الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » محبرة الخليقة (47) : تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

محبرة الخليقة (47) : تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein 7د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .
وهنا تتجلى أهميّة “العلاقات” في شعر الشاعر ، فالعلاقات هي التي تحكم مكوّنات الصورة لدى جوزف حرب في جانب كبير منها ، وهذه العلاقات ومن ثم الصورة ، حركيّة بطبيعتها ، وتُسخّر للتعبير عن “الفكرة” أو المعنى . وهذه الفكرة ليست نظرية أو فرضية تجريدية مسبقة بل هي جنين مكوّنات تصل بين أجزائه العلاقات الحيوية الحية والدينامية . إنها فكرة أرواح .. وحركة أرواح .. متمظهرة في صور ملوّنة تحكم مكوّناتها العلاقات الأرواحية المتبادلة .
وتتضح هذه الفرضية التي طرحناها في كل النصوص السابقة التي حللناها ، مثلما تتبيّن بجلاء في النص اللاحق “عريس الماء” الذي يأتي في صورة حكاية تؤكّد سمة أسلوبية أخرى تميّز نصوص جوزف حرب وهي “السمة السردية” . فوجودنا كلّه بالنسبة لجوزف حرب هو “حكاية” أو “فكرة” حكاية ، وعلى الشاعر أن ينقل معناها / صورها / ألوان حركاتها إلى المتلقي . والروح السردية هذه حافظت بصورة مباشرة أو غير مباشرة على وحدة نصوص الشاعر وتماسكها ، فصرنا نتلقاها محكمة السبك وبأقل قدر من “الثغرات” والإنتقالات المفاجأة غير المبرّرة ، فعليه أن “يتسلسل” في تصوير حكاية المعنى . في “عريس الماء” “يحكي” لنا الشاعر حكاية مواقعة جنسية هي ليست كالمواقعات التي نعرف عنها بين الذكر والأنثى . الذكر هنا القمر الفضّي ، والأنثى هي “بنت” يُفرك جسدها العاري بنبت الحقل الذي دقّ ليلاً فأخذ لون الليل الأسود ، وعُجن بالزيتِ كي يلمع أو يتوقّد . فهي إذن تُفرك بروح الليل أو بـ “الأسود” كروح وحركة ، ثم تُغمر بماء النهر لـ “تحضيرها” حيث يموجُ القمر الفضي بماء النهر كروح من ضوء . تتلوى البنت وتترنح .. تتراقص .. ثم تتفتح :
( كتويجاتٍ سودٍ فضيّات . تشتعلُ
الشهوةُ فيها ،
تنضحْ ،
في إغراقةِ عينٍ
تنضح .
تسكنُ فوق الماءِ على الظهرِ ،
وتفتحُ فخذيها . تتغلغلُ من بينهما في الماءِ
روائحَ
ندٍّ ،
أو
وردْ ،
يشتمُّ القمرُ الفضيُّ الوردَ ،
فيدخلها ، ثمّ يصيرُ
هلالةَ
نهدْ . – ص 1190 و1191) .
الله يا جوزف حرب .. الله .. الله . كم أفسد العلم اسطورة الخليقة التي وضعها الله ، مثلما افسد علماء الأسطورة أسطورة التكوين الأولى . الشاعر هو الوحيد الذي يفهم الإنسان بالإنسان فيكشف وجهه الحقيقي الفعلي .. و”أسرار” عملياته الحيوية الداخلية الغريبة العجيبة ليكذّب كل أطروحات بعض الفلاسفة والعلماء “التافهين” . فمهما جئتني باي نظرية بيولوجية معقّدة ومدعومة بالدلائل .. فلن أصدق أبداً – ولو صدقتُ سيكون تصديقي علامة على خفّة عقلي – أنّ مادة الدماغ اللحمية والبروتينية وبجيناتها الهائلة الموروثة قرّرت أن يكون نهد المرأة بهذه الإستدارة المبهجة الملمومة المتكاملة مع ذاتها .. وبهذه الحلمة الطريّة المشتهاة .. تدويرة النهد الهلالية المباركة العظيمة لا بدّ أن يكون المسؤول عن تصويرها “قمر” لا يفهم معنى وأهمية “الدائرة” ككمال وثراء وكفاية حسب ، بل يدرك معنى وأهمية حركة هلالها في النمو والتفتّح الضروري للحياة . صحيح أن الذكر يواقع الأنثى ، والحيمن يلقح البويضة ثم تبدأ مسيرة انقسامات طويلة تنفذه “الكروموسومات” لكنها لا يمكن أن تفهم معنى الجمال وحركاته والوانه .. jozef harb 3وعلاقاته . وحتى لو وصل العلماء إلى كشف سرّ تدويرة النهد بأنه مخطط جيني ماهر .. فأنا لا أحبّ أن اسمع ذلك لأنه سوف يُفسد “سرّ” نهد حبيبتي الذي يخبلني .. ولهذا يهمني أن اسمع “نظرية” جوزف حرب في “الخلق القمري للنهد” . مثلما يعجبني أن أسمع “نظريّته” في ولادة الشمس التي جعلها تولد من زنجية هذا الليل الحبلى (مقطوعة “طفلة الياقوت” – ص 1192) . مثلما أبهرتني فكرته عن كيفيّة “ولادة الشجرة” من ترابٍ أحرقه العطش واليباس بفعل الشمس التي شقّقت جسده وفتّته وأحالته رماداً – وهذه ليست خطيئة من خطايا الشمس بل ناتج عرضي عن ضرورتها . هذه الضرورة وفق “نظرية العلاقات” الجوزيفية التي تحدّثنا عنها ، يحفّز أذاها العرضي غير المقصود بحكم “وظيفتها” و”بنيتها” – هناك من يجعلها رمزاً للعدم ، وهنا أؤكد على “المرونة الرمزية” – عاملاً آخر / حركة أخرى ، في الكون ، ليشتغل ويثبت ضرورته ، هو الآن فعل الغمام الذي سيرقص ويتمايل كالسحرة ، وفعل السحرة مطلوب لأن سقوط الماء لا يكفي لولادة شجرة إلّا في الفيزياء – فينهلّ الماء لينعش روح التراب الموشكة على الموت .. و .. “تولد الشجرة” :
( وأنا المدعوُّ في الأرضِ تراباً .
لم يعدْ فيَّ تُرابٌ . ضاعَ منّي . وأنادي ،
وأنادي :
يا
تُرابُ
يا
ترابُ
يا
ترابُ .
وتهاويتُ .
وروحي بدأتْ تصعدُ منّي . إنّني
في الموتِ .
لكنْ ،
طافَ بي صوتُ غماماتٍ تمايلنَ
حواليّ كرقصِ
السحرهْ ،
وإذا بالماءِ ينهلُّ ، وروحيْ تحتهُ
تصعدُ منّيْ
شجرهْ . – ص 1194 و1195) .
وفي ضوء هذا “المنهج” في الخلق ، فكرة وحركة وصورة وعلاقات ، وفي ضوء حاجة الكون لدور الشاعر الذي يعيد تركيب الأجنحة للكائنات التي قطعها منها الغيب الدكتاتور ، و لجم حركتها القهر ، أو ثقلت وضمرت بفعل الإكتئاب والحزن وعدم شعورنا بالحاجة للتحليق أو القدرة عليه . في ضوء هذا المنهج يعود الشاعر ، ليس إلى مراجعة حال الكون والكيفية التي يُعتِق موجوداته فيه من أسرها ، بل إلى مراجعة مواقفه هو نفسه ، المواقف التي عبّر عنها في نصوصه السابقة ، وخصوصا في موقفه من محنة الجسد البشري عموما ، وجسده الشخصي خصوصاً . فقد كان جسده سابقاً موضوع مرثية طويلة .. وطويلة جدا .. رثاه وهو حيّ مُستلَب ومُهمل على هامش الحياة بلا فعل مؤثر ، وأعلن دهشته الناقمة مراراً لأن الجميع يحارب هذا الجسد ، ويريد التخلّص منه كنفاية ، حتى “الآب” الأقنوم الأول كان يشمئز منه ، وتخلّى عنه الإله الإبن على جذع الصليب . كانت وقفاته تلك “سلبية” الطابع ، أمّا الآن فقد انتفض الشاعر .. انتفض وفرش جناحيه وحلّق ، ولم يعد يقنع بالرثاء أو الفرجة . حانت الآن لحظة الفعل الإيجابي . وها هو يحيي جسده وقتاله الشجاع في سبيل استعادة مُلكه المضاع ؛ المُلك الذي سلبه الغيب والقانون والآلات والأرقام . لقد حاصروه من كل جانب ، والشاعر يحييه الآن ، وهو يقاوم بسيفه اللامع ، ويصوّره ببراعة وهو يقف وقفة فارس شجاع خرج مدمىً وتوّاً من غمار المعركة ولهيبها . ولأن الشاعر عمد الآن إلى “استراتيجية” الأجنحة حيث الإنعتاق والتحليق ، فهو يدعو جسده إلى أن يفرد جناحيه ، وينطلق بعيداً وعالياً .. عالياً جداً :
((…)
سيفكَ
لامعُ ،
وعليكَ وهجُ دماكَ
صبحٌ ساطعُ .
أطلقْ سراحً جناحكَ المأسورِ ممتلئاً
برائحةٍ لها شمسُ بغيرِ مساً ،
وأفقٌ واسعُ .
لا شيءَ هذا الكونُ إنْ
تحيا
ومُلككَ ضائعُ . – ص 1196 و1197) (نصّ “المُلك الضائع”).
kh jozef 3ثمّ يأتي التحوّل الجذري المضاف صارخاً وتحرّشيّاً وجسوراً . يبدأ بفضح المجازر التي اقترفها أعداؤه والمحارق التي أشعلوها . والأهم أن يسمّي أعداءه بأسمائهم بلا لفّ أو دوران وتحت أي الذرائع . والمشكلة أن الإستقبال العصابي لموضوعة الحداثة في الشعر في نسختها الغربية جعلت النصوص وتحت أغطية وذرائع مثل إلغاء النزعة البشرية والعدم واللغة والإشراق وكيمياء اللغة واللاواقعية الحسّية وغيرها صار الشاعر العربي يتعفف عن ذكر المسمّيات القاطعة التي تحدّد هويّة المخاطر الإجتماعية والثقافية بصورة حادة لا تقبل اللبس . صار الشاعر الذي “يُسمّي” مصنّفاً خارج إطار حركة الحداثة . ولم نعد نعرف ما هو الخطر الذي يقصده الشاعر ويريد أن ينبهنا إليه لنتهيّأ لمواجهته : هل هو التنين أم العنقاء الحمراء أم المنطور اليوناني ؟ صارت القصائد يمكن أن تركبّها على أي خطر فعلي أو متوهّم ، وعلى اي عدو واقعي أو خيالي ، وهذا يسلب من القصيدة جانبها الإنساني عموماً والمحلّي خصوصاً . أنا أقرأ قصيدة “الأرض اليباب” أو “الخراب” فأشعر أنّ كل المخاطر والإحباطات والتداعيات الوجودية هي هموم لإنسان غربي بموروث أغريقي لا تعنيني في شيء . وهي قصيدة عظيمة بالنسبة لمن يراها من النقاد الغربيين والعرب ، وليس بالنسبة لي . وأعتقد أن اتجاه الشعراء العرب نحو “التعمية” وعدم تشخيص أعدائهم بوضوح في الوقت الذي يشخصّهم أعداؤهم بكل وضوح هو إما من نتائج الفهم السيّْ لفكرة الحداثة أو بسبب قصور فهم الدور الإجتماعي الإنساني بل النضالي الملقى على عاتقهم أو بسبب الجبن الفاضح أمام المال أو البطش .
# تنبيه مهم :
من هنا ، فإن كل إشارة مقبلة إلى “الدين” المقصود بها هو الدين القامع للإنسان والسالب لحريّته ، والمتحالف مع السلاطين والجلادين والطغاة ، والمبرّر لفسادهم ورذائلهم ، وليس الدين الحقيقي كحاجة روحية متأصّلة في أعماق الإنسان وفطرته كما نؤمن جميعاً .
وقفة مع رسول حمزاتوف : الشاعر يجب أن لا يخاف من الكلاب :
في كتابه الرائع ” داغستان بلدي ” يقول رسول حمزاتوف أن أباه وكان شاعراً معروفاً – لكي ينمي موهبته الشعرية ، أرسله وهو طفل إلى قرية مجاورة ليلتقي بشيخ شاعر يحفظ آلاف الأبيات . وعندما عاد في اليوم التالي في طريق سهوب شاسعة هجمت عليه كلاب الرعاة الضخمة الشرسة لتفتك به ، صاح الرعاة على رسول بأن يضطجع على الأرض ، ويتظاهر بالموت إلى أن يصلوا وينقذوه ، ففعل .. وصل الرعاة وطردوا كلابهم .. يقول حمزاتوف : ( أمسك أحد الرعاة بياقتي وأوقفني على قدمي وسألني : ما الذي تفعله في هذه المنطقة الخطيرة ؟ فقلت له : أنا عائد إلى قريتي بعد أن بتّ في بيت الشيخ الشاعر ، فسألني : وما الذي تبغيه من مبيتك في بيت الشيخ الشاعر ؟ فأجبته : أريد أن أصير شاعرا .. هنا – والكلام لحمزاتوف – ألقاني الراعي باستهانة وقال لزملائه ضاحكا : هه .. هه .. يريد أن يكون شاعرا ويخاف من الكلاب !!) (85).
وجوزف حرب لا يخشى الكلاب من أيّ جنس وصنف . وهو يسمّي الأعداء بمسميّاتهم الواضحة القاطعة من كهّان وقسس وقادة حروب وقضاة وملوك وشيوخ وتجّار . وقبل قليل شنّ حملته المقدّسة ضد سلطة “الغيب” التي صادرت حرّية الإنسان وبراءته ، والأهم أنها عطّلت عقله . وها هو الآن – وبلا تردّد – يسمّي الخطر الداهم الذي يوازي حتى خطر الصهيونية على الحياة العربية ، وهو خطر “الدين” ، ويصوّر مشهد محرقة رمزيّة لكن مضامينها فعليّة . هي محرقة للكتب أكثر شراسة وعدواناً من محرقة الكتب التي تخيّلها “ري برادبري” في روايته الشهيرة “درجة 451 فهرنهايت” . والدين – أيّ دين – خطير على الكتاب لأن لديه “كتاب” يعتبره خلاصة الكتب وولي أمرها ، ولا حاجة لأي كتاب من بعده . فبعد أن غرس الدين رماحه في روح الحكيم والشاعر والكاتب ، أحرق الكتب ، وجلس يتدفأ على نيران أرواحها من حدْس وخيال وحقائق بيض :
( كانتْ روائحُ الخيالِ ، الحدْسِ ، والحقيقةِ
البيضاءِ ، والرؤى ، تفوحُ مثلَ الدمعِ في
أشرعة الغيابْ ،
والدينُ جالسٌ أمامها
كخالقٍ منَ الخرابْ ،
يُسكرهُ الذي تراهُ روحهُ السوداءَ
منْ
محرقةِ الكتابْ . – ص 1199) (نصّ “المحرقة”) .
إنّ هذا الحقد على الكتاب هو حقد على الحياة والحب والأمل والطفولة وكلّ “أبيض” في الوجود . ولهذا يصرّ الشاعر على أن يكتب .. وعلى أن يذكر المحبرة والريشة والممحاة في أغلب النصوص . ولا نعلم لمَ يحقد ممثلوا الدين على الكتاب والرؤى والحدس والخيال ماداموا يكرّرون “كان ليل وصباح” – كما يقولون في أغلب كتبهم – ، والتي يكملها الشاعر بعد أن اقرّ بـ “المقدّمة” بالقول : (وانتهتْ في راحة التكوينِ من هندسةِ الطينِ الرياحُ) (ص 1200) . فكيف لا يخشون ، والشاعر قد غيّر كل معالم قصّة الخلق ؟ هذا ما تفعله الكتب ! فقد جعل الشاعر مكان الخلق متخيّلاً وتجريدياً هو راحة التكوين التي لا وجود لها إلا في لعب اللغة الشعري ، وجعل الخالق هو الرياح التي تصمّم شكل الطين الذي خُلق منه الإنسان الأول . وهذه الكتب محيّرة وماكرة ، فالشاعر يدّعي الآن أنه لا يفكّر في إعادة خلق الأشياء مطلقاً ، فكل شيء قد تمّ خلقه ، ناسياً أنه – وفي البيتين السابقين – قد قوّض قصة الخلق القديمة ، ورسم لنا معالم قصّة خلق جديدة . وحين يقترح الشاعر فكرة أنّ ما تحتاجه الأشياء هو أفقٌ وجناح ، فمعنى ذلك أن الاشياء كانت في معضلة سكونها وكمون أرواحها ، وأنها بحاجة إلى الإنطلاق والإنفلات في الآفاق . وهذا يعني أنها كانت على حافة العدم . إن الشعر يقترح الحلقة المفقودة كي تتحرّك الخليقة من “عماء” سكونها :
( لن أعيدَ الخلقَ . وهمٌ أن نعيدَ
الخلقَ . لا شيءَ ولم يُخلقْ . وما ليسَ بمخلوقٍ
فلنْ يُخلقَ يوماً .
كلُّ ما تحتاجه الأشياءُ
أفقٌ ،
وجناحْ . – ص 1201 ) .
وكل ما قاله الشاعر هو اثر من حبر محبرته .. لا يخيف ولا يغيّر مما قد خُلق . ولكنّه يخيف أولوا الدين لأنّه يخلخل ويجرّىء ويشغّل القدرة على التخييل والحلم عند البشر .. وهذه مسألة في غاية الخطورة لمن يكرهون الكتب . فالإنسان الحقيقي هو حيوان يحلم . وحين يخلوا الإنسان بذاته ، ويحلم ، صاحياً أو نائماً ، فإن مخيّلته ستجترح المعجزات ، وسوف تتجاسر على وضع قصص ، لا قصة واحدة للخليقة . وسيكون أنموذجه في هذا “الشاعر” – شيطان المخيّلة – الذي يغمض عينيه الآن فيبدأ باستلام إشارات العالم في بدءه الجنيني الفج . حتى سمعه يصبح أكثر حدّة فيلتقط أصواتاً لا يمكن أن تلتقطها غير أذن المخيلة ، وهي أذنٌ في الروح لا في الرأس . يسمع أصوات صلاةٍ اولى لا تشبهها كل الصلوات التي نؤدّيها في واجباتنا الدينية . ويسمع موسيقى غريبة ، وإيقاعاتٍ شبقية هي في الواقع إيقاعات الجماعات الأبدية في الطبيعة بين المطر والأرض ، وإيقاعات طلق الولادات الخصبية اللانهائية .
إن الشاعر حين يغمض عينيه فإنه في الواقع ينسحب إلى ذاته مكتفياً بها ، ومتعالياً حتى لو كان في سريره ، لأنه – وهو يغمض عينيه وينشّط مخيلته الباطنية – يكون قد دخل في أعماق لحظة الخلق الشعري ؛ اللحظة التي تجعله شفافاً فائق الحساسية ، ويلغي أطروحة جنّيات الشعر وملائكته ، فالإلهام ينبعث من داخله ، وهو إلهام كوني يستوعبه الشاعر في ذاته الصغيرة التي تتسع في عزلتها لتحتضن الطبيعة والإنسان وسقطة الحصاة المكتومة على سطح الماء الساكن . وكل هذا هو قصّة خلق صغيرة تجري كلّما شغّل الشاعر مخيلته وتلبسته لحظة الخلق الشعري ، فيثير بذلك حسد الآلهة ونقمة وكلائهم على محبرته وكتابه :
( ألمحُ بدءَ البدءِ خلالَ
صعود
الأصواتْ
منْ أعماقي الملأى برفيفِ
الأجنحة البيضاءِ
لروحِ
الأمواتْ . – ص 1205) (نصّ “أصوات”) .
ولا يثير الشاعر حسد الآلهة ووكلائها المكفهرّين بسبب لحظات انسحابه إلى عزلة خلقه الشعري ، وخلوته التي يُصمّم فيها أكوانه وخليقته ، ويمرح – الآلهة لا تعرف المرح – معها حسب ، بل في فهمه الفريد والفذّ الذي لم يطرق مسالكه أحد لمعاني عمليات التكوين الجزئية . ووكلاء الدين يخافون التجديد . والآلهة نفسها يُرعبها كلّ جديد ، وكان أول “جديد” هو السلوك العصياني لإبليس الشاعر الذي قلب مسار قصّة الخليقة والكون والحياة كما سنرى في قسم “الناقد” . وخطورة الشاعر هي في فهمه الجديد والمتجدّد للظواهر . فصحيح أن كلّ شيء قد خُلق ، وأنّ ما لم يُخلق لن يُخلق في المستقبل أبداً ، لكن “فهم” تفاعلات وانفعالات وسلوكيات ما هو مخلوق هي التي تخيف وكلاء الغيب والدين وبعض الفلاسفة والعلماء “التافهين” . فـ “علماء” الغيب ووكلاء كتاب الدين يقولون أنّ الأرض وما عليها خلقتها إرادة الآلهة في أيام واستراحت . امّا الفلاسفة فيفتّشون عن “المطلق” الكامن وراء هذه الأرض والحكمة منها وعلاقة الإنسان بها ، أما علماء الطبيعة فيرونها صخوراً وتراباً ونباتٍ يُدرس ويُحلل لاستخلاص قوانين حركته ونموّه . ولا يوجد رأي آخر خارج دائرة آراء هؤلاء . يأتي الشاعر فيطرح رؤيا ، لا فكرة أو رأياً . رؤيا تفسيريّة مشتقة من رؤيا “محبرته” التي تفرض عليه نظرة جديدة تكوينية حيوية للعالم . فهو يرى أن الأرض كانت في البدء أوراقاً لم يكتب عليها الله أي شيء ، ثم ابتكر الله لغة الأعشاب لتكون أول أبجديّة تُكتب بها كل “الموضوعات” على أوراق الأرض ، فصارت الأرض كتاب الله (فلماذا يخشون الكتاب ؟) ، وبذلك يكون الله أقرب للشاعر منه للمطلق المتعالي المعذّب المنشغل بإصدار الأحكام الجنائية ، وتصبح عملية الخلق أشبه بكتابة قصيدة منها عمليّة حدادة كونية :
( كانتْ حقولُ الأرضِ أوراقاً ،
وكانَ اللهُ لمْ يكتبْ عليها لغةً بعدُ
نديّهْ ،
فأوجدَ الأعشابَ فيها
أبجديهْ . – ص 1207) .
وحين تسأل أهل الذكر عن معنى حركة الأمواج فإنهم يلجمون تفكيرك بأطروحة أنها خُلقت هكذا أو أن علمها عند الغيب ، وسيقول لك العلماء أنها تيارات ترتبط بتغيّرات الحرارة .. إلخ . أمّا الشاعر فيقول :
( ليسَ الموجُ المتلوّي
الدفّاقْ
إلّا شكلَ الحركاتِ متى الأعماقُ
تضاجعُ في البحرِ
الأعماقْ . – ص 1208) (مقطوعة “الموج”)
وهي ليست عودة للخرافة ، بل هي طريقة في التفكير وعلم يفرضه لاشعور الإنسان الذي يختلف منطقه عن منطق شعوره .. واللاشعور إذا أكره عمى ، وحين يعمى من الكبت والقمع تستفحل غرائزه العدوانية المبيّتة وتنفلت أو تنسرب عن كل طريق ، ويُسخّر حتى الشعور لها من دون علمه . إن الشعر سابق للعلم ، وكان الشلعر هو عالِم المجتمع البشري ، وهو الذي كتب أساطير تفسيره . وحين ينظر الشاعر إلى حركة الموج المتلوي الدفّاق كنتيجة لمضاجعة الأعماق الداخلية للبحر وكأنها “بنات” البحر ، فهي الصورة الأقرب إلى إنسانيتنا ، وطبيعة المادة التي جبلنا منها ، ونفخة روح الله التي أحيت أعماقنا واستقرت فيها . أما قوانين الحرارة والتيارات فهي لشحمة عقولنا ، ولا يوجد لدينا اعتراض على ذلك .
لكن يبقى الموت امتياز الله . وفي ظل ثورة الإستنساخ الوراثي قلّت مهابة الآلهة ، وأطيح – حسب الإرتباط التمثيلي النفسي – بمهابة الذكورة . فقد أصبح العلماء يلقّحون بويضة المرأة من خزعة جلد من فخذها أو ثديها أو أذنها . لا حاجة لعجرفة الحيمن ونذالاته بعد الآن . هكذا هتفت النساء فرحات . صحيح أنّ في هذه الثورة إعادة فظيعة لتأكيد ألوهة الأنوثة كما صوّرتها الأساطير التي تعرضنا لها سابقاً ، لكن فيها إفساداً علمياً مضافاً للحياة الإنسانية .
ولكن ظلّ الموت هو لغز الأغاز والسرّ المرعب الذي لا يقدر على حلّه أحد .. لا شاعر ولا عالم .. بل ولا عالم غيب .. هو غيب الغيوب .. وهو المعلّم الذي يقرص آذاننا بين وقت وآخر لنفرغ صدورنا من هواء النرجسية ، وننحني قليلا امام إرادة المدبّر الأكبر . وفي ختام كل حكاية كانت سيّدة الحكّائين تقول لشهريار الطاغية : ثم جاء هادم اللذات ومفرّق الجماعات . أفضال الموت على الحياة لا تحصر ، ولا أفضال للحياة على الموت . الموت هو “مرض” الحياة المزمن الذي لا شفاء منه إلّا بالموت نفسه . وجوزف حرب يدرك ذلك ، بل هو مصاب به . وفي كل قسم يحضر هادم اللذات ومفرّق الجماعات في النصوص ، في متنها ، في عناوينها ، أمامها وخلفها ، فوقها وتحتها ، في وعيها ولاوعيها . إنه يجري في عروقها وعروق صاحبها . وها هو يحضر ملثماً بردائه الأسود وخنجره المسموم خلف ظهره في هذا القسم الذي استبشرنا بنصوصه وعنوانه “الأبيض” :
( أتوا جميعاً .
حينَ راحوا .
ما تركوا إلّا وصايا ندمٍ ،
وما روتْ سيرتهمْ
إلّا الرياحُ . – ص 1209) (نصّ “حين راحوا”) .
ولو عدتَ إلى الأقسام السابقة التي حلّلنا نصوصها لوجدت الكثير من النصوص التي يتساءل فيها جوزف “عنهم” ، وأين راحوا ، ومن أين أتوا ، وكيف مضوا بصمت وبلا أدنى أثر . وبعد أن كانت النصوص محلّقة أنبت لها الشاعر أجنحة جعلتها تعلو خفّاقة ، فأنبتت لنفوسنا أجنحة جعلت حتى الناقد يحسد قمر الشاعر الفضّي ، عريس الماء ، ها هي الحيرة تعود أقوى وأمضى ، حيرة الشاعر المعتمة أمام ماضيه ومستقبله ، أمام ما يعرفه وهو قليل ، وما لا يعرفه وهو الأكثر وكلّه حزين وبلا جدوى . وكأن الشاعر يعود بنا – بعد أن ورّطنا – ليسلّم بسلطان الغيب ، ويقرّ بعجزه أمام تلك القدرة المطلقة التي قذفته في قلب العالم المظلم وحيداً مع قمره الأسود :
( غامضٌ قبليْ
كبعديْ .
ما الذي قد صارَ يا أمسُ ؟
ضئيلٌ كلُّ ما أعرفهُ . أمّا الذي أعرفهُ فهو حزينٌ ،
غيرُ مجدِ .
ايّها الموتى ، ومَنْ سوف يموتونَ
غداً ، لا شيء إلّا قمرٌ اسودُ
عنديْ .
رغمَ أنّ الكلّ بي مثل وريقاتٍ
تجمعنَ معاً في
زرّ وردِ ،
آهِ
كمْ أنّيَ وحديْ . – ص 1210 و1211) (نصّ “قمر أسود”) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *