قحطان السعيدي : باريس .. فنجان الحب ورغوة السياسة .. وخيال عزّاوي

kahtan alsaeidiبرغم جراحات الدمار المثخنة في وطني … لكن ثمة الم لازمني حين تعرضت باريس لعمل ارهابي … لأن منذ البواكير من عمري كانت باريس ملاذا روحيا اتوضأ بالسين عشقا لصلاة في كاتدرائية نوتردام أرتل فيها اعذب اناشيد الرب … باريس حفظتها عن ظهر قلب .. ساحاتها، أحيائها واعيادها .. مُذ قرأت البؤساء لفكتور هوغو وأعقبتها بأحدب نوتردام .. في عمر مبكّر تجلت معالم باريس، الاخلاق، الفلسفة، القانون، العدالة، الدين، الحياة الرومانسية الممتزجة بالحب.
حيث رسخت في البال والضمير الكلمة الاولى التي سطرها “هوتفيل هاوس ” بتوصيف رواية “البؤساء”:
“ما دام ثمة هلاك اجتماعي، بسبب من القانون أو العرف، يخلق ألوانا من الجحيم على الأرض، ما مشكلات العصر الثلاث : الحط من قدر الرجل باستغلال جهده، وتحطيم كرامة المرأة بالجوع، وتـقـزيم الطفل بالجهل، لم تحل بعد، ما دام الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكنا في بعض البقاع، وبكلمة أعم، ما دام على ظهر البسيطة جهل وبؤس، تكون هناك حاجة إلى كتب من هذا النوع.” “هوتفيل هاوس”.
حتى صارت تلك المفاهيم اللبنة الاولى للقاعدة الفكرية التي انتمي اليها، لتبلورها دراستي حين تنقلت بين بوفون وفولتير وجان جاك روسو … ولكن روح مونتسكيو كانت مصدر الهاما لأبّحر في فلسفته بروح القوانين.
وحين زرت باريس كان لي موعد في المقهى القريب من محطة “شاتليت”حضّر له صديق مشترك مع كاتبة فرنسية أراها للمرة الاولى، من أصول امازيغية أديبة ومهتمة في شؤون الأقليات بمنطقة الشرق الاوسط وزوجها الوسيم فرنسي متحدر من أصول إسبانية، وبعد حديث طويل تنقلنا فيه بين قصائدها والنضال الامازيغي خَرَجتْ عن الجدّ بروح الدعابة “شو عندك جاي لباريس” حدثتها عن كاتدرائية نوتردام واحدبها وكاهنها ومذبحها وضفاف السين … حتى بادرتني بالسؤال: كم من العمر عشت بباريس … أجبتها انها السفرة الاولى.
هكذا هي علاقتي بباريس …
وبعد التفجيرات الدامية في مسرح باتاكلان، ويوم مرير لترقب الاحداث قررنا انا وصديقي ان تكون وجبتنا الرئيسية ليوم متعب … سمك مشوي بالطريقة البغدادية “المسگوف” … وبعد الغداء تقدمت خطوات نحو عامل الشاي ذلك الرجل الكهل امام موقده في احدى زوايا المطعم المطل على ضفاف نهر دجلة في منطقة الأعظمية … تبادلنا التحية بحرارة، وقدم لي فنجانا من القهوة التي طالما حدثني عن المقلاة النحاسية ورغوة القهوة والبن اليمانيّ.
وتبادلنا أطراف الحديث … حيث اخبرني ان قبل ايام وقع انفجار قرب داره وقد تهشم زجاج غرفة نومه مما كلفه الاستبدال للمرة العاشرة.
عرجت في حديثي معه على احداث باريس وما لحق بالفرنسيين أجابني بلهجة تهكمية “يستاهلوا الفرنسيين”: أجبته بتعجب … لماذا؟
حيث قال:
“قبل اكثر من ثلاثين عاما ارسلوا بطائرتهم الخميني من باريس الى طهران …ومن ذلك اليوم لحد الان المنطقة تغلي ..اما الان اعتقد ان طائرة “مريم رجوي” من باريس قادمة لطهران ونشوف شو راح يصير بعدها”
ذُهلتُ لخيال عزاوي وهو يسرد بالاجابة وينفث دخان سيجارته امام موقد الشاي ..
اما انا ودعته مسرعا لتزاحم الأفكار في مخيلتي.. ورددت ساعتها…
“الله … لا يوفقك عزاوي لهكذا خيال خصب معجون بنظرية المؤامرة”

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *