حميد حسن جعفر: خطاب الصورة

في “شتاء العائلة”*

الحلقة 1 من 2

1
في ـ شتاء العائلة ـ الرواية الصادرة في طبعتها الأولى في بغداد عام 2002 والمكتوبة في عام 1993 والحائزة على جائزة المبدعين الشباب في مجال الرواية في دبي / الإمارات العربية المتحدة في عام 2001 في هذه الرواية الممتلكة لعدد من التواريخ، يشتغل الروائي على سرد الصورة الثابتة في اللحظة الآنية، والمتحركة في الفضاء الماضي. عبر ذاكرة تمتلك القوة على المناورة، وعلى توفير نصٍ تصويري يعتمد المعاينة والتحديق. نص عيني. [إن جان جاك روسو يجعل التحديق ــ الذي هو المعاينة اساسَ اجتماعية الانسان وقيام المجتمع المدني] عن كتاب دليل الناقد الأدبي لـ (د ميجان الرويلي و د سعد البازعي ص94
حيث تبدأ الحياة الفاعلة وحراكها من قوة الحياة المعطلة وجمودها أي أن الروائي كثيراً ما يبحث عن المتحول في الثابت، أو المتحرك في الساكن أي البحث عن الحاضر الحي في الماضي الجامد.
وهذه واحدة من أهم التقنيات الكتابية في العائلة في شتائها الأخير.
إذ يعمل القاص على خلق حالة تداخل ما بين حقول الزمن ــ الأزمنة ما بين حقل الصورة الفوتوغرافية، إذ تتجمد حركة الماضي مع حقل الحياة المتحركة في لحظتها المتمتعة بالحياة.
انه يعمل على اكتشاف الماضي في الحاضر واكتشاف المتحرك في الساكن عبر عملية تقترب مما يمكن أن تسمى تناص الحيوات / المعيشة / داخل البيت. مع الحياة الساكنة / القبور. كل هذا من أجل وضع اليد على ملامح قد نجدها عندما نعاين أنفسنا في المرايا. أو عندما نحاول أن نحرك الجدار / الزجاج أملاً في الحصول على تحديق أكثر واقعيةً أو خيالاً أي إننا نبحث عن الجذور المنتمية للماضي. في الصفحة (95) من كتاب دليل الناقد الأدبي يقول سارتر متابعاً ــ جان جاك روسو ــ ليجعل التحديق [جزءاً أساسياً في تحديد الذات الوجودية لأن وجودنا الاغترابي يعتمد على الكيفية التي ينظر بها الآخر الينا. وبدون هذا التحديق لن نكسب هويتنا].
إن ــ علي بدر ــ يتحدث بصورة موازية لما يحس به سليمان الذي كان “يتذكر الأيام التي أهملت في ذاكرته” ص99 وعلى الرغم من أن السارد العليم / الكلي هو واحد من المقربين لأكثر أفراد الأسرة هيمنة على الواقع، إلا انه يقف بعيداً عن التأثير على الأحداث. على الرغم من السلطة الممنوحة له في أحقية الانتقاء اشخاصاً واحداثاً وأزمنة لأن وقوفه هذا متأت من كونه راو لا يعتمد المشاركة الفعلية المكشوفة. بل يعتمد على ما تركه الماضي خلفه من صور لـ “سلاسل من أسلاف وأجداد وآباء وأحفاد” استطاع عبرها أن يمتلك عنصر الحكي الماضي الخامل. والذي استطاع أن يقر ويتمركز “عبر عدسة الكاميرا” على الورق بعيداً عن التغييرات.
هذا الثبات ــ ثبات الصورة استطاع الراوي أن يطلق عليه لحظة المضارعة ليتمكن من إعادة دورة الحياة للأفراد والكائنات بدءاً من الأشجار والغربان واللقلق والطقس والكلاب السلوقية وجب الزنبق وليس انتهاءً بالأثاث والستائر والطنافس والرجلين السودانيين والرجل الأذربيجاني وما تفرزه بغداد التي كانت نائمة حينها على حافة المقامرة.
انه واقع الصورة المتحركة لاحقاً، المحاذي للواقع المتحرك المضطرب. واقع خامل يكاد ينطفئ بين يدي العتمة. فاذا به يشتعل / يتأجج فجأةً بفعل الحياة التي يصنعها الغريب بجسده المفتول العضلات. بأناقة فتوته الفاتنة ومغامراته القادرة على خرق السكونية والعبث بالمتخثر / المتجلط من سوائل الحياة.

“2”
في “حضور الغائب” المفتتح أو القسم الأول من النص الروائي الممتد على بياض الصفحات العشرين الأولى. يكون فيه السارد فاعلاً. حيث يتحول الماضي الذي يكون على هيأة ذكريات الى فعل مغامر يحاول أن يضع المتكلم وسط حالة تشبه السكر. يفقد السكون وسطها انطفاءاته ويتحول الاسترجاع الى فعل لذة. تغطي على فعل الحاضر بتوقعات المستقبل. انها [رائحة الذكريات الشبيهة برائحة فاكهة مخمرة] ص9 هذا الفعل يشكل الطرف الأول من معادلة تعم حياة الشخصية المتحدثة. الواقفة وسط الفصل فيما بشكل [ماض موحش ينبعث من كل مكان] ص9 الطرف الآخر من تلك المعادلة.
انه التداخل ما بين ذاكرة فتية مازالت بكامل قيافتها. وصورة بالأبيض والأسود لشابة هي عمته. والاثنان الذاكرة والصورة تنتميان الى الماضي. حيث [كانت الكلاب اليابانية البيض تتخلق حول أقدامنا. تحيل فضاء السهرة الى شيء شبيه بالأحلام] ص20
*
الروائي ـ علي بدر ـ يدفع بالسارد الى أن يتلاعب بالمتلقي عبر تعددية الأزمنة / أزمنة الحدث والكلام الحديث. وعبر تعددية الأشخاص.
فما إن يستقبل القارئ حديث السارد الواقف وسط كومة الذكريات حتى يباغت “عند موت ـ عبده ـ إحدى وصيفات القصر” إن السارد يقول معترفاً انه كان واقفاً الى جانب جدته وصديقه “اسعد”. هذه الشخصية التي سيتخلى عنا السارد الروائي كما يتخلى عن سواها.
ما إن ينتهي من هكذا فضاء حتى يقول “دخلنا ـ أنا وزوجتي ـ بهدوء الصالة الدائرية” ص14 اذاً هناك أكثر من وجود. أكثر من حضور أكثر من كائن بشري. كل هذا من اجل أن يجد القارئ نفسه واقفاً وسط القصر. وسط الأحداث. يسمع ويرى ويستقبل. من أجل أن تدخل العمة مملكتها. ورغم وجودها. إلا إن السارد يجسُ ومصغ تماماً بأن صوتها “الذي يشكل حضوراً فاعلاً” يشكل فضاء مختلفاً عن الآخرين “فأجابتني بصوتها البعيد القادم من مكان قصي” ص16 صوتها المتهدج الذي يأتيني بشكل أليف من مكان بعيد ص16.
اذاً هناك جسد / كيان قريب. وهناك فضاء صوتي بعيد. هناك حدث مأساوي ـ موت ابنة الأخ. في الفصل الثاني “الهروب أخر يوم من الشهر ص 33 ـ 195.
وهناك حالة حزن يجتاح العمة ـ حالة الوهم ـ وهم اكتشاف الحب التي تجتاح الشخصية الرئيسية. ـ العمة ـ حالة تقف خارج الانسان من أجل خلق حالة توازن يعمل القاص على خلق حالة ايهام. كحالة رد فعل فالماضي هو كل الحياة. ومن أجل أن تستمر حالة الوهم على الكائن البشري أن يستمر بعملية إنتاجية.
فالذاكرة لم تكن لدى العمة سوى مختبر لانتاج حياة جديدة تعتمد على الساكن القار في الماضي. [أحياناً وأنا أصغي لصوت طائر المقو، أتذكر كل شيء. استعيد كل التفاصيل الحميمة بحسرة كبيرة أتخيل انني أحيا الحياة مرة أخرى. وأغير التفاصيل بصورة أفضل لأجد نفسي معها. “مع ابنة أخيها التي ستموت ضمن حالة انتحارية بسبب هروب الغريب. الهروب المصحوب بمخلفات تنتمي الى الفواجع”
ومعه هو “مع الغريب الذي استطاع عبر عملية الغواية أن يخترق السكونية ويخلق حالة طموح لخريف امرأة ولربيع صبية. والذي يجب أن يظل غريباً لأن الحياة الساكنة لا يحركها إلا المختلف / إلا المغاير.”
لأن غيابهما هو الذي أورثني كل هذه التعاسة” ص91
في محاولة منها لخلق المتغير. فالسارد يقول: “الأشياء المتشابهة لا تخلق جديداً” ص21.
[وأنا أتأمل في ظلي أدرك جيداً ان كل ما كان لابد ان يكون” ص19

“3”

الصورة رغم انتمائها للماضي الا انها ـ بين يدي الراوي ـ تتحول انتماءاتها الى الحاضر رغم ان السارد الآني مازال يعاين “كانت صورتي محنطة باطار برونزي على الجدار الشاهق.” ص21
فالسارد لا يمتلك ذاكرة. أي انه يقف على الحياد. هكذا أراد له الروائي ان يكون. فهو غير قادر على ان يعود الى ماضيه الخاص. رغم وجوده في الصورة مع عمته “كما لو كنت أتفحص ظلي في العتمة” ص21
هذا التفحص ينتمي الى العمى والذي [يشير الى نوعين من الفوضى وغياب التمييز والمعرفة.. والعشوائية وغياب الانتظام والانساق] ص292 دليل الناقد الأدبي إذ ان العتمة / انعدام التذكر هي السائدة. ولتتحول الذاكرة الفردية للسارد الى عتمة دائمة قادرة على إلغاء الآخر. عبر عدم رؤيته وتحديد أبعاده.
إن المتلقي لابد له من ان يحاكم ما يستقبل حتى وان كان بعد حين. فالتداخل ما بين الواقع والوهم أو ما بين الملموس وما وراءه. هو الحاصل إذ أن “كل شيء كان ينتمي الى “الخيال لا الى الغرابة” ص20
اذ ان امتحان القارئ حالة يمارسها الكاتب لالغاء وتيرة الرتابة. وان السارد يمتلك حرية التنقل زمانياً كما قد امتلكها مكانياً. وما عليه ـ على القارئ ـ الا ان يتسلح باليقظة. اذ ان ما تتم قراءته في الصفحات العشرين الأولى من “حضور الغائب” لا تشكل حالة سبق لما تليها من كتابات بل انها تنتمي لما بعد الحدث. أي انها تنتمي الى ما تبقى من الذاكرة. من شظايا الأفعال التي مارستها شخصيات النص، الغريب وزوجته الفتاة وعمتها. الجميع يقف تحت سلطة الماضي وإن تحرك في فضاء الحاضر للماضي سلطة رهيبة على القاص. أو هكذا يجد القارئ ما يدور في فضاء القص. اذ ان المتلقي سيجد نفسه وسط كمية هائلة من استخدامات للفعل “كان وتخريجاته” لقد كان لهذا الفعل استخدامات فسيحة. هذا الفعل الذي كان معلمو قواعد اللغة العربية أو مدرسوها يسمونه الفعل الناقص أو كان وأخواتها.
هذا الاستخدام الذي فاق تصورات القارئ. إذ تم استخدام هذه الصيغة ومشتقاتها وفي صفحات الرواية المكتوبة / المحبرة. وليس البيضاء تم استخدامها أكثر من [598] مرة. وبمعدل ما يقارب الثلاث مرات للصفحة الواحدة. ولم تنجُ من هكذا سلطة سوى ثلاثة عشر صفحة فقط.
هذه النسبة العالية لابد لها من تخلف انساقاً قادرة على القمع من جهة، قمع الحاضر ـ وعلى صناعة ماض بصيغة المستقبل قادر على صناعة الحراك من جهة أخرى.
ولذلك كان للماضي الذي هو على شكل صورة بالأبيض والأسود، سلطة الخلق [لا أحد يروي سوى هذه الصور الفوتوغرافية المتأملة من بعيد] ص21 فالصورة تطلق شخصياتها بعيداً عن الأقنعة. بعيداً عن وضع المتفرج / القارئ في فضاء المساءلة والاستجواب. أو فضاء الامتحانات الصعبة. إلا أن الراوي وهذا ما أوجبه المؤلف أن لا يدع للقارئ حالة كشف جاهزة. بل يضعه وسط فضاء من الاستفسار. ومحاولة توظيف المعرفة. واستبطان الذاكرة من أجل الوصول الى الشخصيات المتماهية خلف الضمائر.
إن فن البحث عن كنه الصورة هو أحد مقتنيات الكاتب. والتي على القارئ أن يعمل على امتلاكها [كنا نتطلع الى المدن الصامتة والأشياء تتوالد فيها بشكل أخاذ] ص21
فعملية استحضار الحركة داخل مضمار الصورة / السكون هي محاولة من قبل القاص لخلق شخص راو يقف بمحاذاته ليبتعد هو شخصياً عن كاميرة المتابع / المتلقي.
انه ـ أي السارد ـ المتابع لعمته ـ لا يتحرك “شاغلاً الفراغ” من نقطة الآن ـ اللحظة الراهنة المنفتحة على المستقبل. بل من نقطة الـ ـ كان ـ المنفتحة على الماضي.

“4”
لم تكن الصورة / أو الماضي. أو الذكريات الخامدة. لدى العمة سوى حياة مفعمة بالمتغيرات. وذلك عبر رغبات الشخص الذي يعاينها ـ لدى ابن اخيها تحديداً ـ أو من يمتلكها ـ المصورة الهولندية ـ ان الراوي المتحول / المتغير يعمل على عدم تدمير الماضي. وعدم تحويله الى شظايا ـ من الممكن ان تتحول الصورة أو الذاكرة الى غبار، غبار غير ممتلك لخاصية العودة الى الكتلة / التماسك.
بل كل ما تمتلك العمة ـ هكذا يعمل الراوي ـ ما هو إلا كتلة قادرة على عدم الرضوخ الى سلطة الزمن / الشيخوخة أو الموت.
وبذلك تعمل العمة على تغيير الاشخاص أو على اختيار الاماكن البديلة في محاولة منها للوصول الى نهايات مقبولة. نهايات غير خاضعة للزوال أو الدمار.
الروائي يكتب. والسارد الذي يسكنه يحاول أن يؤكد على ملامح الأشياء الطنافس ـ السجاجيد ـ الستائر. القميصول المسرول بلا كمين ـ القلنسوة الكاسائبة ـ الارائك ـ الجدران ـ نوعية الاخشاب ـ الزهريات. انه يبحث عن الحياة في الأشياء الجامدة. وكذلك يعمل على تشييد حالات تاثيثات قادرة على لفت انتباه القارئ.
ان شخصيات القص التي لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة أحياناً، هي قوة مكملة، وليست مستقلة ـ عما يسمى بالديكور في عالم التمثيل أو السينوغرافيا في عالم المسرح. أو ما يسمى كذلك بالاكسسوار. أو الأشياء المكملة للمشهد المرئي ولكن الحقيقة تظل بهذه الأشياء المكملة قوة الحياة.
ان ـ علي بدر ـ يدفع بالاخرين ـ شخصيات القص والمتلقي والقارئ ومن يقترب أو يبتعد بهذا الشكل أو ذاك ـ الى مقدمة الصورة. حيث يتحول الجميع الى نجوم ملفتة للنظر. وحثهم على البحث والنبش بالذاكرة في محاولة للامساك باللحظات الجميلة. تلك اللحظات التي أهملها الجميع والتي يجد فيها الباحثون عن الحياة. اولئك الذين وجدوا انفسهم فجأة وسط جغرافية بعيدة عن فعل التعامل معها. وجدوا فيها حالات مازالت تمتلك حق الاشتعال والتالق. وحتى العودة الى الحياة المتحركة المتأججة بعد تماديها خلف الراكد من المفاصل.
ان فصل النص الروائي “روايات الحب” هي واحدة من مسارب الوصول الى الحياة نفسها. أو يقترب المدون في دوره من المصور. اذا ما اعتبر القارئ ان الصورة هي لغة اولية استطاع الانسان اختراعها أو اكتشافها قبل ان يتمكن من اختراع الحرف.
ان الروائي يعمل على استثمار القوى الموجودة في تفاصيل الصورة المتماهية خلف ما يملأ حدود الصورة التي يتخذ منها الروائي سبلاً واشكالاً للكتابة. تمتلك من قدرات التاسيس ـ تاسيس الفضاء الروائي ـ ما يمكنها من ان تمنح القارئ عالماً من التفاصيل الدقيقة المتمكنة من اعادة بناء الحياة على الورق. بعيدا عن الاخلال بالادوار والوظائف والدلالات. انه فن تحويل الساكن الى متحرك. وبالتالي قيام الأشياء بالادوار المسندة اليها.
اذ ان لكل مفردة شيئية من الوظائف ما يمكنها من ان تمتلك مبرر وجودها ومبرر التاكيد عليها من قبل الناظر / المشاهد. والكاتب / الروائي والقارئ / المتلقي.
في ـ شتاء العائلة [ـ يكون للاشياء غير المنتجة للانسان ولكنها في نفس الوقت منتمية للحياة ـ] حصة ودور قد يوازي دور الكائن البشري أو يتفوق عليه فالكاتب يهتم بما يقف خارج فضاء الجسم البشري. ولكن ليس ببعيد عن اهتماماته.

5

في المتن الروائي ـ الهروب آخر يوم من الشهر ـ ص 33 الى ص 195 يستحضر الروائي علي بدر لا الصورة فحسب بل يدفع بالواقع ـ خزين الذاكرة ـ لتتظافر الصورة مع الذاكرة. من اجل صناعة النسيج الحكائي لما يدور خلال ثلاثين يوماً ـ هي كل المدة التي استطاع خلالها الغريب وزوجته من ان يدفع بالخمول الى ان يدفع بنسغه بعيداً عن مفاصل الجسد الانثوي المتمثل بالعمة ذات الاربعين عاماً. وابنة اخيها الصبية دون العشرين من العمر.
في المتن تبدأ الذكورة / الغريب بالعبث بأمن واستقرار العائلة المتمثل بشتاء متمرس بأحداث غير متوقعة. حيث تعود العمة التي هي على اعتاب العنوسة الى صباها. متخلية عما يسمى بالحياء أو الخجل أو التردد.
بل ان الروائي يدفع بها الى اللجة. الى حيث تتحول اخطاء الغريب الى اعذار. وما افعاله التي يمارسها مع العمة في محاولة لايقاعها تحت سلطة الانوثة. في محاولة منه لتوظيف الذكورة وان كانت من غير مرجعية عائلية. ومن ثم المرور من هكذا فعل مبرر الى حياة الصبية التي من الممكن ان تمنحه ما لم تستطع ان تعطيه الزوجة الباردة حيث الانوثة الخاملة التي لا تعادلها سوى مجموعة من الحقائب.
*
العمة سلطة تبحث عن المعنى في اللامعنى. لذلك يراها القارئ في حالة استعداد تام للكشف عن سجلها الحياتي بعيداً عن الخوف. [هرب الوقت، ونبضات الايام وسحر الفضول. هو الذي يضفي على حياتي التائهة نوعاً من المعنى] ص36
انها محاولة للتعويض. لخلق البدائل وذلك عبر الخيال، لازاحة الواقع الصارم. وعبر الواقع الواقف في جغرافية الخارج للتغطية على خلو الجغرافية الداخلية من الوجود الانساني. ومن اجل خلق البدائل هذه تعمل على الشطب على الواقع واقامة البديل المتمثل بالفعل القراءاتي الذي سيكون على شكل روايات رومانسية المتمثلة [بروايات الحب القصيرة المعاصرة] ص36.
القراءات هذه كانت واحدة من مجموعة افعال استطاعت ان تهيؤها لاستقبال الزلزال، وان تتفاداه كذلك ـ هذا الزلزال الذي لم تستطع الصبية ذات الخمسة عشر ربيعاً. ابنة الاخ. ان تستوعبه لتتجه نحو ممارسة حالة انتحارية.
ان الخراب / التبدلات بدأت بحالة القراءة. الخراب الذي اصاب البرنامج الحياتي للمرأة. الذي يبدأ بالنهوض الساعة السابعة صباحاً مائدة الافطار في الساعة 7,35 ومنه الانغماس الكلي في القراءة.
–    في الساعة 12.00 وحتى الواحدة ظهراً التنزه والتأمل
–    بعد الساعة الواحدة الجلوس على مائدة الغداء
–    الواحدة والنصف ساعة الانتهاء من تناول طعام الغداء وتناول القهوة الساخنة
–    الثانية ظهراً الصعود الى الدور العلوي للاستراحة في الفراش لمدة ساعتين
–    في الرابعة تماماً تناول التارتات المطعمة بالفاكهة وشرب العصير
–    ومن ثم الانغماس بالقراءة حتى الساعة الثامنة.
–    عند الدقة الاخيرة المعلنة للساعة الثامنة تكون مستعدة لتناول العشاء والقهوة المعطرة.
–    ومن ثم وللساعة التاسعة تكون قد راجعت ودققت الفواتير والايرادات.
–    حيث تجلس في الصالة على الكرسي الهزاز. امام الوجاق تتامل النار وحيدة حتى الساعة العاشرة.
–    بعد العاشرة مساءً ترتقي السلم المرمري لتغلق [باب حجرتها، وتستسلم للنوم. ليجمد المنزل بل حجراته وردهاته ويعم الظلام والسكون” ص40
ان برنامجاً ميكانيكياً كهذا لابد له من ان يخلق جغرافية هي اقرب للمحميات الصناعية. من أجل الحفاظ على النوع أو التخلص من سلطة الانقراظ. منها جغرافية طبيعية.
ان هذه الميكانيكية المتاتية من حالة اتكائية قاتلة حيث يستند المفصل على المفصل. والاول على الثاني وصولا الى آخر لحظة حياتية. هذه الميكانيكية كانت تمتلك كل الاستعدادات للوقوع تحت سلطة الانهيارات. ولذلك ما ان يضع الغريب قدميه على العتبة حتى بدأت سلسلة الزلازل. بدءاً بالعمة وانتهاءً بسائق العربة والخدم.
ان الحلقة الحياتية التي يشكلها سكان القصر [سيدة وصبية وثلاثة من الخدم والسائق] ولينضم لها من ثم الغريب وزوجته] هذا العدد الذي لا يتجاوز الثمانية اشخاص. واذا ما استثنى القارئ اربعة يقفون خارج التاثير لم يتبق لديه سوى رجل واحد وثلاثة نسوة.
رجل واحد وثلاثة نسوة:
1.    امرأة متزوجة خاملة / منطفئة
2.    امراة على عتبة العنوسية على حافة الانطفاء
3.    صبية في كامل انوثتها.
ان الخراب أو الفساد الذي سيعم العائلة لم يكن متأتياً من مفصل المدرسة التي رفضت العمة انضمام ابنة اخيها اليها. أي كان نوعها! وما جاء من مكتبة العائلة المتوارثة. بل جاء بسبب لعبة ـ لعبة صنعها الخيال وليس الواقع فمن اجل تدمير التراتبية المهيمنة بسلطتها على تنظيمات وانساق الحياة البيتية. ومن أجل كسر الواقع لم يكن أمام الروائي من حلول سوى أن يلجأ الى فن الرواية. الرواية التي تتحدث عن غريب يدخل حياة خاصة وفي غفلة يجد اصحاب الدار ان هذا الرجل لص استطاع ان يسرق عائدات البيت.
اللعبة الروائية هذه استطاع القاص ان يوظف جزءاً منها من أجل صناعة الكارثة التي تعبث بالآخرين. كارثة من الممكن ان تسمى ـ شهر العسل ـ هكذا يسمي الغريب الفترة الزمنية التي سيقضيها الغريب في محمية العمة التي لا أحد يمتلك اسمها أو كنيتها. حالها حال البنت ـ ابنة الاخ ـ وكذلك الغريب.
القارئ لـ ـشتاء العائلة ـ لن يجد امامه اعلاما أو معارفا سوى القليل ممن يقف خارج مسار اللعبة. الاشخاص الذين لا يمتلكون تاثيرات على الاحداث. على الرغم من توليهم للبعض منها.
ـ باهرة بنت محمود باشا، والتي يقول عنها الغريب انها امه
رجاء زوجة عصام المفتي العجوز التي تلبس بيرة حمراء.
*
دخول الغريب كان ـ وكما يقال ـ القشة التي قصمت ظهر البعير. والتي افرغت اللعبة من محتوياتها. حين تحولت تلك المناديل الى مجموعة من الغوايات. تلك التي اطاحت بالجسد. حيث اللحظات البعيدة عن رقابة العمة. حيث استطاع الغريب ان يسرق لحظة الفعل المناهض للمتوقع من قبل سكان البيت. وعلى راسهم العمة. التي لم تستطع ان تستوعب نتائج اللعبة / اجتياح جسد الفتاة. ومن ثم وصول هذا الجسد الى لحظة الشطب / الانتحار. وحروج العمة من اللعبة. هذا الخروج الذي جاء على شكل مفاجأة رغم توقعه ـ عبر متن الرواية الذي يتحدث عن غريب ـ لص.
ولكن الغريب في شتاء العائلة كان غريباً قاتلاً سفاحاً رغم جماله واناقته ورشاقته وحبه للحياة والنبيذ والروبيان والمغامرة.
*
مع هطول الغريب يبدأ الجميع. الدارة ومن فيها باستقبال المتغيرات. ففي اول الصباحات لم تبكر العمة ـ كما هي عادتها في برنامجها الصباحي فقد تأخرت نصف ساعة تقريباً. وراحت [تهبط بهيئة مغايرة لهيئتها اليومية] ص65 و [اختفت الخيوط الفضية التي كانت تخط شعرها بالحناء الكستنائية] ص65 لقد كانت الانثى القارة في جسد العمة تمارس سلطتها محاولة ان تتخطى الزمن. ومتجاوزة سن المراهقة بقليل.
ان القاص ـ علي بدر ـ يعمل على ان يضعها وفق صيغة مجاراة الآخر. فهو يستخدم لغة تقترب من فعل المغامرة. فعل الضغط على مسمار الامان متخطية بذلك الكثير من التحصينات.
ان شخصيات القاص شخصيات غير اعتيادية. تمتلك القدرة على تخطي القيد. حتى حالات الخمول التي قد تطغى على حركات فعل الزوجة ما هي إلا حالات مخطط لها. من أجل أن يتفرغ الغريب لخطوات اللعبة. فالقاص يقف وسط مساحة واسعة من الانتقاء. يبدأ بانتقاء الشخصيات وليس انتهاء بالاثاث، اثاث البيت واثاث الحديقة بدءاً باستدارة النهر وصولاً الى رخام القبور. هناك اعتناء كبير بالجزئيات. ولم تكن حالة اعتباطية بعيدة عن البرمجة.
ان الخمول الذي تتزين به الزوجة هو فعل غير منتج / عقيم. لذلك يرى القارئ ان الغريب سرعان ما يتجه نحو الافعال المتحركة. ـ العمة وابنة اخيها ـ
ان علاقة الغريب بالزوجة الخاملة ما هو إلا نتاج علاقة الاباء علاقات لا تعتمد على صناعة اللاواقع، بقدر اعتمادها على صناعة الواقع الاعتيادي غير الملفت. [هذه الطريقة الوحيدة التي تبقينا اصدقاء] ص73 هذا ما قاله في حفل الخطوبة والذي هو رمضان بن خديجة النقيب. إلا ان القاص لم يستطع ان يصنع قناعات تقف الى جانب تراتبية الحياة تلك الحياة التي صنعها روائياً. فما كان منه سوى ان يخلق شخصية تقف بالضد من السكونية ـ حيث الشاب الذي كان يحب اخت نازك الصغرى ليلقي [بعاصفة من عواصفه المعربدة ثم قلب الطاولات وأخذ يكسر الصحون] ص12
ان حياة خاملة كهذه استطاع القاص ان يقيم أخرى ضاجة.
فوسط جغرافية قد تكون ضيقة. وبعدد قليل من مخلوقاته استطاع ـ ولكن عبر مخيلة لا تحتمل ال، ان يطلق كائناته الروائية افكاراً واحداثاً وذكريات. ورجال خدمة وتدبير لا يتركون للانثى أي ارث من الممكن ان يمنح الانثى بعض ذكورة.
إلا ان رجلا واحدا استطاع القاص ان ينفخ فيه من روحه عشيرة من الذكورة استطاع عبرها ان يستميل أكثر من قلب وان يثير أكثر من روح. وان يترك وراءه حين انسل الى الخارج أكثر من فاجعة.
ان القاص استطاع عبر الغريب ان يهد الكثير من القيم والتقاليد تلك التي تنخرها الارضة. وعبث بها الانطفاء قيم وتقاليد متوارثة غير قادرة على مواجهة حالات المقامرة والتبدلات. فالانثى التي اطلقت الجسد اخيراً كانت مستعدة للذهاب الى الاقاصي ـ رغم اختراقها المتعارف عليه داخل العائلة ـ اقاصي الجسد، واقاصي الروح واقاصي المغامرة. ولكن بعيداً عن المنافسة ، ابنة الاخ.

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *