خضر عواد الخزاعي : رواية “ابن السماء” للروائي المغربي مصطفى لغتيري؛ النص السردي في ورشة التجريب

????????رواية “ابن السماء” للروائي المغربي مصطفى لغتيري هي من روايات “Novel” الروايات القصيرة، صدرت في العام 2011 عن دار النايا في سوريا وهي التجربة الخامسة للروائي مصطفى لغتيري في مجال السرد الروائي، في البداية نتعرف على “ابن السماء” بطل الرواية “النحس” كما يطلق عليه الكاتب في مفتتح الرواية لصعوبة مطاوعته لأفكار الكاتب لما يقارب العشر سنوات من فكرة مشروع الرواية، وهو يصارع من أجل البقاء وسط بحر هائج، تنتابه حالة من الاستذكار تقوده إلى ماضٍ بصور متشابكة لا يظهر منها للقاريء غير حالته النفسية التي تتجاوب مع تلك الصور المبهمة ” تحضر صور مبهمة على شكل شريط متسارع الأحداث أمام بصره، يقاوم ببأس رجل جرب كل أنواع المآسي والمشاق، لكنه في الأخير يستسلم لعاطفة قوية تخترقه، فينخرط في النشيج، يبكي بصوت مرتفع، وكأنه بذلك يحرض الأقدار لتتعاطف معه، وتنقذه من هذا المصير المؤلم الذي ينتظره ص2″.
نحن هنا إزاء منجز روائي هو أشبه بمشروع الإعداد لشخصية خارقة، لكنها يجب أن تكون لينة بالنسبة لوجهة نظر الكاتب، ليتمكن من إدارتها بالطريقة التي يراها مناسبة، وبالتالي فالرواية تبدو وكأنها مخطط أوّلي لرسم الملامح الشخصية لبطله السردي، والخطوط العريضة للنص السردي بما يمكن أن نطلق عليه ” Workshop narrative Industry ” ورشة العمل السردي أو صناعة السرد، وهيّ مهمة ليست باليسيرة، فمجرد التفكير بإن مشروع كتابة منجز سردي سيدخل ورشة عمل فني، فذلك يعني إن كاتبها سيخوض في معترك التجريب والابتكار، وهذا يعني تجاوز كل القيّم التقليدية المألوفة والمتعارف عليها، وفي هذا العمل حاول الكاتب مصطفى لغتيري ان يصنع بطلاً اسطورياً في واقع حقيقي بائس وهو المغرب العربي ابان فترة الاحتلال الفرنسي، وهو أسلوب يبدو جديداً في عالم الرواية العربية، وإن كان قد وجد له مجالا خصباً على خشبات المسرح العربي، منذ بداية السبعينيات في القرن الماضي، وفي هذا النص السردي الذي بين أيدينا يفرض السارد حضوره منذ السطور الأولى للرواية، ليتدخل بين الحين والآخر في مجريات السرد، لا لينبهنا فقط، بل ليحاول أن يقود أحداث وشخصيات روايته بالطريقة التي اختارها لها، ” ما إن أوصلت البطل إلى هذه اللحظة المؤلمة،و وضعته في هذا الموقف الحرج ، حتى وجدت نفسي مرة أخرى عاجزا عن إنقاذه، حتى أتمكن من الاستمرار في كتابة الرواية. ألم أخبركم من قبل بإنه بطل نحس؟. ص3″.
أهم مايميز شخصية ابن السماء انه شخص بلاجذور” لا ماضي له” ليس مهماً أن نعرف من أين جاء به السارد بقدر ما سنتعرف على ما سيقوم به هذا الشخص”ابن السماء” الذي اختار له السارد ظرفا زمانياً ومكانياً في غاية الدقة ليناسب الإطار الميثولوجي الذي سيضعه فيه، حيث اختار له قرية نائية، ليكون هذا الظرف مُبرراً، بالنسبة للقاريء أيضاً، رغم إن الشخصية تبدو ملتبسة بعض الشيء حتى مع امكانية السارد التجريبية، في خلقه وابتكاره، لأنه سيكون هناك حتما سؤال بحاجة الى جواب من أين جاء هذا mostafa leghteriالشخص الغامض؟ وبعد طول بحث يتوصل السارد الى حل واقعي وتقريبي، بأن يجعل منه روح قد صعدت السماء الدنيا بعد موت صاحبها وتلبست في أحد الاجساد التي يجب أن تكون شبيهة له، ومن ثم لعدم توافق تلك الروح وانسجامها بالعيش مع أهل تلك السماء يتم التخلص منه” لقد قضى هذا الرجل في السماء الدنيا زمنا طويلا، ولكنه لم يتكيف مع الحياة في ذلك المكان، ولأنه نحس مع أنه إنسان طيب، فقد تسبب في مشاكل عدة وأصاب رفاقه بكثير من الإحباط. حتى أن جماعة من الناس الطيبين اتفقت مع بعضها البعض، وقررت أن ترفع ملتمسا إلى الله كي يخلصهم من هذا الشخص المزعج، الذي لا يمكن التوافق معه في شيء، وبعد إلحاح كبير ودعوات من المؤمنين الصادقين ليل نهار، قرر الله أن يخلصهم من هذا الرجل، وهكذا انفتح باب السماء الدنيا، وتم قذفه إلى عرض البحر. ص5″. لتبدا الرحلة الحقيقية لهذا الرجل في تلك القرية، ولأنه شخصية اسطورية في الكثير من بنائها وخصوصياتها فعلى السارد أن يجد له ما يماثله في أرض الواقع، فيختار له أسرة في كثير من وجوهها تبدو وكأنها صورة مقاربة لقصة نبي الله “شعيب” وهذا ما يذكره السارد، ليمضي بمهمته مع بطله إلى أمام، بما يسميه ب”التناص” .
مع الأسرة الجديدة المكونة من الأب ادريس وبنتيه لؤلؤة وسلمى، تنفتح الرواية على آفاق جديدة، فيها الكثير من الثراء الفلكلوري والتراثي والمعماري للمغرب العربي، وفي هذا الجزء يبدأ تغييب شبه قسري لشخصية البطل الذي اختارت له الاسرة أسم”ابن السماء” بعد اصرار الرجل بانه قادم من السماء، وبعد زواجه من لؤلؤة أحدى الشقيقتين اللتين عثرتا عليه قرب البئر، وهيّ أسرة منبوذة بسبب تأريخها غير المشرف أخلاقياً بالنسبة لأهالي القرية، حيث يكون هذا من الدوافع التي حتمت على الأختين التفكير باستثمار ابن السماء بطريقة اسطورية لخدمة ما تخططان له من مآرب قادمة، حين تتحول رؤيا بسيطة تراود لؤلؤة وهو زيارة زوجها إحد الأضرحة المقدسة، والتي يفشل في القيام بها، بعد تعرضه للسلب، تتحول هذه الرؤية، إلى فكرة لمشروع ضخم لإقامة ضريح مقدس على تلة مشرفة على القرية باسم ضريح “ابن الساكت” الاسم الجديد لابن السماء، والذي عليه أن يناسب الدور المستقبلي لمشروع الأختين سلمى ولؤلؤة، في صناعة أكذوبة تتماهى مع حالة الجهل التي يعيشها سكان القرية والتي تتحول في وقت لاحق إلى قرية” الولي ابن الساكت”، وهذا المشروع الاستثماري الديني كان بمثابة طوق النجاة للسارد الذي يحاول أن kh mostafa leghteriيجعل من القرية مكاناً أثيراً لأحداث روايته ويحد من حركة بطله” لم تفرح عودة ابن السماء زوجته فقط، بل أدخلت السرور على قلبي أنا كاتب هذه الرواية كذلك، فالأمور تعود إلى نصابها ،ومجال القرية المحدد بين جنبات القرية يتيح لي التحكم في مجريات الأحداث أكثر. فمنذ البداية – وكما سبق لي أن قلت ذلك – وطنت نفسي على أن تكون القرية الفضاء الذي تجري فيه أحداث الرواية.ص47″.
مع بداية الفصل السادس تأخذ الرواية منحىً جديداً بعد بروز الدور المؤثر للؤلؤة وولادتها لأبنها البكر ادريس ووفاة أبيها، وسيطرتها مع شقيقتها سلمى التي تتزوج أيضاً من علال أحد زوار الضريح من أجل شفائه، على الضريح واستقطاب الزائرين له ومن ثم بداية ثرائهما الفاحش، مُستخدمات في ذلك الكثير الحيّل والدهاء في استغفال عقول السذج من أهل القرية والقرى المجاورة، مع مرور الأيام يتحول ضريح “ابن الساكت” إلى سلطة مخيفة تمسك بها الشقيقتان لفرض نفوذهما على الناس لتحاولا معا استرداد الكثير مما سلبه منهما أهل القرية لوضاعة قدرهما، بامتلاكهما الأراضي والدور والدكاكين التجارية واستثمار تعبيد الطرق لخدمة مشاريعهما التجارية بالتواصل مع المدنية ومحاولة مد نفوذهما الى هناك، من خلال العلاقة الناشئة بين الضابط الفرنسي روبير المسؤول العسكري ولؤلؤة، لتحقق من خلاله رغبتها في انشاء مدرسة للقرية، وكذلك ارسال ابنها للدراسة في فرنسا، وابعاد علال زوج سلمى من القرية بعد أن أصبح مسؤولها الأمني ليخلو لها الجو، في توسيع نفوذها التجاري من خلال إقامة بيت للدعارة وسط القرية مُستغلة زيارة الفتيات اللواتي يعانين من مشاكل كثيرة اجتماعية ونفسية واقتصادية، في مشرعها هذا.
في هذا الجزء كان يمكن للرواية ان تأخذ مديات أوسع، خصوصاً بعد انتشار حالة الغليان ضد الوجود الفرنسي في المغرب، وعودة ادريس الى أمه بعقلية متنورة جديدة، فاجئت الضابط الفرنسي، لكن السارد مصطفى لغتيري يفاجئنا بنهاية الرواية وهي معلقة على أكثر من نهاية وكل نهاية كانت ستحتاج الكثير من الفصول لإثرائها.
رواية”ابن السماء” للروائي المغربي مصطفى لغتيري، من الروايات المهمة التي حاول الكاتب فيها الكاتب التأسيس لنوع جديد من البناء السردي، يعتمد التجريب Experimentation””، والقطع الممنهج لذائقة المتلقي، ليقدم لنا نص سردياً، فيه الكثير من الأسطورة والواقعية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : هموم نقدية “الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” .

“الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” الجملة أعلاه قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في …

| طالب عمران المعموري : تراسل الحواس  في قصيدة (حنين) للشاعر ناهض فليح الخياط .

ملامح ترسم جماليات القصيدة بصور شعرية مصدرها الخيال الخصب لإنتاج صور شعرية رائعة، يبين الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *