقع بين يديه من اعمال فنية تتمثل في الروايات المطولة بشكل خاص ، واني لاستغرب او اعجب من انقطاعه التام وديمومة صبره على قراءة مطولة دان براون المعنونة (شفرة دافنشي) في زمن آذن بانحسار مثل هذه الاعمال وانطواء عهدها، قلت صار من اوليات اهتمامه ان يقف عند هذه الشخصيات المصدومة بمفارقات مجتمعها، والصادمة بتمردها على اية قياسات ملزمة ونواميس مفروضة وغاية ما يروق لنا ازجاءه من نقدات بصدد تأليفه، فليكن ذلك على طريقته هو في تجليته هنوات الكتاب في كتابات سابقة له قبل ان يلقي عصا ترحاله ويقلع عن هذا اللون من الكتابة.
1. في فاتحته عن رواية تاييس، جاء ما يلي مستطردا، ان فيكتور هيجو هو مؤلف رواية: قصة مدينتين، قلت ان مؤلفها الحقيقي هو الكاتب الانكليزي تشارلز ديكنز وعهد القارئ العربي بها لأول مرة في العقود الاوائل من القرن العشرين بعدما ترجمها الاديب المصري محمد السباعي، وهو ابو يوسف السباعي العسكري والروائي والسياسي عقيب سنين من توريث ذلك الوالد له بنطلونا مرقعا لا غير غب رحيله الى العالم الآخر فصار يخجل منه امام زملائه في المدرسة الى ان صلحت حاله، وتحسنت ودخل كلية الحرب، وتاق لعشق اميرة من اميرات القصر الملكي فيما يقول عباس خضر في كتابه (ادباؤنا في طفولتهم) وختمت حياته بمصرعه الأليم كما هو معروف على يد الاخوة الاعداء من الذين يناضلون في الخارج. وتعد ترجمة محمد السباعي لرواية ديكنز من المفقودات والنوادر، ثم ترجمها ثانية الراحل منير البعلبكي إبان خمسينات القرن العشرين، وغدت غرة الكتب المتداولة بين القراء ولاسيما في العراق، اذ هي تؤرخ لعصر الثورة الفرنسية وتسهب في وصف الاوضاع الاجتماعية بلندن وباريس ، ونضيف ان عباس محمود العقاد استهل مصنفه عن شاعرية ابن الرومي بلقية منقولة عن رواية (قصة مدينتين) بغية تقديم صورة حقيقية واقعية وامينة عن اسلوب عيش الناس في القرن الثالث الهجري، اذ هو عصر ابن الرومي الذي اجتمعت فيه النقائض من خير وشر، وفضيلة ورذيلة واستسلام البشر لما ينزله الحكام بهم من القهر والبطش ومقابله اندلاع ثورة الزنج وشيوع الاضطرابات في غير رجأ وناحية، وكذلك هو عين ما ساد القرن الثامن عشر الميلادي ايام ثورة سواد الجمهور في فرنسا وما ادري اتلك النبذة الوصفية المستهل بها كتاب العقاد عن ابن الرومي هي من إنشاء العقاد ام انها تعزي لمحمد السباعي مترجم رواية ديكنز التي لم اطلع عليها او يصار بها الى يدي يوما، وحسبي استنادا الى توثيقات العقاد وطه حسين في ذلك، والاخير اطرى غاية الاطراء فضل الرجل عليه بتعريفه بالآداب الانكليزية واثنى على ترجماته العديدة ومنها كتاب (الابطال) لكارليل فاليه يعزى المامه اليسير بمكونات الثقافة الانكليزية وادب السكسون هو المشغوف المولع بالادب الفرنسي، وفي كتاب (حياة قلم) للعقاد ايضا تعريف موجز بكفاحه وتفرغه لترجمة عيون ما يستهويه من موروثات الشعوب ومنها رباعيات الخيام فقد يكون الاسبق في هذا الميدان.
2. بخصوص احمد الصاوي محمد اقول: قد يتوهم صديقي شكيب كاظم انه مجايل لبقية المترجمين العرب في خمسينات وستينات القرن المنصرم وقد تواروا اليوم عنا طي الغياب امثال: سهيل ادريس ومنير البعلبكي وسامي الدروبي وخيري حماد وسليم طه التكريتي ويحشده بينهم ظانا انه في عداد الاحياء ويبلغ من الاعجاب مدى بمجهودات احمد الصاوي محمد فيخيل له انها ظهرت وعرفت مؤخرا لاطلاعه على رواية تاييس من منشورات دار المدى التي حسب انها عهدت اليه مؤخرا بترجمتها.
احمد الصاوي محمد روائي مصري ربما قبل نجيب محفوظ ويوسف السباعي واحسان عبد القدوس من اعماله في هذا الحقل رواية (التلميذة الخالدة) وهو كذلك من التراجمة المعدودين عن الفرنسية ونقل مذخوراتها من الادب والسياسة الى اللغة العربية، ويؤثر عنه من هذا الوجه كتاباه عن (اسرار الحرب العالمية الثانية) و(مأساة فرنسا) ضمنها منقولاته لمقالات اندريه موروا وغيره من الكتاب الفرنسيين حول وقائع الحرب الكونية الاخيرة وما اسفرت عنه من فجائع واهوال وكوارث والم بفرنسا في غضون ثلاثينيات القرن الفائت ولزمها في غير حقبة وحين ليحذق لسانها ويشاكل نبغاءها في كيفية تصنيف مباحثهم فكان كتاباه بالفرنسية عن (الدستور المصري) و(ثورة 1919م) ثمرة ذينك الالمام واللزوم، ومن عوائده غير نقل رواية تاييس الذائعة الصيت، كتابه (الرقص على البارود) ولابد انه قضى قبل سنين وطويت حياته، فلا اتصال له بالأساس بدار المدى التي دأبت على اعادة طباعة الآثار المنسية والكتب المفقودة مما غدا هذا جائزا ومشروعا بعد توالي السنين، واقر اني ربما كنت متعجلا ومتسرعا منحازا لصالح صاحبي حين قرنت منجزه بكتاب (نماذج بشرية) ولو في بعض فصوله، فقد يحصل احيانا ان يفتعل الكاتب هذا المزعم وذاك ويصطنعه بأمل سد الطريق بوجه المتغرضين من النقدة الهلاميين والكتاب الفضائيين، ولجم افمامهم كي لا يتقولوا ويبخسوا الناس اشياءهم ثم اني ما عمدت لهذه التعليقات والمؤاخذات الا لان افلاطون عزيز غير ان الحـــقيقة اعز كما يقول اليونانيون.

• يرى بعض اللغويين ان الاوفق والاصح ترجمة لفظة البؤساء على صورة (البائسون او البائسين) كما تقتضي القاعدة الاعرابية حين تندرج في سياق الكلام، لان مفردها (بائس) لا غير ولفظة (البؤساء) لا تعدو ان تكون (جمع تكسير) للمفردة (بئيس) على وزن جليس – جلساء واما جالسون فهو جمع سالم للمفردة (جالس). لكن فرط الشيوع للكلمة (البؤساء) واستخدام الادباء والمعربين لها لتفيد معنى البائسين، جعل منها افشى على اسلات الاقلام واروق لافهام ذويها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *