الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » ناهض الرمضاني: (ديك الحكاية)

ناهض الرمضاني: (ديك الحكاية)

1_ديك

nahed_akrmdaneلا .. لن أروي هذه الحكاية لأحد .. من سيأبه لها ؟ من يأبه لأمري أنا أصلا”! نجحت أخيرا في تسلق سلالم العيادة . عيادة الدكتور “مراد نزال”  ومع كل خطوة أخطوها وكل درجة أصعدها كنت أتوقع أن يهاجمني الديك . ديـك !! سيضحك مني .. سيضحكون مني جميعا . أنا حذر .. حذر للغاية ولم يقم ديك ما بمهاجمتي حتى الآن .. لكنني أعرف أنه سيفعل . إنه موجود . موجود ويترك ريشاته في كل مكان أذهب إليه . إنها رسائل تهديد . إنه يستمتع بتهديدي .. سيعود . وسينتقم . سيغرس مخلبيه المعقوفين في عينيّ , ومنقاره في رأسي . هل سيستطيع ذلك ؟؟ أنا الآن بعيد. بعيد جدا عن ذلك المكان . بعيد عن  تاريخي ، بعيد عن جغرافيتي . وربما كانت مخاوفي في غير محلها . أيستطيع ديك ما أن يقطع كل تلك المسافة؟ أنا الآن في أبو ظبي أقف وسط عيادة أشهر طبيب نفسي في المدينة آملا منه أن يساعدني في التخلص من هذا الهاجس الذي يطاردني.. هذا الديك الذي أخشى أن أراه في كل مكان .
رجل وامرأة في العيادة . وحاجز خشبي مشغول بالأرابيسك يفصل صالة الانتظار عن باب غرفة الطبيب . جدران العيادة مدهونة باللون الأخضر . يقولون أن الخضرة مريحة للنفس . تشبه لون العشب .. أية سذاجة ! إنهم لا يعرفون ما الذي يمكن أن تستره الأعشاب الخضراء. على الجدار الذي يقابلني صورة لمرج مليء بأزهار عباد الشمس . ترى ما الذي يكمن حقا بين تلك الشجيرات ؟ بإمكاني أنا وحدي أن أعرف ذلك . وتلك المرأة الوحيدة . ما الذي تعاني منه ؟ جسد فارع وملابس جذابة .يدها تعبث بمفاتيح سيارة فاخرة . لماذا تهز ساقها بعصبية ؟ حذاؤها ذو الكعب العالي المدبب يوشك أن يفلت من قدمها ، وأظافرها الطويلة المصبوغة بالأحمر تشبه كثيرا مخالب الديك . تبدو ملامحها متماسكة . تبدو قوية الشخصية . ربما جاوزت الأربعين لكنها مازالت مثيرة . ليست امرأة أجنبية . أهي لبنانية أم مغربية أم سورية ؟ ما الذي أتى بها الى هذه العيادة؟ من يطاردها ؟ أينغص حياتها ديك آخر ؟؟ أم أنها قضت وقتها تصطاد الديكة؟
وذلك الشاب الأسمر . منذ أن دخلت وهو لم يحرك رأسه، لم ترمش عيناه . كأنه تمثال . أهو مواطن إماراتي ؟ انه يرتدي الملابس المحلية . ما الذي يشكو منه ؟ لعله يمني أو عماني أو ربما كان .. لا أدري . لا أدري .. فأنا في أبو ظبي حيث لا يعرف أحد أحدا . لا بل لا يعرف أحد منا من هو بالضبط . الكل يركض . الكل يصطدم بالكل . والكل خائف من الخسارة . موجات من السيارات الحديثة تزمجر .. شارع حمدان . أطنان من الذهب تملأ الفاترينات . أفخر السلع أجمل الملابس . أكبر” المولات ” .. أضواء ..أضواء . والكل يشتري ويشتري بنهم . الكل يبدو سعيدا إلا أن عينيّ الفاحصتين تتمكنان دائما من ضبطهم وهم يتلفتون حولهم بفزع مفاجيء . كلهم خائف من شيء ما . أو هارب من شيء ما، ويحاول تهدئة مخاوفه العميقة بالمشتريات . هنا لا خلاص للروح إلا بال..تسوّق. يقولون انه الحل السحري لكل المشاكل. اشتريت تلا صغيرا من الأشياء  لكنه لم يحجبني عن ذلك ال.. ديك .
الشارع يهدر . لكن هذا الهدير لم يخف عن أذني خفقات أجنحة الديك . لعله اقترب الآن . نوافذ العيادة مغلقة . هل يحوم حول المكان ؟أنا خائف .. مرهق . سأفتح باب غرفة الطبيب وأتمدد على المقعد الطويل وأحكي له الحكاية كلها وأرتاح . سأحدثه عن ديك يهاجمني في نومي ويطاردني في يقظتي . هل سيصدقني؟ سيسخر مني .. كلهم سيسخرون من محارب سابق يهرب بعيدا لأنه يخاف من ديـك .. ديـك ؟! ولكن لا . سأتماسك ..سأتماسك وسأروي له الحكاية كما وقعت. فقد يتفهم . قد يجد لي حلا ما . قد أستطيع التخلص من هذا الأرق، والقلق، والإرهاق . قد أتمكن من ممارسة عملي بشكل طبيعي بعد أن أتخلص من هذا الهاجس. ولكن أهو حقا مجرد هاجس؟!
أعلم تماما ما سيحدث الآن . لقد أوقعت نفسي في مصيدة . سأفتح باب الغرفة لينقض علي فاتحا جناحيه وزاعقا بصوته الراعد غارسا مخلبيه في عينيّ ومنقاره الرهيب في رأسي .. لا . لا . لست مجنونا لافتح ذلك الباب .
لا ..لا..  لن أروي هذه الحكاية لأحد.


2_الحكاية

هل كان علي أن أحمي نفسي ؟ أم احمي جنودي ؟ أم كان علي أن أحمي الحقل ؟  سؤال يبرز أمامي كلما مرت بخاطري تلك الواقعة ـ وهل استطعت أبدا نسيانها ـ

كان يوما يخنق فيه الصيف الربيع . حرارة الشمس تزداد، وما تبقى من أعشاب قصيرة بدأت بالاصفرار . لم يعد في المكان زهرة واحدة . الصيف قادم بلا شك . ومعه سيأتينا العذاب في تلك المنطقة الحدودية النائية . ما الذي نفعله هنا ؟  ” بدرة ” المدينة الحدودية الصغيرة تقع خلفنا على مسافة 40 كيلو متر . وأمامنا مباشرة الأراضي الإيرانية لايفصلنا عنها إلا هذا الحقل . حقل الألغام  المختلط الشاسع المسيج بالأسلاك الشائكة والمليء بمعرقلات المشاة وأسياخ الحديد المسنونة . كان واجبنا _ كما قالوا _ أن نحمي هذا الحقل . لأن الموانع لا تحمينا إذا لم نحمها “هكذا علمونا في الأكاديمية العسكرية” الربيع يرحل والصيف اللاهب قادم . سنعاني الحر والعطش . كل شيء قاحل مجدب والألوان بدأت تصبح طباشيرية باهتة باستثناء ذلك ال..ديـك . ها قد وصل ووصلت معه القافلة التي أراقبها كل يوم . الديك يمشي مختالا بعرفه البراق وريشاته الزاهية ،وصدره بارز إلى الأمام . وخلفه يسير قطيع أغنام صغير ، وفي نهاية الموكب فتاة تركب حمارا صغيرا وخلفها يركض كلبها الأملح هازا ذنبه . كنت أنتظر هذا الموكب كل يوم . أنتظرهم وأستمتع بمراقبتهم . وكان جنودي يمنعونهم دائما من الاقتراب من حقل الألغام أو من ملاجئنا . وكلما أقترب الصيف أكثر ازدادت ندرة العشب وازداد التصاق الموكب بملاجئنا . وازداد إعجابي بالديك . بالألوان الرائعة للريش في عنقه وذيله . بمشيته المتبخترة المتجبرة . بعينيه الرائقتين ،وبقدرته المدهشة على قيادة هذا الرتل المتنوع من المخلوقات . أحسست أن علاقة غريبة قد توثقت بيني وبينه . علاقة أحس بها وجعلته أكثر جرأة وأكثر قدرة على الاقتراب. علاقة قوية شغلتني حتى عن تلك الصبية الصغيرة التي كانت تمر بقربي . لم انتبه لها جيدا الا ذلك اليوم . كانت تمتطي حمارها بعظمة تليق بأميرة سومرية . كبرياء مضحكة . ليست إلا بدوية صغيرة . ربما كانت دون العاشرة . مرت أمامي ذلك اليوم فشاهدتها عن قرب لأول مرة . بشرة قمحية وأنف اقني وبدن ناحل ونعل أصفر صغير يخفق في قدمها السمراء الدقيقة . كنت منشغلا بتأمل الصبية ولم الحظ ما فعله الديك . كان قد اختار مكانا في سياج الأسلاك الشائكة واجتازه ليصبح داخل الحقل . تبعته الخراف دون تفكير تماما كأنها قطيع من..خـراف. وكانت الصبية قد ترجلت عن حمارها وتسللت مع كلبها لتتبع الجميع .

جرت الأحداث بعد ذلك بسرعة شديدة . انفجر لغم منثاري مما دفع الأغنام إلى الثغاء والركض في كل اتجاه وهذا ما زاد الأمر سوءا ؛ اذ تفجرت ألغام هنا وهناك وتساقطت الأغنام مبتورة دون أن تعي ما حدث لها وركضت الفتاة متراجعة خطوة أو اثنتين لترتفع في الهواء وتسقط على ظهرها. لغم صغير لكنه كان كافيا لبتر قدمها . أبويــــاااا صرخت الفتاة بألم .. حاول جنودي الدخول إلى الحقل لإنقاذها ” توقفوا ” صرخت بهم  آمرا وأنا أسأل نفسي ذلك السؤال اللعين ” ما الذي يجب علي فعله الآن ؟؟” اقتربوا ثانية وصرخت ثانية وثالثة ” توقفوا  ممنوع . ممنوع . الغام . توقفوا ” حملت بندقيتي ودرت حول نفسي وأنا أطلق النار في الهواء . غطى صوت الإطلاق على صوت الحيوانات الجريحة وعواء الكلب لكنني كنت اسمع صوتها يمزق روحي” بويـااا …” وأنا أطلق الرصاص في الهواء وجنودي يحاولون فعل شيء ما . ظهر البدو حولي فجأة .  اقترب أحدهم ورمى عقاله على الأرض وربط يشماغه حول جسمه ووضع أطراف ثوبه في حزامه واجتاز السياج الشائك وبدأ يسير وسط الحقل بخطوات سريعة حذرة وعيناه تنوسان بين الفتاة وموطئ قدميه. ربط رجلها المبتورة بيشماغه وحملها بسهولة بين ذراعيه . بدت ضئيلة الحجم . جرحها ينزف وفمها الملتوي ما فتيء يردد ” بوياااا ” وكان أبوها يضمها بشدة وهو يتحسس موضع خطواته وسط الحقل . والكلب يسير وراءهما بصمت . كنت ما أزال ممسكا ببندقيتي . نظرت إلى الحشد الذي حولي” لا حول ولا قوة إلا بالله ” قال أحدهم وكان الشيب قد وخط حاجبيه الكثين ” ممنوع . ممنوع . ما الذي تفعلونه هنا .! إنها منطقة عسكرية . منعتكم من الاقتراب الف مرة . ممنوووووع ” صرخت في أوجههم.  ” الصيف اقترب . والعشب ينفد. ممنوع الاقتراب من هنا. وممنوع الذهاب الى هناك . المراعي الشاسعة تحولت الى مزارع . ولم يعد بإمكاننا الاقتراب منها . المدن لا تحتملنا . وما تبقى من ارض الله سيجتموه بالأسلاك وزرعتموه بالألغام وها أنت تمنعنا من الاقتراب . وين نروح؟! نحن رعاة . نحن بدو نجوب الارض منذ أن خلقها الله وخلقنا . هذه حياتنا . وين نروح ؟؟ ويـن . ويـن ..” قال وهو يبتعد مع الجميع بعد أن حمل الأب طفلته تاركا ما تناثر من قدمها في الحقل ” بويـااا ” كنت أسمع صرختها الواهنة وهي تبتعد . ستحجل على رجل واحدة ما تبقى لها من حياة . ” بويااا” ما الذي كان علي فعله؟؟ هل كان علي أن أحمي.. أم.. إنهم بدو .. حقا ؟؟ أين يمكن لهم أن يذهبوا .. وأنا .. وقدم الطفلة المبتور ؟ وجنودي؟؟ والحقل ؟؟

كو كو كوكو صرخ الديك بنشوة وهو ما يزال واقفا وسط الحقل. هل كان قد اصطاد دودة أم أنه يحمل في منقاره قطعة دامية من قدم ال..

وضعت البندقية على كتفي وبدأت أطلق رصاصات متلاحقة صوب الديك . لم أصبه , ولم يضطرب . ركض خطوات ثم فتح جناحيه . طار مسافة قصيرة ليختفي خلف كثّيب صغير . لكنه وقبل أن يختفي _ التفت إلي . شاهدت عينه وهي تنظر إلى تلك النظرة الرهيبة . واصلت الإطلاق حتى نفدت الرصاصات . لكنني .. لكنني لم أصبه . لم أصبه. اختفى .. اختفى رغم أنه لم يذهب بعيدا . إنه قريب .. قريب جدا .. أنا لم أنجح في قتله . وهو ..هو لن يغفر لي . لن يغفر.. ما الذي كان علي فعله ؟! هل كان يجب عليّ أن .. أم.. وأولئك البدو .. وقدم الطفلة .. لعله كان علي أن … بويـــــــاااااا .
لا . لا .
لن أروي هذه الحكاية لأحد.

ابو ظبي ـ الموصل
1/3/2007

13 تعليق

  1. كاتبة مبتدئة

    تماما كالرصاصة تخترق الجلود المدفونة تحت غبار التخدير… يوقض ديكك ما دفن في دواخلنا من بقايا انسانية …
    دمت وسلمت كلماتك أستاذي القدير

  2. عمر فاروق عبد الواحد

    أدعو الله ان يرزق حقلنا بديك يخاف الله فيها . دمت متألقاً سيدي العزيز

  3. خضير الحسني

    أراك تشبهه كثيرا..لعل ملامحه أنطبعت في وجهك عبر وساوس السنين..أطمئن ايها المحارب القديم فالضمير ديك كذلك يصرخ فينا كل يوما مذكرا ببرودنا القاتل واستسلامنا كادوات قطعت الكثير من الارجل والرؤوس…لست وحدك من يصيح الديك في رأسه وهو ينام على وسادة من ريشه يحلم بالصباح…أسجل أفتتاني بعالمك الذي ترسمه الذكريات… دمت هكذا انسانا نبيل يحكي لنا عن ديكه الثائر الذي لايختفي…

  4. خليل حلاوجي

    الشمس تشرق على كلّ القلوب، إلا قلبي الذي تحكي قصته … هذه السطور

    .
    فشاع النور في فضاء الإبداع.

  5. السلام عليكم انا طالب في مدرست الاوائل

  6. احب اسلم على استاذ ناهض الرمضاني

  7. القصة جميلة جدا تحكي واقع عشناه ومازال ……………………………………… شكرا

  8. ناهض الرمضاني

    شكرا لكم اصدقائي … لاقيمة لنصوصي لولاكم

  9. فخري أمين

    ناهض أشد على يدك، منذ زمن لم أقرأ نصا بهذه القوة، رغم أن ذلك منك لا يفاجئني، لو أن كل العسكريين يحملون حسك الإنساني العميق لتوقفت الحروب واندثرت من العالم.  أقول لو.. ولو واحدة من قصصك. إنه نص مصنوع من الألم الإنساني الخالص، ومكتوب بلغة جميلة ومقتصدة، ومركبة بكيفية تشبه تداعيات ومض الهواجس والمخاوف والأسئلة ، وهنا يكمن سر تأثيره. صدقني كنت أمسح دموعي وأنا أقرأ 

  10. فخري أمين

    لقد فلت النص مني قبل أن أكمله.. شكرا لانك أيقظت في نفسي هذا القدر من التعاطف الإنساني.. وهي الحرب، أتذكر  عملا مشهديا  قدمه المخرج غانم حميد أول تسعينات القرن الماضي، كان عنوانه الذي ظل في هذايانه يقظا، وهو قراءات مشهدية لقصائد الشاعر عدنان الصائغ، نفذ بمشاركة طلاب أكاديمة الفنون الجميلة، وكان العمل إدانة بالغة وصارخة للحرب، يومها لم  نكن نسمع في القاعة غير النحيب، كنا ننحب جميعا، ولما غادرنا القاعة كانت الدموع في المآقي ما تزال والعيون متورمة من البكاء. أتخيل نصك يمكن أن يتحول إلى فيلم  قصير، سيكون رائعا، بيد أنني من الصعب علي تصور أن من الممكن صياغة هذا العمل بطريقة أفضل مما كتبت، هل تراني مبالغا أو مجاملا لك..؟ أبدا.. هذا ما أحسه أنقله إليك. مع كل الود.

  11. ناهض الرمضاني

    الاستاذ فخري امين المحترم ..

    قارئ محنك مثلك يجبر كاتبا مثلي على اعادة وتمحيص ما يكتب مرارا وتكرارا ….انا احيانا اكتب بسرعة شديدة ..الا ان هذا النص استغرقني 5 سنوات لارضى عنه وانشره على الملأ …. كم يسعدني انك اسمتعت بقراءته …سلامي وتقديري لك

  12. د .محمد صالح رشيد الحافظ

    اصدق تحياتي للأديب القاص والمسرحي اللامع ناهض الرمضاني…
    رغم قلة كتبك في مكتبتي لكن ماقرأته لك وهذه القصة يثبتان على أن مدينة الموصل تزهو بالإبداع ….مع تقديري الخالص…

  13. حسن جودة

    اسلوب جميل ومتمكن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *