الرئيسية » نقد » ادب » حميد الربيعي : ” الطلياني ” و ” داعش ” وتونس الخضراء

حميد الربيعي : ” الطلياني ” و ” داعش ” وتونس الخضراء

hamid 8المجتمع التونسي ، بالإضافة إلى فرانكفونيته وانفتاحه بحكم السياحة ، ألا انه كما بقية المجتمعات العربية قد نخرته الدكتاتورية ، فوجد الفكر الإسلامي المتطرف ضالته، ونما هنالك .
رواية الطلياني لشكري المبخوت وسعت المدارك وأعطت صورة بانورامية عن المجتمع التونسي ، من حيث علاقته بالأرض وحركة التاريخ وارثهما في تشكيل نفسية الأشخاص .
كنت أتصور نفسي على معرفة جيدة بالمجتمع التونسي، بحكم ترددي المستمر عليها ولمدة أثنى عشرة سنة ، حيث كنت أجاورها بالإقامة ، عند كل نهاية شهر اهرب باتجاهها . كانت تشكل لي مدينة متحضرة ومتطورة ،.حتى خلت نفسي أني على دراية بطبيعة المدينة وحركتها وناسها .
دائما ما تكون الرواية اقرب مصداقية إلى الحقائق من بقية الأجناس الأدبية ، من هذه
الزاوية تصير الرواية هي السجل الاجتماعي والتاريخي لحركة الناس .

قبل أن ابتدأ بقراءة ( رواية الطلياني) لشكري المبخوت ، التي فازت بجائزة البوكر 2015 وعند الانتهاء من قرأتها ، يتبادر إلى الذهن سؤال ملح : عام
لماذا أكثر المقاتلين في داعش من تونس ؟
الرواية وبشكل مفصل تطل على المجتمع التونسي ، بالذات خلال الفترة الأخيرة من حكم بورقيبة واستيلاء بن علي على الحكم وتفرده به ، بما امتازت به هذه الفترة من صراعات محتدة في داخل المجتمع التونسي ، حيث تراجعت الفرانكفونية وبداية تغلغل المنظمات الإسلامية والتي سمحت لها حكومة المزالي بضرب التيارات اليسارية ، مما أدى إلى نمو الفكر الوهابي الاخواني وانتشاره في الريف التونسي ، الذي أصلا هو محافظ في طبعه . ولقد ساعدت حكومة بن علي في الانتشار هذا ، معتمدة على سياسية الحفاظ على دكتاتورية الحكم في المقام الأول .
الشخصيات الكثيرة في الرواية ومصائرها كانت معلقة بهذا التيارات وصراعاتها والتي أدت بالضرورة ، نتيجة الأوضاع الاقتصادية ، إلى سلوك الشباب المنحرف ، تعويضا عن الحرمان والضياع وانخراطهم في صفوف الإسلام السياسي ، بالذات الدموي منه
ثمة بعض الشخصيات في الرواية نأت بنفسها عن هذه المسلك ، لكن الرؤية ، التي طرحها المؤلف شكري المبخوت ، تعطي فكرة معمقة عما ألت أليه الأوضاع في تونس .

كتب الكثير عن الرواية وثمة من اشر عليها باتجاه الإساءة إلى تونس وشعبها ، معتبرين الفضائحية ، التي وردت في أحداث الرواية ، مبالغ فيها ولا توجد بهذا الشكل في بنية المجتمع أصلا .
هل كان الكاتب شكري المبخوت في روايته الطلياني فعلا يمارس جلد الذات للمجتمع التونسي ، وأيضا في تسليط سياطه الحامية باتجاه اليسار ؟kh shokri almabkhot
أن سؤلا مثل هذا يحيلنا في البدء إلى الحرية المتاحة أمام الكاتب في تناول مظاهر المجتمع ، ونوعية العلاقة الخاصة بينه وبين ذلك المجتمع ، من حيث طبيعة الرؤية التي يمتلكها الكاتب ، ثم مطابقة نوعية المعيارية القائمة في المجتمع ، على أساس المكاشفة و القراءة الخاصة لحركة التاريخ ، خاصة أذا عرفنا مقدما أن الكاتب حاد وثاقب الرؤية ويستطيع جلي ما تحت السطح الهش ، من موروث وعادات وقيم أخلاقية ومعرفية .
طريقة السرد ونوعية الراوي العليم واللغة الروائية تنبأ بان شكري المبخوت قريبا من كل الحكايا التي وردت في الرواية ، تاريخا وتفصيلا ، اقترابا ومعرفة ، فثمة وقائع أشارت لها الرواية بنوع من التفصيل ، التي تغيب عن النظرة المدققة، ألا أذا كانت راصدة بشكل فعال ، مما يدلل في النهاية أن شكري المبخوت كان على دراية جيدة بتاريخ بلاده ، بما فيها السلطة ذاتها والأحزاب والتيارات السياسية ، خلال مرحلة التحولات في تونس .
من هذه الزاوية لم يكن المؤلف جلادا للذات التونسية ولا متجنيا على حركة اليسار، بقدر ما كان راصدا دقيقا لكل مجريات الأحداث ، مما أباح له تحريك شخصياته بيسر ، مرة باتجاه الأحداث العامة الجارية ، ومرة باتجاه الوقائع الشخصية لحركة الشخوص ذاتهم ، بهذا الجانب زخرت الرواية بكم متنوع من المعلومات عن تاريخ البلد والشخصيات المؤثرة فيه .
أذا كان النقد القاسي الذي مارسه باتجاه الشخصية الرئيسية ، التي كانت تمثل اليسار التونسي، وتقلب تلك الشخصية بين الفوضوية والمهادنة مع السلطة أو الارتماء في ملكوت الجنس والدعارة ، مثل احد الحوافز السردية لديمومة الكتابة وتنوعها وتنقلها بين الأحداث ، لكنه في واقع الأمر لم يكن متجنيا ولا متعاليا على طبيعة الشخصية الروائية في جهة بنيتها النفسية والاجتماعية .
التخبط الذي عاشته شخصية (عبدا لناصر) أنما ناتج بشكل مباشر من طبيعة الظرف الذي مر به ، وهو في الغالب الأعم كان عبر ارتمائه وإخلاصه لحركة اليسار ، وبما كان يعانيه من انشقاقات وانهيارات نظرية \ فكرية .

تزخر الرواية بالكثير من الأحداث العامة والخاصة ، تلك التي تلاحق مصير الشخصيات الرئيسية في الرواية وتحاول في خضم تلك الأحداث ملاحقة التحولات التي تحدث في بنية المجتمع، بالإضافة إلى رصد حالات التحول النفسي في مصير الشخصية ، فالرواية تضع ( عبد الناصر) في شخصية اليساري الملتزم ، بالمقابل تضع شخصية( زينة )، بنت الأرياف، في موقع اليسار المتطرف ، تتحرك الشخصيات وسط أجهزة السلطة والتيارات الإسلامية النامية في صفوف الجامعة أولا ولاحقا في المجتمع التونسي ككل .
أن رسم المصائر الشخصية للأفراد لم يكن نتيجة حدث روائي ينمو تدريجيا ويتصاعد بموجب تطور أحداث الرواية ، بل كانت حكايات تروى عن أشخاص بصيغة الراوي العليم وبالضمير الثالث الغائب، الذي أتاح سهولة الانتقال من هذه الحكاية إلى الأخرى ، من دون أن تتدرج في خطها الدرامي ، مما يعني أن السرد كان متأخرا، مقارنة بروي الحكايات ، وهي بهذه الطريقة تقترب من القص الشعبي ( ألشفاهي )، الذي كان يتداول في المقاهي ، ولا تقترب من أساليب السرد الحديث ، من حيث التقنية والشد والتوتر وتحريك الحوافز والامتدادات الزمنية والمكانية ، إضافة إلى المونتاج والتقطيع .
هذه الطريقة في روي الحكايات رافقتها لغة ذات تركيبات نحوية جاهزة ، هي الدارجة في الوصف القديم ، من دون أن تتناص مع أحداث الرواية ، مما أفقر السرد كثيرا من أواصر الشد ، تجلى ذلك في القاموس اللغوي المستعمل في لغة الروي ، والذي يقترب وينهل من الألفاظ المقولبة في صيغتها البدائية ، والتي تفتقر إلى الشعرية والجمالية .
بعيدا عن اشتراطات الجوائز وطرق منحها فان رواية الطلياني للكاتب شكري المبخوت منحت نفسها للقارئ من خلال أثرائه بتفاصيل التاريخ التونسي وتناقضات مجتمعه وما آل أليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *