حكمت مهدي جبار : محمود صبري .. وفهمه للعلاقة بين الفن والعلم (ملف/13)

hekmet mehdi jabarإشارة :
بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيل المبدع الكبير “محمود صبري” ، تبدأ اسرة موقع الناقد العراقي بنشر ملفٍ عنه في حلقات ، وتتمنى على جميع الأخوة الكتاب والقرّاء المساهمة في هذا الموقع بما يتوفر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق ولوحات عن المبدع الراحل إسهاماً في هذا الملف الذي سيكون – على عادة أسرة الموقع – مفتوحا انطلاقا من أن ملف الإبداع ليست له نهاية .

المقالة :
لم يكن محمود صبري قد درس الفن دراسة أكاديمية ليحصل على شهادة جامعية في فن الرسم. انما كان متخصصا في العلوم الأجتماعية والسياسية. ولكنه كان رساما مثقفا أيما ثقافة.
ولأنه كان متمكنا من استخدام أدواته الفنية في الرسم وسعيه لجعل فن الرسم في العراق مؤسسة ثقافية واجتماعية لها شأن في المجتمع العراقي
فقد ساهم مع رواد الرسم العراقي فائق حسن وجواد سليم وخالد القصاب ولورنا سليم وقتيبة الشيخ نوري في تأسيس جماعة الرواد في عام 1950. فضلا عن مساهمته في تأسيس جمعية التشكيليين العراقيين.
ومحمود صبري أذن من الجيل المؤسس لحركة الرسم المعاصر في العراق في الخمسينات.وبقي رمزا ثقافيا كبيرا حتى مطلع الستينات ليغادر العراق الى موسكو ومن هناك الى براغ .وبذلك فأن الرسام محمود صبري لم يكن يشكل حضورا في العراق الا من خلال معرضه الشخصي الأول والأخير في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث أو قاعة النصر.
ومثلما هو معروف فأن محمود صبري كان (ماركسي الفكر). مما أثر بشكل كبير ومباشر على منجزه الإبداعي في (الرسم) فمال الى الطبقات الاجتماعية المسحوقة حيث اتضح ذلك في لوحاته التي اتخذت دلالات اجتماعية والتي عالج فيها موضوعاته وهو يشعر بآلام الإنسانية وأوجاعها معلنا استنكاره ورفضه لقمع الحريات . محمود صبري وفيزيائية عناصر اللوحة عبر نظرية (واقعية الكم)
ترى ما الذي أراده الرسام الراحل من وضع نظريته في (الكم) في عالم فن الرسم؟علما ان النظرية تأسست على قواعد معرفية وعلمية وبالتحديد الفيزيائية فيما يتعلق بالطاقة واللون والكتلة والسرعة والزمن.
وما علاقة مفهوم الكم بفن الرسم كما رآه؟ فـ (الكم) كمفهوم فلسفي هو صفة للشيء زمانيا ومكانيا لايتكشف الا بعلاقاته بأشياء أخرى.من حيث الحجم والمساحة والزمن مع الأخذ بنظر الأعتبار وتائر تطور الأشياء.وتتم عملية الكشف عن صفات الأشياء من خلال القياس.كميته، معياره،قياسا لغيره.وبمعنى آخر فأن (الكم) يبدو هو (صورة المقدار) الذي يختلف عن مقدار الشيء الآخر.ويتبدل (الكم) في الواقع الموضوعي ويتغير لجميع الأشياء.ومن خلاله تتعين صورة الأشياء المتبدلة .(تحولت كمية الشيء كأن يزداد لونها ويكبر أويصغر حجمها فتتغير صورتها).أما نظرية (واقعية الكم) التي أراد توظيفهاالرسام (محمود صبري) على السطح التصويري للوحة الفنية كمفهوم (بصري)والتي قامت على نفس مبدأ الفيزياء في (الكم) فقد أراد منها أن يقول أن فن الرسم (اللوحة التشكيلية) هي الأخرى الى جانب علم الفيزياء تقول لنا: بأن العالم ليس كيانا جامدا وموجودات ساكنة بل هو في حالة صيرورة دائمة يتغير (كميا) بألوانه وخطوطه وأشكاله وفق حركة الأشياء الفيزيائية من حيث الكتلة والطاقة داخل تلك الأشياء (المواد).mahmod sabri 5
أن قراءة (نظرية واقعية الكم) تتطلب ملاحقة ومتابعة لأركان العلم الفيزيائي .وتثير التساؤلات فيما كان يريد الرسام الراحل من تعمق فكري بصري فيزيائي في الواقع الموضوعي وتجسيده تشكيليا على السطح التصويري للوحة.وتلك حاولة منه لتجاوز (الأدراك الحسي) للأنسان نحو (الحدس) وولوج مناطق ما خلف الصورة اعتمادا على التجربة العلمية.
أننا ومن خلا ل أطلاعنا على بعض من نظرية الرسام الراحل نجد انه يعتقد بأن خيال ألأنسان أكبر بكثير من القياسات والصفات والحجوم والمقادير والمسافات.وأن الرسام يتطور دائما بقيمه الجمالية البصرية الى جانب ادراكاته العلمية وخاصة ما يتعلق بالعلاقات الفيزيائية في الواقع.
ثم انه بعد هذا يدعوا الى أيجاد وظيفة لـ (ألفن التشكيلي) بشكل عام و(الرسم) بشكل خاص تعين الفرد في فهم العالم بصريا وجماليا على أساس الحقائق العلمية.وأن الرسام عندما ينفذ لوحة تشكيلية ويتعامل مع مواد مثل: اللون والشكل والخط والأتجاه والحجم والنسيج والقيمة والملمس انما هو يكتشف تلك المواد كـ(نظام عمليات) كما يعرفه هو.مستعينا بمعادلة أينشتاين الفيزيائية الشهيرة (الطاقة= الكتلةxمربع سرعة الضوء) حيث يعتبر هذه المعادلة ألغاء للشكل المرئي المنظور بالعين المجردة أي الغاء (الصورة) لتحل محلها (طاقة) تتألف من الوان وأطياف وخطوط أي أستخلاص جوهر الصورة نحو (ذراتها)Mahmod Sabri l 2
فالماء المرسو م في اللوحة وفق هذه النظرية ليس شكلا سائلا نراه بواسطة العضو الحسي البصري (العين) انما هو حالة تفاعل جزءين من الهيدروجين وجزء من الأوكسجين ..لقد سعى الرسام الراحل محمود صبري ومن خلال نظريته (واقعية الكم) الى أستبدال (الصورة) بعمليات رياضية ليجعل من الفن علما لأدراك الواقع وفهمه بأستخدام عناصر العمل الفني وأدواته.
ففن الرسم وحسب ما جاءت به النظرية هو ليس شكلا فنيا حسيا شعوريا فحسب انما هو شكلا (معرفيا) وفق ممارسات (جمالية) تسعى لكشف الواقع .وبذلك فهو يلغي كون الفن تجربة ذاتية ويعتبره تجربة تعبيرية فنية جمالية قائمة على المعرفة الموضوعية .
لقد مات الرسام العراقي الكبير محمود صبري. تاركا لنا نظريته التي أثارت أهتماما ملفتا للنظر في حركة الرسم العراقي بل التشكيل برمته.منهم من كان مؤيدا لها كونها تجربة تشكيلية جديدة لم يطرقها رسام عراقي من قبل.ومنهم من أختلف معها كونها تجربة فنية مشروطة بقواعد علمية فيزيائية لاتتحمل الخطأ.
فهل ستموت معه نظريته كونها كما أعتبرها البعض لايمكن ان تحل محل العلم .لأن الفن هو (نشاط حسي خلاق يؤدي الى ابداع صور تعكس الواقع وتجسد نظرة ألأنسان الجمالية اليه يغض النظر عن أسباب مقوماته الفيزيائية) أما العلم فهو (ذلك الذي يهدف الى دراسة الأشياء والعمليات في الطبيعة والمجتمع والفكر). أم سيعود اليها النقاد والفنانون والباحثون لأعادة دراسة ما جاء بها من افكار لخدمة حركة التشكيل العراقي؟.mahmod l 6
لطالما كنت أتساءل …. كيف يصبح الموت ممتعاً !!… و كيف يكافئ القاتل بالتصفيق الحاد و برمي الورود و القبعات عند قدميه !!… كنت حينها طفلاً صغيراً … أرافق والدي الى حلبات مصارعة الثيران و أذكر أنني كلما كنت أشيح بوجهي عن الحلبة … أو أغمض عيني .. كان أبي يستاء مني بشدة و يجبرني على متابعة مشاهد الألم و التعذيب … لا أنكر أنني كنت معجباً بالمصارع و ببزته الانيقة و برشاقة جسده و كثيراً ما كنت أقف أمام المرآة … أقلد حركاته …… و شيئاً فشيئاً ازداد تعلقي بهذه الرياضه و شجعني والدي على احترافها و أذكر أنه قال لي يوماً …. كنت أظنك ترقص الباليه أمام المرآة … لكني عرفت الآن أنني أنجبت رجلاً … مصارعاً … سيفخر بك أجدادك في قبورهم … ضحكت في سري اذ لا أعتقد أنني سليل عائلةٍ رومانية بل ان أجدادي كلهم مزارعون بسطاء …. لكنني شعرت بالفخر و السعادة …. و أنا أكبر كمصارعٍ مغوار …. لا يخشى غضب الثور و لا الموت بضربةٍ من قرنيه … بل جل همي كان مراوغة ذلك الحيوان الشرس و استعراض مهارتي في تعذيبه …. و رغم أنني كنت أعي تماماً أن الموت يحيط بي من كل الجهات و أنا داخل الحلبة و أنني لا أقل شراسةً عن ذلك الحيوان … الا أن لحظات النصر كانت ممتعة ….. و ان تخضبت الساحة بلون الدم الأحمر فسيبقى هناك مكانٌ للورد و القبعات ….. خضت كثيراً من الجولات و انتصرت فيها و لم أعاني الا من بعض الخدوش و الكدمات … لكن قرن الثور لم ينل يوماً من جسدي أو من كرامتي …. حتى جاءت معركة الحسم…. أنا و ثور الليل …. وجهاً لوجه و حياةً مقابل حياة … و هو الثور الأشرس على الاطلاق و قد لقب بثور الليل لشدة سواده و عنفه ….. لكن ذلك لم يثبط من عزيمتي أبداً بل جعلني أكثر تعطشاً لمقارعته و النيل منه … حتى والدي العجوز لأول مرةٍ يطلب مني عدم خوض هذه الجولة قائلاً ان جدي الأكبر جاءه في الحلم و أخبره أن الأحمر سينتقم …. ضحكت كثيراً من هذيان والدي و أدركت أن زياراته المتكررة للعرافين و المشعوذين قد أثرت على تفكيره … فهولم يكتفِ بدس التعويذات تحت وسادتي أو بين ملابسي بل تعدى ذلك الى التمتمة بكلماتٍ غريبة كلما توجهت الى حلبة المصارعة … لكنه هذه المرة كان مرتعباً جداً بل أنني لم أره هكذا من قبل ….. الا أن كل ذلك لم يردعني و أصبحت مواجهة ثور الليل تمثل تحدياً كبيراً بالنسبة الي … و في اليوم الموعود … ارتديت حلتي المطرزة بالخيوط الذهبية و جهزت سيفي الأنيق …… و مضيت نحو قدري المجهول … بدأت طقوس الاحتفال باطلاق الثور من حظيرته ماراً عبر الشوارع و أحياناً عبر الأجساد البشرية التي تعترض طريقه كنوعٍ من اظهار القوة و الشجاعة حتى وصل الحلبة و كنت أنا بانتظاره …. تعالت أصوات الأبواق و بدأت أراقص قطعة القماش الحمراء في يدي بحركاتٍ ايقاعيةٍ رشيقة …. مستفزاً بذلك ثور الليل الأسود … لكنه لم يُسرع الى مهاجمتي كما توقعت …. بل ثبت في مكانه و رمقني بنظرة تحدٍ غريبة …. كيف لم أدرك من قبل أن الحيوانات لا تقلُ عنا ذكاءً و أن احساسها بدنو أجلها يكاد يفوق احساسنا … اذاً هي رقصة الموت الأخيرة … اما أن أظفر بنصري التاريخي و اما أن أموت هنا …. ازدادت حماستي و تعالت أصوات الجماهير المتعطشة للدماء و نجحت في استفزاز ذلك الثور العنيد و ما ان اقترب مني حتى باغته بالألتفاف حوله و تعالى قرع الطبول و تساقطت الورود حول الحلبة ….. و بعد أن ازداد غضب الثور و اشتعلت حماسته … أعلن نهاية الجولة الأولى …. و دخل الفرسان يمتطون الخيل …. يرتدون قمصاناً فضيةً براقة و قبعاتٍ بنية و بدؤوا يحومون حول الحلبة و بحركاتٍ رشيقة قاموا بغرس قصباتٍ ذات أشرطةٍ ملونة في جانب رأس الثور و على ظهره ….نزف الكثير من الدماء و تلونت الساحة بالأحمر و أضعفت عضلات رقبته فأرخت رأسه نحو الأرض استسلاماً لموتٍ محقق … خرج الفرسان من الحلبة و بقيت انا و ثور الليل …. نظر الي نظرةً تخلو من الاسترحام و لا تخلو من التحدي و رغم شدة الالم الا أنه لا يزال شرساً و سيقاومني حتى الرمق الأخير …. و ركض نحوي بكل ما تبقى لديه من قوة و بضربةٍ واحدةٍ غرزت سيفي في ظهره و أحكمت غرسه ليغوص في الأعماق و يصيب القلب و كم كنت أحسن التصويب … فسقط على الأرض مخضباً بالدماء و رغم ارتفاع أصوأت الجماهير الا أنني سمعت جسده و هو يرتطم بالأرض … كجبلٍ يهوي من على جبل …. تملكني الغرور و نشوة النصر زكمت أنفي عن رائحة الدم فلم أشتم من المكان الا رائحة الورد الملقى على الأرض ، و بينما كنت أحتفل فوجئت بضربةٍ قويةٍ من الخلف رفعتني عالياً الى السماء …….. كان الثور يعاني زفرات الموت الأخيرة الا أن ذلك لم يمنعه من الأنتقام و بآخر ما ادخره كبرياؤه من عزم ، باغتني بضربةٍ قوية برأسه حتى سقطت على رقبتي و آخر ما كنت أذكره نظرة النصر في عينيه ….. و بعد عدة ساعات استيقظت على فراشي … مستلقياً كجثةٍ بلا حراك …. مشلولاً بالكامل … لا أشعر بأطرافي …. يجلس والدي الى جانبي يتمتم بكلماتٍ غريبة …. بينما كان الطبيب يخبره أن كسراً شديداً قد أصاب عظام الرقبة و أنني سأعاني شللاً كاملاً بقية عمري ….. عرفت حينها أنني سابقى ممداً حتى أموت ذليلاً على فراشٍ عقيم …. لقد تمكنتُ من ثور الليل مرة …. لكنه تمكن مني ألف مرة …. و صدقت نبوءة جدي الأعظم ….. و انتقم الدم..
* عن موقع العراق اليوم

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *