برهان الخطيب: المعرفة لخلاص من وهم*

ضمن برنامجه الثقافي أقام نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي واتحاد كتاب عراقيين في السويد ندوة ثقافية لاستعراض المنجز الأخير للروائي برهان الخطيب (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) على قاعة وسط ستوكهولم، إليها دُعي الخطيب ومثقفون قدموا مطالعات عن روايته في جمهور اتضح أنه أكثر من متطلب، أحدهم قال: لماذا في الرواية نقرأ عن كل عهود العراق الحديث إلاّ التسعينات الماضية. آخر قال: الغلاف غير مناسب. ومَن قال: العنوان كان يجب كتابته بطريقة أخرى. سيدة احتجت : نعيمة في الرواية لا تمثل المرأة العراقية. ناقد استنكر في الرواية “اتهام” المؤلف للشيوعيين باغتيال أحد رفاقهم. رئيس شركة قدم في خيلاء يوليوس قيصر بطاقته للمؤلف كي يشحن كتبه إليه مقابل الثمن الذي يطلب.. إلخ. رد الخطيب على هذا وذاك بعجالة أيضا، قال: الرواية ليست طلبات مستمعين تجهز لكل الأذواق، ولو كانت عن التسعينات أيضا لظهر أحدهم ربما وطالب أن تكون عن العشرينات، الرواية تؤخذ كما هي لا كما يراد منها، الحياة الاجتماعية موضوع  نقاش كذلك الرواية، المعبرة في أفضل تجلياتها عن مرحلة منها، والغلاف أكان الشامي، غرفة احتوت صورة شارع بغدادي، يعبر عن إن المؤلف حصر الواقع البغدادي في شقة بروايته، والغلاف المصري، مشهد القبلة الصارخ، لهو تعبير أيضا عن حالة تحوّل في مجرى الرواية، وأما الاتهام قد جاء على لسان أحد أشخاص الرواية، لا المؤلف نفسه، فهو ليس قاضيا، ضمن تخمينات حول مّن يكون القاتل، لو أسقط أحدها اتهموه بتجاهله، وأما المرأة في الرواية فقد انتشلت نفسها من حضيض وظهرت في المقاومة، هنا احتج آخر: لا توجد مقاومة يوجد إرهاب. تصاعد كلام في الصالة. هدّأ منشط الأمسية د. الدوري الحاضرين، أعقب: روايات برهان الخطيب تثير دائما زوبعة من النقاشات، روايته هذه لا تختلف بهذا عن أخواتها.
واضح كان الجمهور ذا مزاج خاص، يُذكّر بجمهور مايكوفسكي قبل انتحاره، هكذا مزح الخطيب وأضاف: دا بعدهم، أنا لسه على وش جواز.
هنا كلمته في الأمسية:

ذكرتُ مرة أن مؤلف رواية هو أسوأ مَن يتحدث عنها، أكرر ذلك السطر اليوم. ينتهي روائي من رواية ينتهي من الكلام طويلا. إذن ذلك السطر ليس لأن الروائي قد يجد نفسه، وهو في معرض كلام عنها، كما في هذه الأمسية، مُربكا مثلا، كأنه في حضرة خاطبين جاءوا لطلب يد ابنتِه أو أختِه أو… أو أمِه ربما، في هذه الأيام تعلمون كل شيء متوقع، حتى تعرية.. بلد.. بذريعة تطويره.
الرواية أيضا معقد تقديمُها، من خالقها. حتى رواية البشر الكبيرة، الحياة، دخل عليها متمرد، ناقد بلغتنا، حوّلها إلى صراع دائم. هكذا أيضا لا يدري، مؤلف رواية، مَن وأيةُ فكرة قد تدخل مسارَها، و.. يُخلخل نسَقُها. عند الخالق الكبير جنة ونار، هكذا يستطيع التحكم حتى بالنهاية، إذا رفض البعض الامتثال، السجود، لبطله، الإنسان. وأما مؤلف رواية صغيرة، أو حتى كبيرة، ليس له جنة، بل نار فقط، حين يدخن طبعا سيجارا بحجمه أو أكبر، فحظُه مع قرائِه، ملائكةِ الرحمة، و هم في حالنا مثله مكسرو مهيضو أجنحة ، فحظُُّه قلت حظُّ مَن جاءه خطّاب وهو لا يدري كيف يقدم أعجوبتَه لهم، خاصة إذا كان راغبا في الخطبة، أقصد قراءتَها، مناولتَها بلطف لطالبها، على أمل تسريحها بحسنى، بدل تمزيق شعرها، أقصد صفحاتَها، فإرجاعها مع شتائم إلى ولي أمرِها، أقصد كاتبَها، إذ تُكتشف عيوب، ويدب مللٌ في نفس دبدوب، مدمنِ فراشٍ شغوفٍ بحكايات دروب، دون أن يفكر هذا طبعا عند الفشل في الحصول على المراد والمطلوب، إن سببَ المللِ والمذلة قد يكون منه، كسلُه وعجزُه في اكتشاف مفاتِنها وأسرارِها، أقصد الرواية طبعا، لا بنت الحلال التي ابتلت بغضوب،  قصير نظر، يريد كل شيء على طبق من ذهب، كقارئ لا يريد أن يذهب على صفحةٍ أو يؤوب، ليكون راضيا عن أي شيء، ولو كان يعبق بالطيوب..

توحش من غير مخالب وأنياب

إذن قد لا يدري المؤلف المسكين، وهو في حضرة قراءٍ ونقادٍ وحسّادٍ وطلابِ أدبٍ سهّاد، ملاحظاتهم لو صدرت كأنهم ملائكةٌ، أَنشدَت فرادى، في أجواق، لكن أُحرِقت أو هُشمِت أجنحتُها سهوا، أو عمدا، كما يحدث في العراق، لأهلنا الآنَ، في بغدادَ، وأخواتٍها، مدنِ البلادِ، وأمِّ البلاد. لا يدري هذا المؤلف الحيران، كيف يعرض ويقدم بدعته. يكشف محاسنها؟ قالوا عنه يدلل على بضاعة. يُبيّن ويُطيل مرمى سهامِها؟ قالوا: يريد قلبَ العالم وهو متحصن، وراء أوراق. ولما الكلام من فضة تعلمون، والسكوت من تنك هذه الأيام العجاب، يصبح لزاما عليه قولُ شيء، هناك أشياء كثيرة ينبغي قولُها عن عالمٍ ناقص، عن روايتِه، كيف لا وأي عالمٍ، كبيرٍ صغير، حتى لو صنعه جهابذةٌ مدججون بمعرفةٍ ووسائلَ حمايةٍ وإشهار، يتطلب أيضا وسائل إقهار، عند عربدة أو ضرورة. وروايتُه، حاضنةُ هذا العالم نعم، طبعا تظهر ناقصة، مثله، وربما أسوأ، إذ يصنعها فرد، دائرة معارفه وتصوراته أضيق حتما من أصغر دائرة مخابرات في العالم، طالما للأخيرة تماس مع دوائر أخرى متسعة مع مجسات متنوعة تقليدية ومبتكرة وراء حدود الشمس وأبعد، بينما يدور وعي مؤلفِنا على فلك وحدته، حول نفسه حسب، نعم هناك انترنت الآن، كما كانت موسوعات، توسع حدود المعرفة بعيدا، إنما هذا العالم الذي نكتب عنه أوسع حتما من كل الموسوعات. من هنا قد.. بل يحدث تعارض، بين ما نكتبه وبين ما هو موجود حقا حولَنا. فكيف نعرف بالضبط قيمة ما كتبنا وأبدعنا؟ حتى رؤساء دول يتضح أحيانا أن ما كتبوه وذكروه لا  قيمة له، خذ ما قاله بوش أمس وما سوف يقال غدا، خاصة حين تقصر أجهزة استشعارهم بمد ذؤاباتها إلى حيث الفكر والخصوصية، وأفرادُها مهتمون غالبا أكثر من ذلك بموعد نهاية مهمة و دوام واقتراب موعد استلام راتب ومكافأة. هكذا مع الأنانية يقصّر أهل القرار والاستقرار، وأكثر يقصرون عند الطلب من مثقفين ومنهم مؤلفون أن يتبعوهم بل أن يقتفوا هديهم، وإلاّ ضاعوا بحسبهم في مجاهل عالمنا، وهم عن ذلك وما يتبعه غير مسئولين، ولا ساهين، فيغدو التقصير حياتَنا اليومية، وخيالُنا المجنح غيرَ مجنح نحو كمال، وإنجازُنا العالي النبيل شبهَ مستحيل.
و المؤلف المسكين مطلوب منه أن يكتب للخلود، أن يخاطب غير المتفاهمين، لهذا تُكتب رواية، يخاطب المتخاصمين، يجمعهم حول طاولة، أقصد روايته، لفهم، لتفاهم، لحوار، لصلح، لكن كلا، البشر اليوم باقون على خصام ولو تأنقوا أو تألقوا، هم يفضلون الخصام، انظر يا حامل القلم كيف نظموا عدوانيتهم واختلاف مصالحهم، بعد أن اختلقوا الاختلاف ضخموه، في أحزاب وطوائف وأحلاف، الكل متخاصم، في السر والعلن، إذا شاءوا التصافي تحت جاءهم مِن فوق مَن يهيج عداء، هكذا برأيٍ مقابلٍ متحمسٍ تعيش مجتمعات في حيوية دافقة، الصلح مثالية، طوباوية، وهكذا هو واقع العراق اليوم، ربما العالم كله، مع نزعة الاستهلاك والهيمنة المحتدمة، على صعيد فردي، وعام، حد توحش، لكن من غير مخالب وأنياب، حتى الأسلحة جعلوها لعب أطفال.

الرواية الواعية عالمَها
نقيضا لواقعية مبتذلة، رائجة، أرْجَح مُروَّجة، فيها الحياة غابة يحكمها صراع، والإنسان ذئب للإنسان، لا أخا، كما تبشر أديان وفلسفات إنسانية وأخلاق قويمة، هذه جُعلت كلها مودة قديمة، فهي تبشر أيضا بالاعتدال، بينما المطلوب الآن أقصى الربح، إرضاءً لكل نوازع ذات منفلتة من ضوابط عقل حصيف، بدعوى قدسية الحرية الفردية على سواها، وقت جمعوا المقدس والمدنس في خانة الفول المدمس، هكذا  أمام متأنٍ، نقيضا لواقعية مبتذلة، قلتُ، وللمنفلِت والمغيّب وما تسنه وتفعله قوى دموية تربح من مشاكل، فعلتْ ما فعلت وتفعل في بقاع عديدة من العالم، يبقى الأدب العالي منفذا لروح مرهفة، وتبقى الرواية، الرواية الواعية عالمَها واضحا، لا اللاهية في دوامات مخدِرة مغرِقة في أنانية، تبقى وتأتي تلك الرواية إلى القارئ لاصطحابه من عالم محتدم اختلافات واختلاقات إلى عالم تفاهم وصراحة، عالم نحتاجه جميعا. رواية تأخذ قارئَها من اللامعقول إلى المعقول هذه المرة، على حلقة أعلى من حلزون التأريخ لو صح وجوده، خلاف ما غرسوا في أدبنا قديما وما زالوا،  بترجمات وتجارب عبثية عابثة بعقل سليم، يُنتظر منه مقاومة تشويه الذات، وإحلال العدل العاقل، والجمال الفاضل، بدل تكريس الساذج والمبتذَل والانهزام، أكان نحو ماضٍ سلفي أو مستقبلٍ هلامي، هذا سواء.
ننزل من سماء هذه الرواية، فماذا نرى؟ على أرضية واقعية فكرية ملتهبة برصاص ومفخخات يلتقي بـ (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) في شقة ببغداد عام 2003 الصديقان القديمان سامي وحميد، العربي والكردي، الفنان والحزبي، الداخل والخارج كما قلت، يصنعان بتفاهم ومودة أسطورة صمود واستمرار متآلف قوي رغم أوجاع، بينما يتساقط غيرُهما وينتهي بتطرف وكراهية وأوهام، مع حضور موضوعة حرية الوطن قبل حرية الفرد حولهم بقوة.
رغم انتزاع مهاترات ومشاكل كبيرة كل بطولة من إنسان معاصر أرى أشخاص الرواية الآخرين في ظرف العراق الاستثنائي أبطالا نعم، نماذج متفردة، متجذرة سابحة في الزمكان، بمعنى أصبحت هي العراق. هنا حادث قتل غامض، يحصل كل يوم في العراق، بغداد خاصة، منذ بدء الاحتلال. في الرواية نعرف مَن هو المُصاب. لماذا، كيف، ليس تماما. تنجلي التفاصيل تدريجيا حتى النهاية ومعها صورة العراق خلال العقود الأخيرة.
الهاجس يلاغيني ثلاثين عاما
فكرة الرواية أيضا: لا بد من المعرفة الكاملة، مع استحالتها، لبلوغ الخلاص، لكن الرواية ليست فكرة، ولا أفكار، بل حالة وجدانية كاملة ومعايشة. ثمة ملاحظة عن تغيّر السارد والمسرود له والزمن في هذه الرواية حدا قد يصيب قارئا نعسا بالتباس أحيانا، قد لا يحسن ذكر الملاحظة بمزيد من تفصيل لمن نوى مقاربتَها، لحفظ.. واسمحوا لي هنا أن أكون فظا قليلا وأقول: لحفظ بكارة النص، إبقاء عنصر المفاجأة كامنا في السرد. أستاذي الناقد د. علي جواد الطاهر كان يفضل أن لا يسمع رأيا عن عمل قبل قراءته، كي لا يؤثر ذلك عليه، له ولغيره هذا الحق، في أن لا يتدخل أحد في كيفية التعامل مع ما بين اليدين، قال الطاهر حينه: خليني وحدي مع الرواية، بعد إكمال قراءتها نتناقش.
لذلك لن استغرق في الكلام عن ذات الرواية كثيرا.
عام 1968 قدمت مخطوطة بعنوان (شقة في شارع أبي نؤاس) رواية مكتوبة بيدي لعلي جواد الطاهر، لقراءتها والاستنارة برأيه قبل نشرها، لعائلتينا صداقة قديمة بدأت في الحلة مدينتِنا واستمرت في بغداد بعد انتقالنا إليها بداية الستينات، أعجب الطاهر بالرواية، وقال: لكنها تبدو رواية ناقصة، تحتاج إضافة، أو جزء ثانيا، لكن ممكن حاليا نشرها بصيغتها هذه ثم العودة بعد حين لكتابة الجزء الثاني. احترامي كبير للطاهر، هكذا وعدته بالعودة إلى الرواية حال يدعوني هاجسي. مر أكثر من ثلاثين عاما وهاجس (أبي نؤاس) يشاغلني ويلاغيني، أخيرا في الشام انصعت له، عدت إلى الرواية القديمة المنشورة عام 1972 وتناولتها كخلفية لما يحدث اليوم في بغداد، بعد أن تراكمت الأحداث وكبر أشخاصها، هكذا استلهمتُ منها روايةً جديدة عن عراق اليوم، جعلت العنوان هذه المرة ترون (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) نُشرت منها فصول بالصحافة الورقية وعلى الانترنت، بعض القراء طلب على موقع الكتروني قراءتها كاملة، أكملت الرواية في الشام عام 2007  ومُلهمة تساعدني بحضورها الطيب معي على إنجازها بالمستوى المطلوب، طبعتْ نسختَها الأولى وجلّدَتْها، كان لا بد أن يكون الإهداء كما جاء: إليكِ يا جامعة المعاني والأماني.. حبك رافقني بشدو هذه الأغاني.. فسّر البعض كلمة (الجامعة) كأنها بغداد، وما كان أخطأ لو كتب الشام، لمحبتي الكبيرة للمدينتين، ولوجودي في الغوطة أثناء كتابتِها وإنجازِها، الصدق يقتضي التنويه الآن، إن الإهداء لها حقا، لمن منحتُها ومنحتني حبا بنزاهة وتجرد وعمق، هكذا عرفت ولا أظن أنني أخطأت في ذلك. بعد انقضاء الأيام الجميلة يعودون أحيانا ينقبون في شظفها وعثراتها، لو فعلتُ أنا ذلك الآن ما وجدت فيها أكبر من الفرح النادر هذه الأيام في حياتنا.
أود أيضا التعليق على جملة وردت في إعلان هذه الأمسية، ذكر: لقد أمسك الخطيب كل ذلك وفق رؤية خاصة، يمكن القول رؤيته الخاصة، ساردا عن الأثر العميق الذي مازالت تتركه الايدولوجيا، والسياسة بتنوعاتها وتعدد مشاربها، في حياة الناس خرابا وبناءا. انتهت الجملة.
الوطنية والعولمة
تعليقي: بعض الأخوان تطرق لرؤيتي الخاصة، في صحافة وجلسات فردية وعامة حسب علمي، بعضهم قال: منظار برهان شيوعي، آخر قال: لا، بعثي، قومي، آخر: بل ديني، آخر: بل أخلاقي، آخر: لا، وجودي. أخيرا حسمها ناقد وكتب: وضع برهان مسافة واحدة بينه وبين الجميع. قد يصح أو لا يصح ذلك في رأيٍ سياسيٍ. إنما في الفن، في عملية الإبداع، أقول: رؤيتي الخاصة قائمة على تمييز بين خطأ وصواب، لا على تعاطف مع جهة معينة. طبعا الرد: تحديد الصواب والخطأ يحدده المبدأ. هذا مضبوط. لكن، منذ أول صفحة كتبتها ونصحني عمي الناقد الكاتب عبد الله الخطيب  بعدم الكتابة عن شيء لم أره بعيني، أصبحتُ أجد نفسي، لا الواقع، ولا الفكر الذي سحرني في بداياتي، مرجعية ما أكتبه.
لكن النفس قبل نضجها لا تكفي لذلك، عليها فهم العالم صحيحا لتستحق المرجعية. (صحيحا) هنا أيضا مشكلة. كيف تعرف النفس أنها تنظر إلى العالم صحيحا ومعرفتُها عنه محدودة، بكمية معرفتِها عنه؟ طيب، الصح مثل الخطأ نسبي أيضا. إنما الإنسان العادي يتخذ موقفه بناء على انتماء ومصلحة، من هنا الصراع المستمر في العالم، كلٌ يدافع عن مصلحته في هذا العالم غير المكتمل. أما الكاتب فهو يدرك، عند الارتقاء بوعيه ممارسا الإبداع، ضرورة حسبان مصلحة الجماعة أيضا حول فرد، وكذا مصلحة المقابِل لها، مصلحة أكبر من مصلحة طبقة وقومية، هذا وارد لمَن عاش في عراق متنوع متآلف في الخمسينات الماضية وقت تفتح. هكذا أصبحت الوطنية، الحاضنة لكل شيء، ضمنا مجالها الحيوي الإنساني، أساس رؤية سياسية، في جزء منها فنية عندي، مساهٍمة في دفع العالم والرواية نحو تكامل وكمال.
الوطنية اليوم تجابَه أو تُدغم بعولمة، حفاظا أو تسييرا لاقتصاد، لثقافة، خاصّين. عولمة كأداة ذي حدين، تجرح إذا تجاوزت على الوطنية، وتشفي إذا ساعدت في شفاء. تصاعد الحس الوطني يحمي، ذبولُه قد يقتل. اسمعوا وشاهدوا رجاءً المغنية الرائعة سارة الهاني، على اليوتيوب، كيف هي حين غنت (ليالي الأنس في فينا) في صورتها الوطنية الأصلية، وكيف صارت حين عولمت شكلها في أغانيها الجديدة؟ الفرق تراه العين بيناً لصالح الأولى. بالمناسبة، أغنية (ليالي الأنس) استوعبت العولمة، لحن الفالس، دون التحول إلى فالس كامل ففقدان هويتها العربية، كما حين نظم الأطرش العظيم تانغو عربيا غزا العالم حينه، هكذا يفعل أيضا شمه والساهر اليوم وينجحان بعيدا، هكذا الفن، باللحن وكذا بالسياسة.
العولمة تبلغ سن الرشد حين يتعدد أقطابُها، على أساس التعاون لا التنافس، والذود عن المصلحة الوطنية أولا. وهي تتعدد. روسيا والصين والهند هناك لعالم أفضل سمعنا من خارجية روسيا. واليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين أيضا هناك سمعنا من اليابان. كما هناك تركيا وإيران.. والعرب إذ يصحون. وأوربا وحليفتها الولايات هنا أيضا. يبقى على غيرها أن يحدد انتماءه، أشارت الأردن. هكذا يترتب العالم أفضل. التفكير السليم برأيي ليس في فراغ، ولا في عزلة، ولا في هيمنة. لعاقل لا هيمنة لأحد على أحد، على هذا تلتقي الشعوب وتزدهر، وتُكتب الروايات أصدق وأجمل، وتُبنى العائلات أكثر استقرارا وفرحا.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ستوكهولم ـ نادي 14 تموز ـ 30 اكتوبر 2009
* أيضا عن صحيفة (العرب الأسبوعي) اللندنية ـ العدد 228

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

لن يثنينا فايروس كورونا المستجد عن تعقب الجمال
أحمد رامي وأم كلثوم ..خمسة عقود من الود والحب الضائع
عبد الهادى الزعر

يرتبط اسم الشاعر أحمد رامي في ذهني وربما في أذهان الكثيرين بشيئين الأول — أغاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *