ابوطالب البوحيّة: شهوة اللحم

يستتر راضي عبدالنبي خلف أمه ، يجدها سور الوطن ، يعتنق فيها دين شجاعته ويبعد من خلالها خوفه الازلي ، إمرأة مثقلة بالسنين تحتوي ذكريات الأرض وعرسها المؤجل ، كانت تستمتع يوما بأغنيات وحيدة خليل وزهور حسين تلك الاصوات النسائية العراقية التي لم يجئ لها مثيل بعد ، حين ولدت ابناً بكراً تمنت ان يكون مطرباً لتصدح به الاذاعة التي كانت تصلها عبر جهاز عتيق اشترته من مردود عملها في الخياطة وقت لم يكن هناك مجلات للموضة او قنوات فضائية تختص بعروض الازياء ، كبر البكر وحملت بعده بأبناء ثلاث فارقوها لأنها لم توفي نذراً كانت قد قطعته في غفلة من الزمن القاتم ، حين اتم الله عليها مالا وفيرا اوفت النذر لتحمل من جديد وتلد بعدها فرحة راضي ذو السمرة الجنوبية الساحرة الذي اضحت امنيتها بأن يكون احد ابنائها مغنياً تلاحقه اين حل وذهب.

كان الهرب من الخدمة العسكرية وقت شب راضي خيانة عظمى لا تقبلها نواميس الانس والجن ، الحرب التي طالت ثمان سنين من عمره لم تبرء الناس من تبعاتها ولم تعطهم حلم الراحة والكفاية وشم نسيم السلام ، استشهد الابن البكر في معركة صغيرة كبر فيها دماء الابرياء عند الله ، بقيت الام تندب يومها وتنظر في راضي بقية وهجها الذي لم ينطفئ وهي اليوم امام امتحان صعب ، الابواب الصدئة تُقرع بقوة فالسلطات تبحث عن الهاربين من الخدمة في الجيش المنهك ، خوفها على راضي في ان يحل به ما حل لأخيه البكر جعلها تخفيه بضآلة جسدها ونحالة روحها خلف ظهرها ، كانت تقول له دوما حين يطُرق بابها ان عزرائيل لن يراك وانت خلفي ، عزرائيل لا يقترب من جنتي ، لم يأمرة الله بدخول الجنة وكما قالت كأن شيئاً ما يبعدهم رغم تأكيد الوشاة.
حين تخف الحملات على شارعه الغارق بوحول الامطار ينطلق راضي صباحاً باحثاً عن ما يسد جوعه وجوع جنته ومكمن حمايته ، عمل يوماً نجاراً فخسر اصبعه وجرب العمل في البنيان ملّته المساطر وكرهه (الأسطوات) لأنه لم يجد عمل معهم سوى الغناء وكلما طرب له العاملون الأخر تركوا اعمالهم وانصرفوا نحوه سامعين مما اغاض عليه ذلك الوقت ارباب العمل، كان حبهُ لأمهِ طاقة لا تنتهي وعجلة لا تتوقف امام فشل الايام وكدرها لم تود يوما ان يجلب لها المال ، بقيت حاجتها لسماع صوته في الاذاعة مطلب يفوق الاحتياجات الصغيرة والكبيرة التي كانت تتدبرها من هنا وهناك ، وبقي طريقه الطويل دون بداية حتى التقى في احدى مقاهي العاصمة بسائق يعمل في نقل الفرق الموسيقية الشعبية لأماكن الاعراس والافراح التي تحيها هذه الفرق ، ساعتها قال له:

–    انك تدندن بسحرية ولوعة واضحة ، لما لا تعمل مطربا ، تسهر حتى الصباح تسكر وتعربد وتأكل من طيبات ما يطبخ وتنام الصبح حيث لا تقتفي عينيك المقاهي وجلساتها المملة.

–    دُلني ، تعبت من التدوير والبحث استكبرت عليّ وجوه وضحكت بملئ فمها وجوه واكتفت وجوه اخرى بالاطناب والصمت.

لم يشعر ان حلمه حينها بدأ يتقدم نحو الحقيقة بقوة فالعنوان الذي كتب له (شارع فلسطين – مكتب علاء لاحياء كافة المناسبات – الفنان علاء الهاوي) كان محط سعده وسبب انطلاقه هرعاً صوب بيتهم وأمه ، قال لها وهو يهم بأستبدال ملابسه المصفرة من اشعة الشمس والبالية من القدامة :

–         انها دعواتكِ ، وقوفك الطويل امام السماء ، حرج أذنك الدائم ، كلها تقّرب من نجوميتي.

عند العنوان المكتوب على ورق علبة السكائر يقف خجولاً محتاراً من اين يبداً السؤال واي الاجابات تلزم كي تدعه يدخل مزهواً عالم الغناء امام الجمهور اي كان ذلك الجمهور درجة ثالثة او ثانية فالبداية لا تعني النهاية حتماً.

بحار بينه وبين عتبة المكتب ، حز حزام البنطال على خاصرته بحركة رفعته الى منتصف بطنه الفارغة ، نسي ان يغلق السحاب فقد فتحه حين تبول في احدى المقاهي القريبة من العنوان المنشود ، استدار نحو الشارع العريض وهو يشاهد بنظرة عامة كل من يتحرك الحافلات ، الدراجات الهوائية ، الاطفال ، الرجال ، النساء ، بعض الحيوانات، قطط ، طيور ، احياء اخرى مثل الاشجار ، المحلات التجارية ، ستوديو للتصوير ، بعض من الاعلانات التجارية ، اعمدة الكهرباء والاسلاك الممتدة منها نحو صندوق نحاسي كبير نسبياً يدعى (المحوّل) ، كل هذه المشاهد يحاول راضي من خلال استيعابها ان يكّون طاقة خفية يتصورها ملائكة خلفه تدعو له وتسهل من أمره.

انه امام مكتب مغمور لاحياء الحفلات والمناسبات بالفرق الموسيقية الغنائية ، ليس امام السجادة الحمراء لمهرجان كان ، او عند مدخل المسرح الاوبرالي لمهرجان القاهرة السينمائي او فوق حجرة أثرية في قرطاج !!.

استقر الحال وانكشف المستقبل وأضحت العبارات التي يسمعها في طريق العودة مواكب لزفافه الأخير ومراكب ارتحال نحو مربع الهجوم ، التستر خوفاً من الشرطة العسكرية لم يعد يدخل حيز تفكيره ، عند مسافة من صور عبدالحليم حافظ التي كان يعلقها على جدران منزله القابع في اطراف المدينة بدأ يفكر بالكتابة وحين امسك بقوة على قلم للتخطيط كان قد نسيه احد اصدقاءه ، مس احد الجدران ثم اتكئ بميلان قليل نحو الصورة امامه تقدمت يده اليسرى لتحط ابرة القلم على ورقة الصورة تذكر كيف يخط الحروف ، حاول ان تكون مفهومة ، حتماً ستقرأ ذات يوم ، بدت تتسلل جمل طويلة خاف انه يحطها كي لا تصبح (جريدة) كما تصوّر ، كتب اخيراً بلهجة شعبية (الا اصير احسن منك) كأن رساله حاول ان ينقلها راضي من بغداد الى القاهرة حيث مثوى عندليب العرب الاسمر عبدالحليم ، انه يحاول ان يتحدى بل بدا للجميع انه اصر على التحدي.

في غفلة من أمه التي كانت تغفو الظهيرة الساخنة ، اتصال على رقم جيرانه ابلغه بضرورة الحضور سريعاً لحفل عند ضفة المدينة الاخرى ، استعجل اللباس كان عطشاً، مسكه احد الاصدقاء في الطريق سأله عن سبب استعجاله ، لم يعره اهمية ولم يجب ، استغرب الصديق وظن ان ملاحقة خلفه من دائن او مشاكس او من سلطة دولة ، ضحك الصديق كثيراً بعد ان توارد على باله انه من الممكن يجد راضي هارب من قضاء السماء !!.

عند اكتمال نصاب الفرقة الموسيقية التي عُهدت اليه قيادتها ، في ذلك البيت الغارق بالعرق والشواء والرز المطبوخ بماء الفرات ، رائحة العنبر تفوح ، تتداخل معها رائحة الينسون الخارجة من زجاجات العرق، انها المرة الاولى التي يجتمع فيها مع اللحم والخمر ، ادركه الجوع والعطش ، لبى دعوة لأحد افراد البيت قبل ان يبدأ مع فرقته بالعزف والغناء ، تثاقل اول الامر في شرب قدح باردة مليئة بسائل حليبي اللون وجد ان الجميع يشربه دون منازع داخلي او خارجي ، امتلىء جوفه باربع اقداح ، سيطر على عقله ذلك اللحم المتهشم في القدر الكبير ، اعلن جوعه الازلي نسي الحفل ونسي الغناء لم يعد يذكر انه في تحدي كبير ، أمتنع عن الغناء حتى ينتهي من الاكل مع كل ملعقة رشفة من العرق المكسور بالماء ، هكذا بدا لمن أمامه ، احمر الوجنات منتفخ البطن عيونه تغور في سر الدنيا ، انطرح على الارض قام بعدها مستجمعاً قواه ، الكحول تشبُ في معدته المحرومة ، اصابعه لا تقوى على حمل المايكرفون ، فوق المنصة المخصصة زعيق الاطفال، النساء التي اتخذت من اسيجة البيوت غطاء محكم ، بعض الصبايا لم تنزل من السطوح كانت المشاهدة من فوق تعطي طابع يختلف عن ما سيشعرن به وهن على ارتفاع واحد مع الآخرين ، كل هذه الزوايا شكلت منظراً عجيباً وغير مألوف لدى راضي ، انهكه الوقوف صامتاً والجميع في حديث عال حتى الالات الموسيقية كان لها نصيباً في ذلك الصوت الذي يقضي مضاجع هدوئه وسكينته الداخلية ، تماسك قليلاً حاول البدء بتحية الحاضرين حين فتح فمه سمع الناس صوت راضي وهو يلعن خاصرته ليُشاهد بعدهها مرمياً على الارض فالزائر السماوي القابض على الارواح كان معه منذ برهة وانهى معه مراسيم الاختفاء الاخير.

راضي ينقل الى بيته جثة هامدة ، شهيد لفن الجوع والعري وشبح السجن وأمنية الأم النائمة.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *