حسين عجة: الموت والعنف، أو ضربة الواقعة في رواية المبدع حسين سرمك

1

اكتسبت مفردة “جحيم”، عبر “المُتخيل الجمعي العربي والإسلامي” معنيين : الأول، الذي لا نقول عنه مجازي، ذلك لأنه أكثر التباساً وحضوراً من مجازات اللغة، يتعامل مع الجحيم باعتباره ناراً مضرمة، مشتعلة، مُتقدة “وقودها من الناس والحجارة”؛ وليست جليداً أو ثلجاً. قد تشكل هذه الصورة الرعب بعينه، وربما لا تكون كذلك. أمّا المعنى الثاني، فيتعامل مع الجحيم كونه أبدية، حلقة مفرغة أو حد أخروي لحياة أولية عابرة، مضت، لكنه لا ينفتح على بعد آخر سواه. ومع ذلك، يلتقي المعنيان، أو بالأحرى يغلف أحدهما الآخر، يتدخلان بقوة مع بعضهما، لكي يفرزا صورة عن تخم أو نطاق لا يمكن كسر حلقته : نهاية الزمان والعالم، اكتمال دورة أطرافه. أو، بشكل أدق، خروج الزمان من نفسه وتحوله إلى ما لا علاقة له لا بالتعاقب ولا بالتزامن، ثباته على بياضه المُفزعِ كقيامة أو خلود، لا يمكن لشيء ما أو لغة بعينها الإخلال بمعادلته، أو تغيّير “ذرة” من حالة موقفه : كما أن هناك خلودا في الجنة، هناك خلود في النار، أو الجحيم. بهذا المعنى، قد يمكننا القول بأن الجحيم الخالد، أو الدائم، يشكل حالة تماثل ذاتية، مغلقة على نفسها، ولأنها تقصي كل شيء ما عداها، كالجنة، قد تدفع المرء، في الأخير، على قبولها، تحملها ومن ثم الكف عن عبث المناشدة على ما يمكنه زحزحة نظامها.
بيد أن عدم زحزحة النظام، كأمر واقع، أو قدر لا بد وإن يولد عند من يقع تحت ثقله قدرة غامضة وغير مفهومة لا تكمن في مسألة قبوله، تبريره والخضوع لقانونه فحسب، بل وأيضاً الاندماج الكلي بجسده، محق الذات التي تتوهم أو تشتهي الخروج منه، مسح كل أثر لها، وذلك لصالح أو بهدف اكتسابه، اكتساب الجحيم نفسه، جعله خاصية أو ملكية شخصية، إذا جازت العبارة؛ جعل الأنا ليس مكاناً يأتي الجحيم ليسكنها من الخارج، بل تصير الذات نفسها جحيماً وتظهر كذلك في العالم.
لكن كل ظهور في العالم محكوم بقانون صارم في منطقه، مقياسه أو معياره : تتعادل كل أشكال الظهور، تُحذف قشرة التميّيز ما بينها، تتخلى عن ذريعة الفارق ما بين الوجود والجوهر، وبالتالي لن يكون هناك من بحث آخر سوى البحث عن التموضع.
إذا ما تموضع الجحيم وأصبح حضوراً، يكف الشعور عن إدراكه كعقاب أو مصدر تعذيب يغزوه أو يحتله عنوة، بتحطيمه لقلاعه المحصنة والقضاء على حراسه وجنود حمايته. ذلك هو المعنى العميق لتلك المقولة الشهيرة، أو العلاقة المرعبة ما بين “الجلاد والضحية”. لا تصير الضحية جلاداً فقط، بل جلاداً يُلغي كل أبعاد الزمان الأخرى غير الحاضر، لا شأن له بماضيه الخاص ولا بمستقبل ضحيته أو العالم، تتجمد وتتحنط كل الأشياء والكائنات، لكي لا يبقى في الوجود سوى الجلاد-الحاضر، أو الجحيم كواقع. غير أن وضعية كهذه هي، بالدقة، ما يجعل الأنا تفلت من الجحيم، لأنها قد تلبسته، ألغت كل فارق، أزاحت أي تنافر، وتبلور في صميمها حيز التماثل والتطابق “العادي” مع الموقف. وذلك ما يشكل مرحلة أو نقطة تحول جذرية ما بين البداية والنهاية (بداية التعذيب ونهايته)، وما بين الأنا والرعب أيضاً. نقطة، إذاً، يتمّ فيها استنفاذ كل إمكانيات هذا الأخير (الرعب) وتُلغى هويته.
كل ما قلناه حد الآن يمكن اختزاله بالعبارة التالية : لا يمكن زحزحة الجحيم كجحيم، أو ككون مغلق على نفسه، لا تنفذ منه أية حركة، إلا إذا ما واصلت الذات بحثها عن لغز آخر أو فضيحة أخرى غير فضيحته : فضحية “ما بعد الجحيم”! نعني بمفردة “فضيحة” قوة أو بأس خاص ومُحير، يقذفنا في منطقة لا نعرفها أبداً، ولا يستطيع الموروث المتخيل الذي نحمله معنا إسعافنا على إدراك الينبوع الذي انطلقت منه، أو الكارثة الجديدة التي أوصلتنا إليها: كارثة “المابعد”. كيف يمكن تخيل عالماً، حيزاً أو إمكانية أخرى تحل أو تأتي ما بعد الجحيم؟ أو ذات تتجمع، وتكرس كل قواها من حول “ما بعد” هذه، وذلك لكي توحي لنا، في ذات الوقت، بأن ثمة ما يكمن وراء النهاية، أو النهاية ليست بالنهاية، وبأن الجحيم قابل للتزحزح، وثمة من رعب آخر ينتظرنا وعلينا استقبال فزعه طواعية أو بشجاعة؟
لا يمكن، من وجهة نظرنا، فتح أي شرخ أو شق في كون الجحيم المتموضع، ومن ثم التلويح بإيماءة “ما بعد” إلا عن طريق الرواية، إذا ما تمّ فهمها باعتبارها عملية خلق كاملة، لا تكتفي بوصف الظاهرة بجزئياتها وتفاصيلها الدقيقة، مهما كان فزع ورعب تلك التفاصيل، وذلك عن طريق تعليق الأنا، وضعها بين هلالين، كما تفعل الفينومنولوجيا، مثلاً، أو حتى عن طريق ما أُطلق عليه، في حينه، اسم “تيار الراوية الجديدة”، ذات العلاقة العميقة والخاصة بالفينومنولوجيا. لكن، على العكس من هذا، لا بد لرواية ما بعد الجحيم من إعادة كل ثقل الذاتية (حتى وإن كانت الأنا نواتها الصلبة)، وجعل ظهورها بمثابة التشكل البطيء، المعقد، والمقذوف بعيداً عن قطب الشعور الواعي؛ ذاتية تمّ اقتلاعها بالدقة من الأنا الفردية، بحكم واقعة ما، حداً يجعل منها – من الذاتية- بطريقة متناقضة، أو معكوسة الموقع والنقطة التي ستنفتح بفضلها إمكانية القول، التعبير، الشهادة. أي الذهاب إلى الأبعد، فيما وراء المتموضع، والقيام بالمجاهرة الأكثر شجاعة وبطولة. شجاعة تصرُ، دون كلل، على التأكيد بأن الجحيم، كل جحيم، هو جحيم الموقف، أو موقف ما، ضمن مرحلته وتاريخه “المُحدّدين”، وله حالة تتحكم فيه. بيد أن ذلك لا يعني تحجيم الجحيم، أو جعله نسبياً (على طريقة النفي الديالكتيكية). كلا. العكس هو الصحيح : القبض على الجحيم “بحد ذاته”، أو كجحيم مطلق؛ قبوله والغوص فيه بعيداً، وفي ذات الوقت التساؤل عن ممكنات فتحه من الداخل، البحث عن قوى محايثة ضمن نطاقه المفروض والصارم، أدوات أو أسلحة تؤخذ منه من أجل خلق ثلم ما فيه. ذلك لأن كل حالة انغلاق أو تطويق لا بد وإن تشير، ولو كفرضية، على ما بمقدوره توليد “شيء” آخر في صميمها، أحداث شرخاً أو هوة في مدارها الرمادي والمعتم (كل جزء من كل يشكل للكل عثرة). لا تكون الذاتية، في لحظة كهذه، شبح خرافي يقف في وجه شبح آخر لا يقل عنه فزعاً، شبح الموضوعية. ففي انقلاب الذاتية الموجع هذا، ينتفي مثل ذلك التناقض الجدلي بين القطبين، ويتمّ تخطي الفاصل الموهوم بينهما. ذلك لأن تلك الذاتية ضمنية وليست بحاجة إلى الإفصاح عن ذاتيتها، كذلك فإن كل ما نلمسه منها يتحدّد في نقطة الكشف عن الآثار والندوب التي تركتها في جسدها قوة وعنف الواقعة.
لقد كتب “هنري باربوس” رواية “الجحيم” الجنسي، عبر ذلك الثقب الشهير في جدار غرفة فندق، والذي توالت عبره كل مشاهد الفتنة والعذاب، كذلك كنا قد قرأنا في شبابنا رواية “الساعة الخامسة والعشرون” ورأينا، عبر دموية الحرب، نذالة المعسكرات المتحاربة وزيف إنسانيتها، كيف يتحول الفرد على أيدي جلاديه إلى مسخ. بيد أن كلا الروايتين قد ارتضيتا بالبقاء ضمن فضيحة الجحيم وانغلاقه المكتمل (“كمستعمرة العقاب” لكافكا، مثلا). هناك أيضاً رواية “فردناند سيلين” “رحلة إلى نهاية الليل”، حيث يخلط فزع الاقتتال العبثي جميع الأوراق ويدخل الأطراف الواحد بالآخر : الشجاعة تصير جبناً والعكس بالعكس. كما يتعانق الساخر بالمأسوي، في آن معاً.
قد يمكننا تسمية هذه الروايات الثلاث، وغيرها من المئات (من ينسى “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، أو “ما تبقى لكم” لغسان كنفاني)؟ روايات الجحيم، أي تلك الأعمال التي تقطن فيها الكتابة في صميم وقلب الفزع المحض والمُكَيفِ، إعادة كتابة “جحيم دانتي” بتفرد الإبداع الخاص والذاتي لكل كاتب. وكذلك تقدّيم العمل الروائي كوصف باهر، لكن عبر إلغاء الذات، وتحويل نزفها إلى ما يشبه لوحة الأحلام أو الكوابيس المعروضة بموضوعية أمام عين المشاهد. هناك خاصيتان، إذاً، “لروايات الجحيم”، إلا وهما : المكوث الطويل والأبدي ضمن كون الجحيم المغلق، ترسيم حدود السرد الروائي على مقاسه، والتوغل شبه السادي والمازوخي في أدق تفاصيله، ومن ثم جعله ينطق بنفسه، بموضوعية اللوحة المعروضة أمامنا، والتي تعطل أحياناً ديناميكية الشخوص. ومن ناحية أخرى، يؤدي حذف الذاتية، كبعد روحي أو مقولة فلسفية لا تقبل التماثل مع الأنا الفردية، إلى التسليم بتيار الوعي، أو الشعور الفردي، بمثابة القطب الآخر الذي تمر عبره، وتتعايش بفضل يقظته الدائمة كل تفاصيل ورعب الجحيم. بتعبير آخر، لا وجود “لروايات الجحيم” من دون تيار الوعي الفردي هذا. يمكن التعامل مع رواية “الغثيان” لسارتر بهذا المعنى، رواية أخرى من روايات الجحيم، بالرغم، أو في الحقيقة بسبب كشفها الوجودي المدوخ نفسه.
لكن كيف يمكن الحديث عن “ما بعد” الجحيم، حيث يُلغى “تيار الوعي الفردي هذا” ويتمُ تجاوز “الأنا”، فيما لم تتشكل بعد، بطريقة وأخرى أبعاد الذاتية ؟ للحديث عنه، قد يتوجب على منْ يكتب رواية “ما بعد الجحيم”، ونحن لا نعني هنا رواية المبدع حسين سرمك التي تَحملُ نفس هذا العنوان، بل أي عمل روائي آخر يزعم فتح كوة، منفذ أو شرخ يذهب إلى ما وراء الجحيم، أو التموضع الواقعي، كما يتوجب ربما على قارىء رواية كهذه، أن يتخليا تماماً عن أي موروث متخيل عن الجحيم نفسه. لكن، مرة أخرى، كيف؟ لكتابة رواية لا تكون رواية عن الجحيم ذاته، بل رواية “عن” ما بعد الجحيم، لا بد من تدخل قوة أخرى قد تستخدم كل ممكنات الوصف لصالحها، بيد أنها غير منذورة أو مكرسة له. رواية تجعل من الأفعال، الشخصية والجماعية، طابعها الجوهري؛ أفعال ذوات جرى اقتلاعها بعنف خارجي مُتفرد، أو ضربة واقعة لا شخصية تمكنت بفعل صرامتها من تفكيك نسيج ولحمة وعيها الفردي، ومحقت كلية ما يُسمى إناها، العادية والمحسوبة كعنصر على الموقف. لكنها، أي ضربة الواقعة، أو ما يحدث كعنف خارجي يفتح أمام الذاتية، بالرغم من كل ذلك، آفاقاً جديدة للتشكل اللافردي أو اللاواعي، لكي يكون بإمكانها تقديم شهادة البطولة لا عن الجحيم نفسه، بل عن كسر أو فتح ثغرة في كونه المغلق. لا يُستخدم الوصف والسرد الروائي في أعمال كهذه لرفع الغطاء عن العدم، الاكتفاء بتحنيطه، أو جعله تموضعاً محضاً، مكشوفاً، كظاهرة مرئية فحسب، بل يسند “لنفسه” القيام بخطوة أخرى، بفعل إضافي يتمثل، بالدقة، بالقول والإصرار على القول بأن الذات نقطةً، أو موقع محلي مُحدّد، كالجسد الذي تلقى، قبل أي حساب أولي، ضربة وعنف الواقعة، وذلك يعني اختزال الذات إلى مجرد مساحة تتكشف عبرها الآثار وحدها. آثار الضربة.
إذا ما قبلنا بتصنيف الروايات على هذا النحو ضمن فئتين، سنحصل على : روايات الجحيم وروايات ما بعد الجحيم، وسنقول بأن الركيزة الأساسية للنمط أو الصنف الأول هو الوصف الموضوعي، الدقيق والتفصيلي لما حدث، إدخال كل معطيات الموقف الجحيمي ضمن خيوط ونسيج الوصف، أمّا أفعال الشخوص، وردود أفعالهم، فتأتي في المقام الثاني. وذلك ما لا يخل لا بقدراتها الإبداعية، ولا من بقائها والتحامها بالعالم أو الموقف الذي تظهره أمام أعيننا. لكن في روايات ما بعد الجحيم، إذا ما وجدت، فستكون العملية مقلوبة بكاملها تقريبا : تحتل أفعال الشخوص، وإمكانية الإفصاح عن ذواتهم، أي كشف ندوب الضربة هي من يحتل المقام الأول، ويأتي الوصف في المقام الثاني باعتباره ضرورة فنية لا يمكن دفع الكتابة السردية من دونه. عبر منظور كهذا، جانبي ومنحرف، سنحاول قراءة رواية الفنان العراقي المبدع حسين سرمك، “ما بعد الجحيم”، وذلك باقتفائنا لشعاع ما يمكن تسميته خطوة  ” ما بعد الظاهراتية”. أي القيام بمحاولة زحزحة تيار الوعي، الذهاب أبعد قليلاً عن علاقة الأنا، الناطقة أو الصامتة، بالعالم عبر محتوى شعورها الوجداني الموجّه نحو غاية ما، أو الوعي كوعي بشيء معين (ذلك هو المبدأ المركزي لكل فينومنولوجيا، لاسيما فينومنولوجية هوسرل: “كل وعي هو وعي بشيء ما”. نعترف، من البدء، بمشقة المهمة.
سنحاول اقتفاء هذا الكون الروائي الصاخب (بمعنى الصخب والعنف)، المتفجر، القاسي والمُشبع حتى أقل مسامات جسده بالحب والانفعال، والذي يتعانق فيه صمت الموت، أو صرخته الأشد ألماً مع هوس البحث المضني وغير المعهود عن كل قشرة تتشبث بالحياة، وتجعل من هذا التشبث إشارة خاصة توحي بالشروع بالخطوة الأولى نحو كوة الخروج من واقع التموضع، أو الجحيم. سنتابعه، إذا جاز القول، خطوة بعد خطوة، أو مقطع بعد آخر.

“كتاب عن العدوان أو علم نفس الموت” أو
جمالية الانفجار :
تبدأ رواية “ما بعد الجحيم” بفعل مباغت، بحركة تشبه الهجوم، بدخول غريب وعدواني بالرغم من فتنته وسحره. يقترب ذلك الفعل كثيراً من اشتعال وانطفاء مصابيح صالة السينما البرقية، التي ستجعل الظلام يحل محل الأضواء لكي تتحقق مشاهدة الفيلم، أو رفع ستارة المسرح التي تفرض على المشاهد، من الآن فصاعداً، احترام قاعدة الصمت المطلق. “رفعَ خشبة الملجأ المنهار بفعل القذيفة المعمارية”. لنلاحظ موقع مفردة فعل في هذه الجملة التي تبدأ معها الرواية تقريباً، والتي اخترناها صدفة أو عمداً لكي تعيننا على الدخول في المشهد الأول، الذي يوهم القارىء، من البدء، وكأن النزاع يجري في ساحة المعركة “الفعلية” وحرب القذائف الطاحنة، فيما تكون مقابلة الموت بالموت الآخر قد جرت “حقاً” في ساحة الوغى، لكن من خلف ظهورنا، مع أننا لا نفهم ما الذي تعنيه “القذيفة المعمارية”. بيد أننا ندرك، شيئاً فشيئاً، بأن تلك “القذيفة المعمارية” قد اختارت بدقة نوعية أداة استخدامها “كسلاح أسود”، وليس أبيض أو عاري. بيد أن هذا السلاح ليس سلاحاً كبقية الأسلحة التي يعرفها الداني والقاصي؛ أنه شيء آخر، غامض ومطلسم كغموض وطلاسم الموت ذاته. نظل، إذاً، كقراء معلقين بالتباس بداية المشهد الأول، الذي أقحمته علينا بقوة “القذيفة المعمارية”. بيد أن ذلك الانتظار المعذب سرعان ما يتلاشى، بحكم تدفق الأفعال الصغيرة وضرباتها المتوترة، التي تجعلنا نفهم، في النهاية، بأن “السلاح الأسود”، أو حقيقة الموقف برمتها، ليست سوى العضو الجنسي لجندي، جاء يلهث “بعد سبعة وأربعين يوماً من القتال المجنون المتصل”. وبأن ذلك الجندي اللاهث، كغازي منفلت، أو كالراوية نفسه لا يمكن مقاومته، أو وضع عوائق في طريقه. ذلك لأن رعب الموت الذي عاشه أو تحطم فيه، مضاف إليه انفجار داخلي، نجهل طبيعته، أو نتخيله، في أفضل الأحوال، كغريزة محضة، يجعلنا نسمع صراخه ورغبته المجنونة في مضاجعة زوجته، حتى قبل خلع بسطاله؟ ذلك هو فعل الاغتصاب الأول للزوجة، مع حقيقة الحب. لكن، إذا كانت اللهفة أو الغريزة بمثل هذا الاحتدام، هل ثمة ما يضمن بأن هذا الوحش الكاسر، أو الجندي المسكين؛ لا فارق هنا بين الاثنين، سيتمكن من إنهاء العملية المكلف بها ذاتياً، أي ممارسة الحب مع المرأة التي يحب ويعشق، والتي جاء لملاقاتها بعد نزف الدم المتواصل؟ سنرى. وهكذا يتحتم علينا معايشة الانقطاع الثاني في قلب المشهد الأول. بيد أن الراوية اللاهث كالجندي نفسه، سيخبرنا بعجالة ويوقف دوران مخيلتنا الاستمتاعية، الدخيلة، بإعلانه : أن هذا “السلاح الأسود”، القضيب الذكري للفحل، “لم ينهض على الرغم من المعالجة البارعة المدوخةِ”. أية معالجة بارعة ومدوخة؟ “كان الجسد الودود مكتملاً ولكن بلا رأس، والدم يشخب من الوريدين المحروزين بغزارة. تشظى منكسراً مع كرم الشظايا وأجهش بالبكاء”.
ينبغي علينا، هنا، تحاشي الأحكام المسبقة، كالقول مثلاً بأن ذلك المشهد يجسد أو يكرس رمزياً العلاقة المُتخيلة التقليدية ما بين الموت والجنس. ذلك لأننا لسنا في موقع اليقين بأن جندي المضاجعة هذا كان حياً أو ميتاً سلفاً، قبل وبعد ممارسته الجنسية، أو الحبية بالأحرى : “الله وحده يعلم كم حياة كتبت له، وكم روح انتزعت منه وأعيدت له بسخرية المصادفة”. لنتذكر دائما، على طول الرواية وعرضها، “سخرية المصادفة” هذه، والتي تأخذ في لغتنا تسمية أخرى إلا وهي “ضربة الواقعة غير المحسوبة”. كذلك لا يمكن القول، كما نعتقد، بأن معايشة فعل الاغتصاب هذا يأتي ليعوض نفسياً عن إحباط أو هزيمة فعل القتال في ميدان المعركة، ذلك لأن شراسة التمزيق الدامية بين الرجال تذهب أبعد من أي إخفاق أو نكوص فردي. بتعبير آخر، ليس ثمة من مجال هنا للحديث عن أية سايكولوجية. فهذه الأخيرة تتطلب، في حدودها الدنيا، نوعاً من التأمل أو الانعكاس المرآوي ما بين الأنا والأخر، ما بين الذات والموضوع. فيما تقحمنا رواية “ما بعد الجحيم” مباشرة، وكما قلنا سابقاً بصخب لاهث في عالم أو موقف قد يخول لنا تسميته بالفعل الانطولوجي المحض، أو الموقف الوجودي المتعلق بصميمة ورؤية الكائن نفسه. لماذا؟ لأن أفعال ذلك الجندي، الدامية والمتهورة، تُصَعدْ في مثاليتها، أو جنونها الخاص، حد إرادة اقتلاع الواقع، إلغاء معادلة الأنا والآخر، وكذلك تكذيب أو نفي انفصال المواقف، والسبب الثاني يكمن في مخاطبتها لنا مباشرة وليس عن طريق الوصف : “كان جنون ويوم قيامة وليس معركة”. أجل. ومن الجهة الثانية ؟ : “سبعة وأربعون يوماً من الجنون الدامي. من يقول أن الإنسان لديه عقل؟ الحيوان يمكن أن يكون لديه عقل. الحيوان لديه منطق وأصول. أمّا الإنسان فلا”. علينا تعميق الصرخة الوجودية هذه، دفعها إلى حدودها القصوى : “لا يدري. عموماً، لم تفعل الكلاب ما فعلناه في المعركة الأخيرة”. سيكون من العبث الانجرار وراء التصورات الجاهزة، والقول بالتالي بأن تلك العبارة تمثل نوعاً من أحكام الإدانة الاعتباطية التي تذل الكائن الإنساني، لكي ترقي من منزلة كائن آخر مُتخيل كالحيوان. لا يتعلق الأمر، هنا، لا بالمقارنة بين الإنسان والحيوان، ولا برغبة إصدار الأحكام وسجن الكائنات ضمن ما تقرره حيال مصائرها. فجوهر الإشكالية، على هذا الصعيد، يكمن في رسم ونحت التكشف الإنطولوجي للكائنات، ولا يبقى مأسوراً ضمن معتقل الأحكام الأخلاقية بشأنها. لقد أدخلت براعة المبدع على الموقف عنصراً جديداً لم يكن قائماً سلفاً فيه، ولا يمكن تخيله في لحظة التشابك الدامية تلك. لحظة الموت والنزف المتواصل في المعركة، عبر فعل الاغتصاب الحبي نفسه. أي أنها استخدمت ببراعة سلاح التهكم القاتل من كل شيء، من جميع عناصر الموقف الظاهري ومحتواه الكلي، وبالتالي ستكون بعيدة بالضرورة عن أي حكم قيمي أو أخلاقي : “لم يقرأ عن معركة دامت سبعة وأربعين يوماُ بين الكلاب وسقط فيها خمسون ألف كلباً من الجانبين وسط الأناشيد الحماسية والهتافات الصاخبة والأوسمة والنياشين”. وأيضاً : “تصور كلباً بوسام ونياشين وأشرطة ملوّنة على صدره”. ذلك ما نسميه بالموقف الوجودي، الذي يضع بارومتر ظهور الكائنات “كوجود يسبق أي جوهر”، على حد تعبير سارتر. ومع ذلك، ما هي أدوات التعبير عن ذلك الثقل الوجودي؟

عري اللغة
لا يَعْبرُ الثقل الوجودي (المتعلق بالكائن وكينونته) نحو العالم، ولا يخرج من مأزقه، الذي صنعته الواقعة، بكل فواجعها، إذا ما بقيت أية رقابة، داخلية أو خارجية، يوحي ويلغط فيها الوجدان المتشكل، أو “الوعي المعطى”، وإن كان على صعيد اللغة فقط، وقشرة تعبيراتها المزعومة. ستكشف رواية “ما بعد الجحيم” عن كينونة الكائن باعتبارها لا تماسك محض، وذلك عبر عري واستحالة معادلة كهذه : معادلة الإبقاء أو تمرير صميمة الكائن بفضل تماسك اللغة ونية الحفاظ على تألقها المفروض والإرادي. ستلتف “ما بعد الجحيم” على سوء طوية اللغة، وتنزع عنها بشراسة أية قطعة صغيرة قد تحمي عورتها المكشوفة : “يا إلهي لو صورنا قلب العراقية شعاعياً، هل سيكون بنفس حجم قلب الأم الفرنسية مثلاً”؟ ليس هذا سوى مثال، ضعيف، عن محاولة جعل اللغة تنطق بشيء آخر غير استخدامها المتوازن، المرتكز على المماثلة، المشابهة، والمجازات المعقولة والمنطقية. لكن، إذا ما تحركنا قليلاً أكثر، فسوف تقودنا “ما بعد الجحيم” بدقة نحو كينونة اللغة ذاتها، باعتبارها عنف محض، أو ابتذال حقيقي في جوهره : “كان يتساءل صديقة المقال “سلام”، شاعر مجنون يكتب قصائده تحت لهيب القصف. في المعركة الأخيرة عاط به آمر السرية :
-قم يا كلب وارمي على العدو واترك الشعر.
-قصائدي هذه ستخدمكم، البندقية تحتاج الكلمة.
-كس أمك… إقترب الأعداء وسيدحسون قصائدك في طيزك. قم زمال.. سيقتلوننا… أملأ هذه الشواجير”. تلك هي عورة اللغة، الدامية والمدمية، كأي “كس” آخر، ومثل أي شيء “يدحس في الطيز”، وتتحدث كأي زمال آخر. ذلك لأن تلك الألفاظ والتعبيرات ليست ولا يمكن أن تكون ألفاظ وتعبيرات آمر السرية، وكأنه قد فبركها فوراً بفضل مخيلته الناشطة، أو الميتة في الواقع، أو سحبها من الذخيرة المتبقية في مخزون العتاد الفاسد. كلا، لا يستطيع لا آمر السرية ولا أي إلسني أو لغوي آخر نحت أية مفردة، في موقف كهذا، وإدخالها عنوة على صميم اللغة وحثها على قبولها، إن لم تكن قائمة سلفاً في كينونة اللغة ذاتها؛ كينونة فارغة، أو تعددية محضة، كأي كينونة أخرى، وليس لها من حقيقة ثانية غير بحثها أو وظيفتها الآنية، التي تحاول أن تتشكل كمجموع أوامر، تذهب في ابتذالها إلى حدود اللامتناهي وتمسه بقوة. ثغرة مغلقة ومفتوحة في آن معاً، كأي “كس” آخر، و”الكس” هو العضو التناسلي والجنسي للمرأة؛ شرخ أو ثلم لا يمكن ملأه لا بالأشياء ولا بالمفاهيم التي يمتلكها البشر للتعبير عن واقعهم اليومي، أو أحلامهم التي لا تهدأ ولا تكف عن ستر عورة اللغة التي لا تًستر. ثقب وجودي أسود، يفلت عن أية محاولة للتعقيل المنطقي أو الفلسفي؛ ثقب يرفض أي مسعى لقولبته ضمن مفهوم محدد وواضح. أمّا “الطيز الذي تحدس فيه القصائد”، أي شرج أو مؤخرة الرجل هنا، في اللهجة العراقية، فهو قائم، ضمن كل اللغات واللهجات، لنفس الغرض الذي حدده آمر السرية : التذكير المرعب بانفصال اللغة عن الكائن، وكذلك تفوق عنفها الخاص والذاتي على أي عنف آخر، حتى في معركة وساحة الموت والنزف المتواصلين، فهي تندس في كل المواقف العنيفة ببراعة مذهلة، وتضيف عليها عنفاً غير مسبوق في مناشدة الكائن. تتحدث اللغة كأي زمال آخر، أي كأي حمار، ليس ضمن جميع المواقف التي تشابه في دمويتها موقف آمر السرية وجنديه الشاعر فحسب، بل في جميع وكل المواقف، إذا ما تركت وحدها لكي تُفهم. يستحيل فهم اللغة بطريقة أخرى غير تلك التي تتعامل معها كأي حمار آخر، يمكن تحميله بكل ما يظن الحيوان الناطق الذي يحملها، الإنسان، ببذاءته الذاتية، التي يعتقد متوهماً بأنها بذاءاته الخاصة، فيما هي بذاءات اللغة نفسها. لا تستعير اللغة عنفاً من أي مصدر آخر غيرها؛ منْ سيكون ذلك المصدر، ما دامت هي من يغلف كل الأشياء والكائنات بعنفها ؟ اللغة عنف خالص ومحض، في كينونتها، وكل عنف يحاول تمزيق أو تخطي ذلك العنف، سيسقط في نفس العنف. يبقى أن نقول بأننا لم نقرأ من رواية الموت والعنف، “ما بعد الجحيم” للمبدع المتوازن على الحافة، الراقص من فوق الحبال المعلقة على علو مئات الأمتار من الأرض، والغاطسة قدميه، في نفس اللحظة، في طين الواقع، حسين سرمك سوى بضعة صفحات.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *