مطر كالبكاء
د.مها يونس
استشارية الطب النفسي– بغداد

إشارة :  غاب عن الادب العراقي النص التأملي .. نص المكان الذي يراجع المعاني الرمزية والنفسية لمكوّناته .. بدءا من العنوان الذي يذكرنا بخيبة أبي الطيب .. وحسب (مها يونس) تتواشج أطروحة دموع السماء مع طباق دموع العراقيين المسحوقين لينتجا تركيباً جديدا ( حسب الجدل الهيغلي ) .. مطرا جديدا لم يعتد العراقيون على طعمه ..

وأنهمر مطر بغداد الخريفي مدراراً على غير موعده ، وقبل أوانه وهو الزائر العزيزالذي تندر زياراته ، وإن جاء فعلى خفة وسرعة يلملم أذياله قبل أن يثقل على البيوت والأجساد .
ولمن خبر البلاد من قبل , يعرف جيداً هذه القشعريرة الجميلة التي يبعثها الرذاذ المتطاير من السماء الرمادية ، ورؤية الناس في أنزعاج بريء وهرولة هنا وهنا يلفهم الندى والبلل اللامؤذي بل الممتع والذي تعقبه متعة الدفء البيتي والشعور بالأمان والجفاف ، ومع شراب ساخن يتامل الناس مطمئنين ومن وراء زجاج النافذة منظر الماء ونصاعة اخضرار الأشجار ونظافة أسفلت الشارع .
هنا في هذه العاصمة الثكلى يتخذ المطر موجات أخرى لا تشبه مدن العالم ويغدو منظر المطرمختلفاً عن مدن العالم المطمئنة رغم ندرته ورقته إذ يظهر كبكاء وحش عملاق  يجلد اكتاف المارة ، ويكسي أقدامهم بالوحل ,
يمتزج بمياه البلاليع النتنة المتقلبة الوانها بين الأخضر والأسود في مستنقع كالح يغمر الأرصفة التي كانت يوماً ما نظيفة .
في مكان ليس كبقية الأمكنة يتوسط الجهة الخلفية من المستشفى التعليمي الكبير قرب السياج المحيط بموقع (ثلاجة الموتى ) يبدو المطربنسخته العراقية جلياً يتساقط على روؤس النساء الباكيات , صراخهن يعلو ويخفت ردهة ليعلو مرة أخرى مترافقا بالندب وضرب الصدور ، وقد أفترشن الأرض الموحلة الباردة ، ووقف الرجال على جانب منهم يشدون الحبال حول التابوت الخشبي يعتلي سقف السيارة .
يبكي بعضهم بصمت ويصمت البقية في وجوم ، ويبدو المشهد أبعد ما يكون عن رومانسية المطر وشفافيته ، وكأنه يكمل رسم الصورة الحزينة ، ويزيد في محطات (البهذلة)العديدة التي تنتظرهم في الطريق يصبغ بالطين أطراف عباءاتهن دائمة السواد ,أو جلابيبهن المتسخة الحوافي دائماً يختلط المطر بدموعهن دون أن يخفف وطأة الحزن الثقيل الطاغي على كل ما يتحرك ولا يتحرك .
النادبات بللهن المطر والدموع ، وغمرهن هذا الشعور الموحش بقسوة الوطن والبشر والطبيعة وعيونهم تترقب الطريق الى المقبرة الوجهة المألوفة لدى العراقيين بأختلاف أوساطهم الأجتماعية , يظهر من لوعة الصراخ وشدته أن الفقيد ما زال في عمر الشباب وقد يكون على الأغلب مغدوراً.
مطر مطر مطر, أنشد السياب يوما قصيدته الخالده عندما كان مطر العراق لا يشبه مطر هذه الأيام الذي لا يصنع القصائد والحب والجمال بل بداهنا وكانه ستارة خلفية للمشهد الجنائزي اليومي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة :  من الأدب الساحر: هواش والقطط ..!! .

  جرى حجز محمد أبو هزاع هواش في مستشفى للأمراض النفسية، بناء على طلب زوجته …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *