كلشان البياتي: من أدب المقاومة العراقية
يوميات فتاة عراقية ..تقاوم العنوسة (3)

(3)  موت الأمهات ، احتلال الأوطان تنعش الإحساس بالعنوسة

احتمالان أحدهما لا يلغي الآخر، فإما أن والداتي شغوفة باقتناء المرايا وتستهويها زيادة أعدادها في البيت، وإما إني صرت أتحسسٌ من وجود ما يؤكد لي عنوسيتي، إنا اشعر بالعنوسة وهو شعور يصاحبني ليل نهار، فلا أحتاج إلى مرايا تنبهني أو تلميحات توقظني: أن العمر يمضي بشكل متسارع وعليّ أن ألحق القطار حتى قبل أن يجتاز المحطة الأخيرة.
أدرك حجم خطر العنوسة المحدق بي، لكني فاقدة الحيلة، الرجال يتسربلون من حولي ويتناثرون إلى مصائر مجهولة. هذا يقضي عقوبة الإرهاب في المعتقل، والآخر يلقي حتفه نتيجة الإرهاب، ورجل يختفي بسبب الإرهاب. ويذوب في قعر الكأس.
اقتنت أمي مرآة طويلة وزينت بها المدخل المؤدي إلى صالتي الاستقبال والجلوس وهي المرآة الرابعة من النوع الكبير وتعد المرآة العاشرة المتوزعة على الأماكن الرئيسية في البيت، صالة الاستقبال والجلوس وغرفتي وغرفة أمي التي أدخل إليها من أجل التنظيف وغرفة شقيقتي دنيا التي اعتادت على النوم وإنا مستلقية بجوارها أحكي لها حكايات الشاطر حسن والسندباد البحري والأميرة سندريلا ومغامرات توم مع جيري. وغرفة دنيا لوحدها تحوي مرآتين متوسطي الحجم.
ذهبت أمي ونسوة الحي لتقديم العزاء إلى ساجدة وأخواتها إيمان وقدرية لوفاة والداتهنّ بعد عمر ناهز الخامسة والثمانين. وساجدة أكبر إخوتها وأخواتها جاوز عمرها الخمسين سنة، بقيت عزباء وصارت عانسا قبل خمسة عشر عاماً وأخواتها إيمان وقدرية عازبات أيضا وعانسات. قدرية أنهت المرحلة الثانوية وتوظفت في مديرية التربية لكن ساجدة وإيمان ربات بيوت لم ينهين تعليمهن.
ساجدة تبكي بمرارة وإيمان تنتحب بحرقة، قالت ساجدة لأمي: أصبحن مثل الطير مكسور الجناح. اليوم بعد وفاة والدتي أشعرُ إني عانس بالفعل، عندما تموت الأمهات وتحتل الأوطان تشعر البنت منّا إنها عانس بالفعل، وتستيقظ لديها الحواس النائمة وتنتعش الشعور بوجود الشريك الآخر.

تنتحب إيمان وتقول: لقد كانت رحمة الله عليها شجرة وارفة الظلال نستظل تحتها وتقينا من شرور العنوسة. الإخوة علي وجاسم وسرمد متزوجون ويسكنون في بيوت مستقلة. تكتم ساجدة حزنها ولوعتها في قلبها وتحسس الآخرين إنها قوية وصلدة مثل الحديد لكنها أباحت بسرها إلى جارتنا فوزية وأسرت إنها مهزوزة وتشعر إنها بحاجة إلى من تستظل تحت جناحيه، تمصمص أصابع كفها ندماً إصبعاً بعد أصبع. وتردد دائماً: ظل رجل ولا ظل حيط!

يلوح لها سامي ابن الجيران في الخيال وتسترد صوته في رأسها: أريدك على سنة الله ورسوله ، فكري في الأمر. لم تفكر فرأسها يومها كان محشواً بفكرة واحدة أن كريم الابن العم سيتزوج من ابنة العم ساجدة، ابنة العم لابن العم. هذا الناموس الأزلي الذي حطمّ حياتها وجعلها عانسا طوال حياتها. أما كريم فقد أصبح جداً لخمسة أحفاد وحفيدات أربع.

يهاتفني راسم من السويد والعبرة تخنق صوته، اسأله إن كان فيروس أنفلونزا الإرهاب الموجود عندنا قد انتقل إلى السويد وجعل رجلاً مثل راسم يشهقُ بكاءً، يقول إن شقيقه مهند استشهد صباح اليوم. جندي أميركي أطلق عليه الرصاص فأردوهُ قتيلاً.

اسأل كيف وصل الجندي الأميركي لمهند فيبادرني راسم بالسؤال لا أعرف عنك ساذجة يا سُرى. هل بقي مكان في العراق لم يقتحمه الجندي الأميركي، مهند طالب في كلية الهندسة، خرج باكراً إلى كليته فتلقى رصاصة الجندي أميركي في صدره عندما كان يقود سيارته متجهاً نحو الجامعة. كان مهند يدير السوق التجاري مع شقيقه راسم قبل أن يهاجر إلى السويد متناوباً مع شقيقهم الآخر حيدر. يبكي راسم بحرقة ويقول لن أتمكن من تشييع مهند ولن أتمكن من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه.
مرّ كلام راسم من أذن وخرج من الآخر، وظل قلبي صامداً لم يهتز، العشرات مثل مهند يموتون اليوم في بغداد. أحتاج إلى عين تذرف الدمع لكل شهيد ومعتقل ومفقود ومصاب إصابات بالغة. لا أذكر من أخبرني وغرس في رأسي أن العانسات وبسبب فقدانهن للأمل في الزواج يصبحن باكيات ونائحات ويتعلمن فنون اللطم على أتفه الأمور.

كلشان البياتي
كاتبة وصحفية عراقية
27 سبتمبر/أيلول 2009
Golshanalbayaty2005@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

حيدر الحدراوي: الشعوذة والموروث الشعبي

توارثت الشعوب عادات وتقاليد اعتبروها بديهيات مسلم بها ، لا يحق لفرد نقدها او مناقشتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *