الرئيسية » مقالات » علوان الياسين: شعرية السنين في ديوان آل ياسين

علوان الياسين: شعرية السنين في ديوان آل ياسين

alwan_alyaseenالشعر معطى انساني يتخذ من العلائق الاجتماعية مدارا له .. اذ انه مغامرة في تشكيل الكلمة والبناء العضوي والصورة التي هي ( الشكل الراقي للغة الانفعالية والعاطفية التي تصور الكون الخاص ..) كما يقول الدكتور عناد غزوان .. اضافة الى انه اكتشاف ولذة .. فالقصيدة بناء ذاتي لايعبر الا عن عالم الشاعر الشعري ..والصورة هي روح ذلك البناء وكيانه الفني .. كون شاعرية  النص تنطلق من النص نفسه لامن كونها مهارة فنية حسب بل لانها الطاقة الفنية التي تسمى ابداعا .. لذا فالنص الناضج فنيا هو الذي يمتلك شاعريته سواء في الاداء (اللغة الشعرية) أم في الدلالة ( الصورة الشعرية ) أم في الربط بين الالفاظ  في علائق مع بعضها البعض الترابط المنطقي اوالتماسك الفني ..انه كلام موسيقي تنفعل لموسيقاه النفس ويتأثر به القلب كما يقول ابراهيم انيس في كتابه موسيقى الشعر..  وموسيقى الشعر تتمثل في موسيقى الاطار (الخارجية) التي تنحصر في البحور الشعرية التي تضطلع بوظيفة التنظيم الجمالي داخل القصيدة .. وترتبط موسيقى الشعر بمعناه .. لذا فالقصيدة صوت النبوءة كونها وسيلة للكشف والمعرفة .. وهي تدوين موقف انساني مكثف حاصل من تلاقي القيم وصراع تضادها ..
والشاعر محمد حسين آل ياسين في ديوانه (ديوان آل ياسين) الصادر عن دار الشؤون الثقافية / 1984 والذي تضمن مائتي قصيدة توزعت بين عمود الشعر وطليقه والقصيدة والمقطوعة التي انحصرت ابياتها من واحد الى اربعة ابيات..و طليق الشعر كانت حصته ستا وعشرين قصيدة وعمود الشعر كان هو الغالب والسائد .. وعلى العموم كانت قصائده قصائد رؤيا وتجربة .. نظمت  على بحور شعرية مختلفة منها الطويل الذي يصلح لاغراض الفخر والمديح..

حننت بصحرائي لكأسين صاديا
فأجدب ظمآنا فمي وفؤاديا
فرويت من آل الدروب فمي ولم
اجد لفؤادي في دروبي راويا
ورحت امني النفس نبعا فكان لي
سنى آل ياسين هوى وامانيا
واذ ضج بي شوق الظمى لمورد
واشرق لي ارخت : هذا فراتيا    /ص309

والخفيف الذي يتسم بجزالته ورشاقته مما جعله يتسق وسياقات الغزل والوصف..

كيف في قلبي الرقيق اذا ما
كان في حومة من النار يصلى
فأمريه بما تشائين يسمع
فهو عبد وانت للقلب مولى    / ص9

اضافة الى انه عمد الى ابتغاء بحور اخرى كالكامل والوافر والرمل والمتقارب والسريع والرجز ..
لقد كان شعر الشاعر متنوعا فيه القصائد الطوال والقصار وفيه الشطري والتفعيلي لم يترك غرضا الا وطرقه .. كون الشعر عنده  يهتم  بالهم الذاتي الوجودي بكل ما يعتمل في دواخله من تأملات وانفعالات بمعنى الحياة والموت والمرأة والطبيعة..كونه شاعر ولد من خلال المعاناة وظل ينمو وسطها معانقا الواقع وتحولاته .. فقصائده تشكل تجليات التفاعل بين الانسان (الشاعر) والعصر بتحولاته .. وقد بلغ فيه من تفتح الرؤيا والتعبير عنها بالرموز التي هي ( وعاء دلالي يعتمد في صياغة تشكيلية على نسيج المادة الدلالية وطبيعتها اللغوية ودرجة كثافتها الايقاعية ..) فكان ( الحسن والحسين وغيفارا والمخزومي ..) مع اعتمادالصور الموحية والايقاع الحسي فكان تعبيره الشعري تعبيرا عضويا ..

(حسين) وفي طرقات الجهاد ال
تقينا وفي ساحتيه جمعنا
جهاد الحياة لاجل الحياة
وآخر من اجله سوف نفنى / ص56
وقوله:
لح للشعوب التائهات منارا
وانفخ بارواح الرجال النارا
واشمخ على درب الزمان معلما
درس الكفاح القادة الابرارا   / ص150

اما النوع الثاني من الموسيقى الشعرية عند الشاعر  فيتمثل في الموسيقى الداخلية التي  تأتي من التكرار الذي يعد  شكلا من اشكال الموسيقى في النص والتي تتسق  والايقاع العام المتحقق من الوزن والقافية مما يكشف عن مكنونات نفس الشاعر وانفعالاته وعمق احساسه ..كونه سمة من السمات الفنية للقصيدة لتأكيد المعنى وتوسيع الصورة ..

صرت كالريشة الطليقة في الجو
صعودا طورا وطورا نزولا
صرت كالزورق الذي تاه في البحـ
ر طويلا وقد اضاع الدليلا   /ص53

ولتكرار الكلمات وظائف دلالية الى جانب وظيفتها الايقاعية فهي تؤسس لدوام حالة في الزمن مع التأكيد على نوعية هذه الحالة .. اضافة الى ذلك دلالتها التوكيدية للمعنى الذي تحمله .. وهي على اشكال : منها تماثل اللفظان تماثلا تاما .. اذ يتوافقان على المستوى الدلالي والعياني .. وقد يأتي اللفظ الاول معرفة والثاني نكرة .. او احدهما مفردا والآخر جمعا .. ولا تقتصر موسيقى التكرار على الالفاظ وحسب بل نستشعرها في تكرار الحروف ذاتها..
اما قوافيه التي هي مقاطع صوتية تكون في اواخر ابيات القصيدة يلزم تكرار نوعها وهي ترتكز على حرف الروي وهو آخر حرف صحيح في البيت وعليه تبنى القصيدة وتنتسب .. وهي في جوهرها تضيف لحنا الى جوالقصيدة .. وتوحي باشياء وتكرارها يعمق الايحاءات..
فالبناء الفني في قصائد الشاعر لايحمل أي تعقيد في الشكل.. والايقاع يتناغم بيسر مع شيء من الرومانسية ذات الرموز المكشوفة من خلال لوحاته الشعرية.. فخياله يوحد بين الذات والاشياء معتمدا الخلق الذي يمده بالقدرة على تمثل الخواطر في صور حسية ..نفسية..
لقد استطاع الشاعر من خلال ذاتيته ايجاز التفاعل الديناميكي بين الذات والموضوع .. كونه يمتلك طاقة وقدرة تقنية .. فكان رساما حاول الافادة من الحرف والكلمة فخرج عن المألوف ثم بناء قصيدة هندسية تقتل الالفة وتعمق المعنى في ذاكرة المتلقي .. فمزق الانسجام التقليدي في شكل كتابة القصيدة .. من خلال قصائده التي تحمل همه وهاجسه وصبواته التي  تمثل الآخر..

كــــــــــلما اوغلت في دنياك ابحارا بعيدا
لاح لي وجهك من خلف الرؤى حلوا فريدا
ترقـــــــــص الفتنة في انحائه فجرا سعيدا
وظــــــــــلال العيد القت فوقه سحرا جديدا
أأهنيـــــــــــــك.. وما زلت لعيد الناس عيدا  / ص261

ففيض الشاعر ينساب بحس شعري تعبيري تمكن فيه الشاعر من صياغته صياغة دلالية عميقة تعتمد الانفعال والتوتر مع استرسال فني .. فصوره تتعامل مع الفكرة تعاملا مباشرا.. لذا تبدوا صوره بصرية .. حسية مع خلوها من حس درامي يستمد من تفاعل ذات الشاعر بواقعه وتجريدية ذهنية تمنح الالفاظ معنى رمزيا يرتفع باللحظة الى مستوى التأمل .. التي يحددها  استعمال الشاعر لافعاله التي  تدل على الحركة ( شعت ـ طافت ـ اومضت ..) وهذه الافعال جمعت بين الدلالة الحسية والمعنوية مع احتفاظها بمدلولها الزمني ..

من وحي عيدك والخلود سطوري
شعت ومن ومضات نورك نوري
طافت رؤى الذكرى فمار بخاطري
فيضان : فيض هوى وفيض سرور
ملكا علي دنا الشعور فأومضت
بفــــــمي زكيات بنات شـــــــــعوري  / ص116

فالقصيدة عنده بناء ذاتي يعبر عن كونه الشعري..والصورة الشعرية هي روح ذلك البناء وكيانه الفني منتزع من تجارب الشاعر ونظرته الى الكون والوجود المتمثل بالمرئي والمتصور من خلال قدرته على تجسيد المعنى في بنية لفظية يوضحها معجمه الصوري الشعري..
فتجربة الشاعر الوجدانية تمكنت من الموضوعية والتأمل مع تميزها بالصدق وعمق الدلالة كون شعره يقوم على الافكار ويتولد من احوال الاحتضار والتمزق النفسي.. اذ من خلالها تتعمق التجربة وتتسع وتخرج من الجزئية والآنية الانفعالية الى الروحية والرمزية …فهو يتطرق الى غرض الغزل المتسم بالعفة والطهر والذي ينطوي على رقة وعذوبة مع عدم اضماره لوجده ..

يا حلوة العينين فاح شذاك
واستعذب الطير الطروب غناك
الورد بات بجانبيك مصفقا
والعطر انى سرت سار وراك
شهد الهلال بأن ثمة اخرا
ابــهى واسنى منه حين رآك  / ص51

فالوصف الذي هو فن الرسم بالالفاظ ينم عن قيمة جمالية فنية باحضار صورة الموصوف حسيا او معنويا في ذهن السامع ..
اما الرثاء فقد ابدع فيه كونه صادقا فكانت الحكمة التي هي ثمرة التجربة الذاتية والتأمل الواعي منتشرة في طيات قصائده الرثائية .. فهو حين يخاطب المخزومي..

امل في عيوننا ليس يحبو
ايها الملتظي ليسعد شعب
ايها الزارع الضمير منارا
ليجلى ليل ويكشف درب
ايها المستحيل عينا تروى
ظمأ الروح اذ تنمر جدب   /ص289

يسمو على الانفعال الوجداني الذاتي فيؤلف بين الذاتية والموضوعية بلغة واقعية مستمدة من المعاناة لا من الذاكرة .. اذ انه خبرها واتصل بجوهرها فكانت تنثال عليه بالفاظها التي تفعم بالمعنى وتحتضنه وتوازيه .. كونها مرتبطة اشد الارتباط بواقع الانسان والعصر ..  كون الشاعر استفاد من التجربة الحسية وتأثر بها.. اضافة الى انه يختزن الانفعال لحين اللحظة الفنية .. فكانت الفاظه منسابة بانسيابية هادئة وهي تعبر عن افكاره ومعانيه .. وكان ابداعا في رؤيته من خلال انتقاء الكلمة الحالمة .. الموحية الجزلة .. وكان اسلوبه الذي هو الجزء المرئي من شخصيته والخط الذي ينسج عليه الشاعر وهو صورة النفس وارتعاشة الذهن وافرازاته بايقاع يتعدى آلية الوزن .. اذ يستقي الشاعر بنيته الموسيقية من مخزونه الثقافي والمعرفي الذي بوساطته يمنح بعض مفرداته القدرة على الايحاء والتنغيم مع قدرة على شحذ المؤثرات بزخم من الايحاء التراثي .. وهذا يستقطب المتلقي صوبه ..

ان من رائع البيان لسحرا
ومن الشعر ـ لووعيت ـ لحكمه
فهما يهديان من تاه فكرا
ويضيئان نفســــــــه المدلهمه
سل عن الذات ما بدا لك فالشعــ
ر من الــــذات كلمة اثر كلمه

فهو ينبيك عن معين رؤاه
كيف يسخو حبا وعطفا ورحمه
وهو ينبيك ان للذات معنى
ليس كـــل الانام يـــــدرك فهمه   / ص103

ان لطبيعة الموضوعات الشعرية التي كتب فيها الشاعر اثر في تميز شعره من حيث الشكل وطبيعة الاوزان والقوافي والتراكيب واللغة وبناء القصيدة والمضمون والاخيلة والافكار والمعاني .. فالاوزان الطويلة عنده تستوعب العواطف كونها تمتد مع نفس الشاعر لذلك نجد ان اوزان( الطويل والمتقارب والبسيط والخفيف ..) تسيطر على مجموعته .. اضافة الى استخدامه للاوزان القصيرة والمجزوءة بتأثير التجديد ومتغيرات الحياة ..
اما في قصائده الحرة (الطليقة) فهو يلتزم الوزن الواحد مع ابتعاد عن الرمز والاسطورة .. لذا يغلب عليها التقريرية والسردية ..

ولما الح عليك الشتاء
يهيل على جانبك الجليد
وينفذ انسامه الباردة
الى نفسك الغضة الناعمة    / ص230

فالشاعر كلف بالجمال يهفو اليه اذا رآه ويئن من الصبابة والشوق .. فقصائده تصور نوازعه الذاتية تصويرا دقيقا يكشف عن شفافية شعرية ..  وهذا يكشف عن نزوعه الى هذا الغرض الشعري ويؤكد رقته وحسه بالجمال باعتماد لغة شعرية يتحكم فيها الظرف الموضوعي والذاتي .. اذ انه يستعمل اقرب الالفاظ دلالة الى المعنى واوقعها في نفس المتلقي ومداركه..

اقدم فلا وهنت في سيرك القدم
ولا خبا بك يوما روحك الضرم
اقدم ليبصر سفح شامخ كذبا
انى وكيف علوا تشمخ القمم
انى يضج دم بالشعر ملتهبا
وكيف صيغ سنا للخابطين دم

انى ينادي بحق الشعب مهتضما
وكيف يصرخ في وجه الالى ظلموا  / ص140

فمعاني الشاعر تتميز بالسهولة الممتنعة مع ابتعادها عن الرموز كونها اتخذت من الواقعية صياغة بنائية .. اما الصورة الشعرية فقد ابتعدت عن التعقيد والاغراق في الاحالة .. كون الشاعر شاعر فكرة ومعنى وصورة .. فافكاره على تنوعها وتعددها تستمد من الواقع الانساني .. لذا فهو من اتباع المدرسة الاجتماعية ..

يضج فؤادي لهيبا ونارا
وتسفح عيني دموعا غزارا
ولكنني لن ابث الشكاة
لاني رفعت لصبري شعارا   / ص12

فالشاعر يخطط لقصيدته فيسجل حضوره الدائم والواعي المنسجم مع تنامي المؤثرات النفسية والحسية والثقافية والحضارية في مجمل لغته وتعابيره .. فهو يؤكد ذاته عبر الكلمة الشعرية كونه امتدادا زمنيا داخل الوجود ..فقصائده بناء ذاتي منتزع من الوجود المتمثل بالمرئي والمتخيل  من خلال قدرته على تجسيد المعنى في بنية لفظية تحققها مخيلته التصويرية ..

زيتونة الله لم ينبت لها مثل
واقفر الكون لا ارض ولا زحل
صبية لم تشخ والدهر شاخ بها
وشيخة من صباها يعجب الازل
فروعها في ذرى الاوراس عالقة
وجذرها في ثرى بغداد متصل  / ص296

فالشاعر استطاع ان يعادل بين خلق صوره وتجسيد خياله ..فاللون يحتل في فضاء الشعر بعدا دلاليا كون استخدامه يمثل تعبيرا عن حالة نفسية لما له من قدرة ايحائية وبعد فكري .. اذ انه يتحول في القصيدة من (وعي بصري) كما يسميه د. ج. لورنس الى (وعي ذهني) فكانت القصيدة عنده بناء ذاتي يعبر عن عالمه

الشعري وان الصورة هي روح ذلك البناء وكيانه الفني .. مما جعل قصائده تتخذ
امتداداتها من مرتكزها الداخلي وينمو على محورها وتتوالد صورها التي يوظفها الشاعر في الاطار الخطابي لزيادة التأثير الانفعالي..
فالشاعر آل ياسين في ديوانه هذا شاعر يمتلك حسا مرهفا وعقلا منتجا متفتحا استجاب بشكل مميزلكل ما يثير وجده ووجدانه .. لذا كان تأثره بالاحداث مجابا بالشعر الذي يمثل اعمق علاقة بين المعنى مثالا .. فالالفاظ المرتبة بنسق عضوي جوهر الروح الشعرية او الاسلوب الشعري في صيغة خيال جمالي كما يقول الدكتور عناد غزوان ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *