حيدر علي سلامة** : الترجمة ونسيان الوجود قراءة في ملف “اشكالية الترجمة” في مجلة ذوات*

haidar ali salama 2نشرت مجلة ذوات في عددها الثامن محورا خاصا بعنوان “الترجمة في الوطن العربي أي جسر لحوار الثقافات!؟” بهدف رصد تاريخ وحركة الترجمة في الوطن العربي وتتبع أثريات التراجع المتضخم في “عملية الترجمة” عامة وعلاقتها بالمؤسسات المسيطرة والمهيمنة على بنيتها ونظامها خاصة. في هذا العدد المخصص لمناقشة واقع تردي وتراجع الترجمة في الوطن العربي، سعت “مجلة ذوات” الى خلق جملة من المقاربات المعرفية بهدف جعل الترجمة جزء لا يتجزأ من تاريخ الحوار الثقافي والتعارفي والتواصلي بين الأمم والشعوب، ايمانا منها بأهمية عملية الترجمة في اخراج الذات من “تمركزها الهوياتي” لإعادة اكتشاف هويتها ولغتها ولسانها من خلال انفتاحها على “آخرية الآخر” المغايرة لكينونة الذات المتطابقة مع موروثها الثقافي والحضاري الثابت والقار في لا شعورها اللغوي والذهني والثقافي.
من هنا جاء العدد حافلا بدراسات ورؤى وتصورات سلطت الضوء على واقع واشكالات تاريخ الترجمة في الوطن العربي، سيما وان العدد اشتمل على نخبة مميزة من الأساتذة والمفكرين المنهمكين والمشتغلين في “ورشة عمل الترجمة” سواء على مستوى ترجمة النصوص الأجنبية الى اللغة العربية او على مستوى الدراسات الأدبية والتاريخية والأنثروبولوجية التي تركزت اعمالها على رصد الواقع التفاعلي والحضاري للترجمة في تاريخ الأمم والشعوب.
عند مطالعتنا لمجلة ذوات في عددها المخصص عن واقع الترجمة في الوطن العربي، نجد ان مفهوم الترجمة قد تم تحديده وتعريفه ضمن “مقولات معيارية ضيقة” بل ولا تاريخية في احايين كثيرة، وهذا انعكس سلبا على طبيعة طرح مشكل الترجمة في الوطن العربي من جهة؛ وبنيتها الفلسفية من جهة أخرى. لهذا جاءت اغلب التعاريف لمفاهيم الترجمة/والمترجم/والنص المترجم بطريقة تقليدية لا تتفق وواقع التحولات والانعراجات التي شهدتها الترجمة على كافة المستويات المعرفية بدء بالفلسفية والمنطقية وانتهاء باللسانية والتواصلية. فلم يعد بمقدورنا ونحن نناقش ونحلل الواقع المأزوم للترجمة الاعتماد على كليشيهات جاهزة تعتبر ان الترجمة هي مجرد: ((القدرة على نقل الكلام، اما حرفيا او بتصرف من لغة الى أخرى دون زيادة او نقصان، بما يحقق للقارئ او السامع فهم النص المترجم كما يفهمه قارئ النص الأصلي او مستمعه)) (مجلة ذوات، ص 12).
لا نعتقد ان مفهوم الترجمة المطروح في النص أعلاه، كان كفيلا لتأسيس مدخلا معرفيا مناسبا لمناقشة مجمل الاشكالات الراسخة في تاريخ الترجمة في خطابنا الثقافي عامة واللساني والتعليمي خاصة. ربما كان من الأنسب ان يتم اعتماد مقدمة فلسفية وأبستمولوجية ولسانية دقيقة توضح للمتلقي: معنى الترجمة في الفلسفة؛ والخطاب اللساني؛ وأثرها في بناء وتشكيل وتنمية القدرات الذهنية واللغوية عند الانسان، وبالتالي إعادة العلاقة المفقودة بين فعل الترجمة وفعل التواصل غلاف مجلة ذوات النصف شهرية (2)الاجتماعي والسوسيو-لساني والسوسيو-ثقافي. بل على العكس، ظلت هذه العلاقة مفقودة ومهمشة على مدار صفحات المجلة برمتها، ربما يعود هذا في أحد اهم اسبابه الى اعتماد “سياسة استدلالية ومعيارية واسلوبية مبرمجة ومسستمة” في اختيار المفاهيم التي يجب اعتمادها ومناقشتها وتحليلها في هذا العدد المخصص عن واقع الترجمة في الوطن العربي. نتيجة لذلك، جرى تناول إشكالية الترجمة بالاستناد على مفاهيم عامة ومعروفة سلفا عن تاريخ/وعمل الترجمة والمترجم. وخذ مثلا ان: ((…الترجمة ليست علما يخلو من الذوق والفن بل هي علم وفن وذوق، له خصوصيات وآداب معينة وعلى رأسها ان يتحلى المترجم بالأمانة العلمية اللازمة، حتى ينقل ما يرغب الكاتب في ايصاله الى القارئ، لان الهدف والغاية من الترجمة هو التواصل ونقل المعرفة بكل ابعادها بأمانة ودقة وصحة. ومع ذلك، فالترجمة بشكل بحت ليست مجرد نقل كل كلمة بما يقابلها في اللغة الأخرى بل نقل لقواعد اللغة التي توصل المعلومة، ونقل للمعلومة ذاتها ونقل لفكر الكاتب وثقافته واسلوبه أيضا.)) (المصدر نفسه، ص، 12).
عندما نتأمل في النص أعلاه، نلحظ كيف انه طرح مجموعة من اهم إشكالات الترجمة اللسانية والأبستمولوجية واللغوية بل انه عرج أيضا على نظريات فلسفة اللغة والعقل في الفلسفة الغربية. لكن بسبب غياب الطرح الفلسفي/واللساني لم يتحقق تفعيل مباشر لتلك المفاهيم لتبقى مجرد مفاهيم عامة تكاد ان تنفصل عن مفهوم ازمة الترجمة والمترجم. ألا ينبغي علينا ان نتساءل هنا عن أي شكل من اشكال التواصل تكلم النص؟ وما هو بالتحديد موقع ومفهوم النص المترجم في عملية التواصل؟ وماهي قنوات التواصل التي تجمع بين كل من: النص المترجم والترجمة والمتلقي؟ وهل أن فعل التواصل هو فعل متصل ام منفصل عن سياقاته الثقافية والتاريخية؟ وهل هناك ثمة علاقة بين فعل التواصل والبلاغة والمتكلم؟ وكيف يمكن اكتشاف العلاقة بين المعرفة والتواصل والترجمة؟
نعتقد ان هناك ازمة ابستمولوجية ولسانية في فلسفة الترجمة سابقة على ازمة الترجمة في الوطن العربي. بمعنى آخر، انه لا يمكن لنا الفصل بين الازمة المؤسساتية للترجمة وبين الازمة الأبستمولوجية والثقافية والاجتماعية لبنية ومفهوم ووظيفة الترجمة. وإذا حصل مثل هذا الانفصال سوف يجعل من أي طرح لإشكالية الترجمة في الوطن العربي مجرد “كليشيهات انشائية وتاريخية” تعمل بمنطق التقارير والاحصاءات العالمية لظاهرة تردي وتراجع مستوى الترجمة في البلدان العربية مقارنة بالبلدان الغربية.
ولنتوقف قليلا عند هذا المقال المعنون بـ ” الترجمة العربية واشكالية الذات والأخر مقاربة في إعادة توجيه الجدل” نجد ان المقال لم يتجاوز لغة الإحصاءات والمؤتمرات في تشخيص ظاهرة العجز التاريخي في الترجمة العربية. في حين كان الحري بلغة المقال ان تعيد النظر في الإشكالات المطروحة بمعزل عن الأطر الانشائية والاحصائية الجاهزة والمتداولة في تقنيات التواصل الالكترونية والمعلوماتية. علما ان إشكالية الذات/والآخر، هي إشكالية فلسفية في حد ذاتها، فما بالك عندما ترتبط بمقاربات اللغة والترجمة والتواصل؟
بالطبع، القضية هنا تقع خارج منطق “مع أو ضد” الاستشهاد بالإحصاءات والمؤتمرات للإشارة الى واقع الترجمة في الوطن العربي. بقدر ما تتعلق بالوقوف بالضد من عملية تحول المتن الى هامش والعكس صحيح أيضا. فمن غير المعقول ان يبدأ المقال احصائيا لينتهي مؤتمراتيا، دون ان يضع أي مقدمة معرفية وفلسفية تعيد النظر على الأقل بإمكانية وجود ذات حقيقية ومتلقي على ارض الواقع قبل ان تنتقل الى التناول الاحصائي لمفاهيم الذات/والآخر/والترجمة، فمثل هكذا مقدمة لها ضرورة واهمية في اعتماد أسس علمية ونقدية لغرض تشخيص واقع تردي الترجمة في الوطن العربي. فالتردي هنا لا يمكن حصره فقط في ناحية الكم وتراكم انتاج الترجمة، بل ان واقع “تردي” مناقشة وتحليل فلسفة الترجمة وعدم إعادة النظر بمفاهيمها وفق مناهج العلوم الإنسانية واللسانية والاتصالية قد يساهم هو الآخر ويعزز من استمرار تخلف “منطق الترجمة” في الوطن العربي. فكل ترجمة منفصلة عن الوجود لاوجود لها على الاطلاق حتى وان تكاثرت وتوالدت الى ما لانهاية.
لهذا، نحن لا نتفق مع النص الذي يبدأ بالإحصاءات وينتهي بالمؤتمرات ويختتم بالتوصيات، نحن نسعى الى تأسيس منطق “اسلوبيات راديكالي جديد” في تناول إشكالات الترجمة يبعدنا ولو جزئيا على الأقل عن “لغة الوجبات الانشائية السريعة “وعليه نحن (نتحفظ) على اتباع لغة انشائية واحدية في معالجة الإشكالات الثقافية خاصة كإشكالية الترجمة، التي جرى تضييقها بعدد: ((…المؤتمرات والندوات التي كرست مؤخرا لمناقشة حال الترجمة العربية المعاصرة. [حيث] كان النقاش يخوض في أسئلة البحث عن تلك العلل، وانشغل جزء كبير من تلك الاسئلة في تعداد اشكال المعوقات السياسية والاقتصادية والثقافية، فيما انخرط جزء آخر منها في تعليق الأسباب على شماعة ما يمكن تسميته بـ”غياب الأسس الحضارية للتقدم” ؛كالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وعزا قسم آخر مرد ذلك الى غياب ما يعدونه “الأيديولوجيا اللازمة للتطور “؛كالليبرالية والعلمانية ،في حين انهمك نوع آخر من تلك الأسئلة في حيثيات عملية الترجمة ذاتها؛ وكل ما يتصل بها من عناصر مكونة ؛ كالمترجم واللغة المترجم اليها ،ودور النشر و آلية انتاج وتوزيع ،واشكاليات القراءة والتلقي وفئات القراء. حتى ان بعض تلك الاسئلة حمل اللغة العربية مسؤولية العجز والتقصير في كونها احدى معيقات الترجمة الحديثة.)) (مجلة ذوات، صص17-18).
بهذه الطريقة الوصفية وليست -التحليلية-حاول المقال ان يغطي أكبر مساحة ممكنة لمناقشة قضية الترجمة في الثقافة العربية مستبعدا كافة الأطر اللسانية والنقدية اللازم توفرها ضمن كل ثيمة جاء عليها النص أعلاه. واللافت في الموضوع ان كاتب المقال هو من المختصين البارزين في الدراسات النقدية والنظرية الأدبية وله دراسات ومقالات معروفة في هذا الخصوص، لكن لا نعرف لماذا توقف الكاتب عند حدود الوصف الانشائي؟ ولماذا يفصل بين اختصاصه الدقيق وبين البعد التطبيقي الممكن تفعيله على اشكالاتنا الثقافية الراهنة؟ ولماذا يظهر حرص الكاتب في اظهار مهارات اختصاصه عندما يتعلق الامر بالفكر الفلسفي/والادبي الغربي، ويغيب ذلك الحرص مع إشكالات واقعنا العربي؟ ولنفترض جدلا ان موضوع الترجمة قد جرى طرحه في السياق الغربي، فهل سيتوقف الكاتب عند حدود اللغة الوصفية/الانشائية المفرطة بالتبسيط والتصغير؟ ولماذا تم فصل ازمة الترجمة العربية عن ازمة طرق ومناهج الكتابة عنها؟
هكذا سيطرت “اللغة الاستدلالية العامة والمطلقة” على مجمل مقالات وبحوث محور الترجمة في الوطن العربي في مجلة ذوات. حيث نلحظ “وحدة وجود كونية في اسلوبيات الكتابة” التي جاءت على وتيرة واحدة من حيث الطرح والوصف والاختزال الى جانب الركون الى لغة “قوموية ميتافيزيقية” تشتت لغة نسيان الوجود بين الترجمة والعالم. والمتأمل في طبيعة الأوراق المقدمة في هذا المحور، سيلحظ انها انطلقت جميعا من التسليم بمبادئ أولية مطلقة للترجمة: التاريخ التقليدي؛ الحضارة الإسلامية؛ مبدأ الكونية والعالمية في الترجمة، دون محاولة تفكيك تلك المبادئ التي عملت على حجب ونسيان حقيقة الوجود وحقيقة الدازاين-في-العالم. وذلك لان الجميع لم يكن مهموما به بشكل كاف، بل ولم ينتقل بعد الى مرحلة التفكير فيه على الاطلاق. فعندما يتعلق الامر بمناقشة وتحليل ازمة الترجمة في العالم العربي التي تعكس ازمة الدازاين/الوجود العربي الإنساني وانحسار وجوده واستلاب كيانه في ظل صعود مؤسسات الترجمة الجديدة التي نجحت في مأسسة الوجود بأنظمة لسانية ومعرفية ولغوية شكلانية وقبلية تحاول ان تعيد التوزيع الجغرافي “للدازاين” العربي وبما ينسجم وسياسة الترجمة الجديدة او قل ان شئت وكولونيالية الترجمة الميتافيزيقية الجديدة.
بالطبع مثل تلك الإشكالات الفلسفية لم تأت عليها المجلة. هذا على الرغم من الإشارات المتقطعة الخاصة بالبث النقدي لعمل تلك المؤسسات الجديدة هنا وهناك، الا انها لم تكلل بورقة بحثية نقدية واحدة تأخذ على عاتقها مناقشة فلسفة مؤسسات الترجمة الجديدة المنبعثة من الرماد، فلا يمكن الاكتفاء بوصف قادة المؤسسات الجدد بـ «هواة الترجمة” وبكونهم ليسوا من المحترفين!؟ وهل من الممكن التوقف عند حدود اللغة القوموية الميتافيزيقية لاستعادة دور واهمية الترجمة في الثقافة العربية؟

حركة الترجمة العربية: من بيت الحكمة الى مشروع الكلمة

لمحنا في هذا العدد تأكيدا مستمر يكاد ان يصل الى حد اليقين، على وجود مؤسسات جديدة ترعى واقع حركة الترجمة في الوطن العربي، وعلى الرغم من أهمية تلك المؤسسات في نقل كثير من أمهات الكتب العالمية الى لغة الضاد، الا ان الواجب يقتضي منا أيضا ان لانهمل كثيرا من المحاولات الفردية الجادة والطامحة التي تشتغل بمعزل عن تلك المؤسسات وعن أي مؤسسات أخرى. نقول محاولات فردية لأنها لم يتم احتضانها منذ سنوات بل حتى اسبق على ظهور هذه المؤسسات التي تدعي انها راعية لوجود الترجمة العربية اليوم.
والشيء المحزن في مجلة” ذوات ” هو انها وجهت اهتمامها صوب “عمل المؤسسات النخبوية في الترجمة “سواء الخليجية منها او العربية الأخرى، في حين انها استبعدت تماما الجهود الفردية المبذولة وبدون أي مقابل يذكر. فلماذا تم السكوت عن هذه الجهود المهدورة؟ ترى الا ترتبط بواقع حركة الترجمة العربية عامة؟ الا تتوفر ترجماتها على مهارات فلسفية وادبية ما يؤهلها للاعتراف بها؟ والى متى تبقى كتاباتنا متمركزة على عمل المؤسسات النخبوية ولا تنتبه الى حركة الترجمات الفردية التي تبثق من هنا وهناك؟
واللافت في الموضوع أيضا، ان اغلب الدراسات المقدمة ظلت مهتمة في التأريخ للترجمة منذ العصر الذهبي الإسلامي، دون ان تؤرخ لواقع حركة “الترجمة الشبابية الجديدة “التي لم تحتضنها حتى المجلات المحكمة والمواقع الثقافية المدعومة رسميا من قبل مؤسسات الترجمة الصاعدة والمهيمنة اليوم. كنا نأمل ان يتم تخصيص ولو مقال واحد يحاول ان يغرد خارج السرب، ليناقش واقع الترجمات التي تنشر في مواقع الكترونية وتسرق بطرق مختلفة وغرائبية وعجيبة، عوضا عن الافراط بمقالات غلبت عليها السمة الانطباعية والذاتية اكثر من السمة التحليلية والنقدية -باستثناء مقال الترجمة في الوطن العربي… ووهم العصر الذهبي-الذي سلط الضوء على قضايا نقدية ولسانية في بنية ولغة الترجمة.
ربما كان لغلبة “اللغة الكونية والقوموية والما بعد حداثوية” على كثير من المقالات المقدمة، الاثر الكبير في تجاوز ارهاصات شبابية كثيرة تبشر بغد أفضل لواقع الترجمة في الوطن العربي، لان منطق الحراك الثقافي والتواصلي للترجمة لا يمكن اختزاله وتحديده فقط ضمن عمل المؤسسات الرسمية والنخبوية بالضرورة. فمنذ متى كان النخبوي والرسمي هو تاريخي وثقافي؟ ومن المعروف أنه يعمل على الدوام وفق منطق الربح والخسارة والطبقية وسيادة النزعة الاستعلائية على “الروح الفردية الخلاقة”، فهو يعمل بالضد من كل ماهو تاريخي ونقدي بالضرورة؟ لهذا علينا ان نتوقف قليلا امام البنى الخفية المتحكمة في عملية اختيار وترشيح النصوص من اجل الترجمة والنشر والسؤال عن مدى راهنتيها واهميتها وأهليتها لتأسيس حركة ثقافية وعلمية نقدية جادة؟
فالترجمة هنا لا يتحدد وجودها وحركتها في مدى صلتها المباشرة “بالمأسسة المركزية الدولانية الصاعدة” فحسب، بل يجب ربط عملها بما تختاره وترشحه من نصوص للترجمة، والذي يعمل بالتالي على إعادة مساءلة “عملية تشكيل القرار” decision making process الثقافي والاجتماعي في المؤسسة الاجتماعية. لأننا لا يمكننا ان نفصل بين عمل مؤسسات الترجمة وبين الحركة الاجتماعية والثقافية والسياسية. إذ أن هناك ثمة “تلازم أيديولوجي” بين كل من: تاريخ صعود وانبثاق هذه المؤسسات؛ وتحولات الخطابات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ ومن ثمة، مع بنية اختيار الكتب المرشحة لغرض الترجمة والنشر.
فاختيار مؤلفات بعينها يمثل في واقع الامر سيادة لأيديولوجيات بعينها، حيث يجري تثبيت وترسيخ هذه الأيديولوجيات بواسطة أنظمة النشر الثقافية/والميديائية الداعمة لفلسفتها وتوجهاتها والمنتشرة بطرق مرئية ولا مرئية. وبطبيعة الحال ان قضية التكاثر والتوالد لهذه المؤسسات لا تختصر فقط على الهيمنة والسيطرة على مراكز الترجمة، بل ان الا مر يتعدى ذلك بكثير، فهناك مراكز ثقافية ومجلات محكمة وشبكات عنكبوتية وما شابه، سخرت جميعها لخدمة أغراض تلك الأيديولوجيا. وعليه فأن واقع “المنشور الثقافي” الذي تنتجه تلك المؤسسات يعبر بالضرورة عن “الرؤية الواحدية” للقائمين عليها ولا يعبر عن رأي الكتاب الذين يديرون عمل هذه المؤسسات. لهذا تجد كيف ان أنظمة نشر المقالات والدراسات والترجمات تخضع جميعا لمبدأ المبادئ الواحدي القابض على ناصية طريقة عرض المفاهيم وتوزيع المحاور الثقافية وإنتاج اشكال “كتابية ميكانيكية” ومتطابقة من حيث تداول المفاهيم وتناول الإشكالات التي تتحول الى مجرد انطباعات وتأملات ذاتية ما ان تطبع وتنشر في كتب ومؤلفات فردية او جماعية من جهة، او في مواقع الكترونية ثقافية وورقية من جهة اخرى. وهنا يتكرر أيضا مشهد اقصاء “الخطاب الشبابي النقدي الجديد” بعدما جرى اقصاءه واستبعاده من دوائر وحركة الترجمة في الوطن العربي. فالملاحظ على طبيعة المنشور الثقافي اليوم، انه يولد وهو مزود بنظام قبلي يتألف من عدد محدد من الكتاب يسبق وجودهم الحتمي على كينونة المنشور الثقافي وثيماته واشكالاته. وقد شكل هذا النظام القبلي احد اهم الأسباب الرئيسية في اقصاء جهود نظام الشباب البعدي والمتشكل في كينونة التجربة الحيّة. لهذا نجد ان هناك ثمة تداخل بنيوي بين المؤسسات التي تصنع الترجمة وبين ظهور المؤسسات الثقافية والميديائية التي تشتغل على ثيمة واحدة ومتطابقة تتمثل في قضية الخطاب الإسلامي ومواجهة ثقافة الحداثة ومابعد الحداثة في الفلسفة الغربية.
من كل ما سبق، نرى ان محور “مجلة ذوات” المخصص لمناقشة وتحليل حركة الترجمة في الوطن العربي، تعامل مع واقع الترجمة بوصفه يمثل “كينونة ثابتة” منفصلة عن منطق وجود الدازاين وعن لغته الطبيعية وخطابه اللساني، فمن خلال الدازاين يجري ترجمة سؤال الوجود بوصفه لغة وكلام وبلاغة. قل الشيء نفسه فيما يتعلق بعملية الكتابة وإنتاج المنشور الثقافي الذي تحول هو الآخر الى “كينونة ميتافيزيقية” تساهم بشكل كبير على انتاج خطابات وعلامات تحجب حقيقة الدازاين عن الوجود في العالم.
في كتابه التفكير بعد هيدغر او كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل، حاول الأستاذ “فتحي المسكيني” إعادة التفكير في تاريخ الترجمة والوجود وفكرة الكينونة وتشكيل هوية الشعب في التاريخ، وكان حريصا على اظهار حالة اللامساواة بين فكرة الشعب والكينونة، لان هذا -حسب تصوره-يؤدي الى اخراج واستبعاد الشعب من دائرة الوجود والزمان القابلان للتحول والتغير. فعلى الرغم من: ((ان الترجمة حدث مصيري في لغة ما، لأنها نمط من التأريخ -معا في مساحة “النحن” العميقة التي يوفرها شعب ما. لكن الشعوب لا توجد كالأشياء، اذ ليست لها “ماهيات” او “هويات” معطاة سلفا او نهائية.)) (فتحي المسكيني، التفكير بعد هيدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟، دار جداول، 2011، ص. 26).
في مؤلف المسكيني السابق الذكر، نجد كيف ان فكرة الترجمة وعلاقتها بالتاريخ عامة وبتاريخ كينونة الشعوب ومصيرها وعالميتها خاصة شغلت مساحات كبيرة وواسعة خاصة فيما يتعلق بالمقاربات الجينالوجية لمفاهيم الوجود والكينونة بدء من التراث التوحيدي واليوناني وانتهاء بالفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، الا ان مشكلة تلك المقاربات -وعلى الرغم من أهميتها وجدتها الابستمولوجية والانطولوجية – ظلت محكومة بالفلسفات المثالية ذات الابعاد المتعالية والكونية، الامر الذي أدى الى انفصال اللغة عن المتكلم (الدازاين) وبالتالي غياب الابعاد اللسانية والتداولية لفعل اللغة الطبيعية والبلاغية، مما انتج بالضرورة حالة من المأسسة لحقيقة الوجود ضمن أبعاد كونية اكثر من الابعاد التواصلية والاتصالية، ربما لان اللغة الكونية/والقومية سيطرت وبشكل كبير على مفهوم الترجمة التي ظهرت بوصفها: ((…ضيافة كونية بالمعنى المتعالي ، فهي تستمد مشروعيتها من “حق” العقل الإنساني، ممثلا هنا من خلال النصوص “الأجنبية” التي شكلت ماهية الإنسانية الحالية ، في “المرور” في افق لغتنا، وذلك ليس “محبة للنوع الإنساني” بل هو “حق” المواطنة في العالم ، بوصفه “ارضا “روحية لا مناص من اقتسامها بسبب انها “كرة” أي دائرة تأويلية مشتركة ومحدودة هي المحيط التاريخي الوحيد للعقل الانساني الحالي.))(المصدر نفسه ،ص 32).
لا يمكننا ان نختلف حول أهمية هذا الطرح من الناحية الفلسفية، لكن من الناحية اللسانية واللغوية فأنه يفرض علينا طرح أكثر من تساؤل، خاصة فيما يتعلق بأسبقية فكرة التعالي/والكونية على فكرة المتكلم/ والمخاطب في العالم. فعلى أساس هذه الفكرة طرح الفيلسوف كواينQuine مفهومه الجديد في الترجمة والمعنى تحت مسمى “الترجمة الراديكالية” Radical translationالتي إعادة الاعتبار للمتكلم في بنية السلوك الشفاهي اللغوي. (للمزيد ينظر: Willard van Orman Quine: Word and object,gambridge,1990).
مع مفهوم “الترجمة الراديكالية” لم يعد في الإمكان ان نتحدد ضمن اطر متعالية وشروط ضيافة المعاني الكونية، وانما أصبح مفهوما يتشكل بواسطة لغة المتكلم التي تتأسس من خلال فلسفة لغة غير “معيارية او متعالية “وهو ما أطلق عليه الفيلسوف “ديفدسون ” Donald Davidson بـ “التأويل الراديكالي Radical Interpretation “. (للمزيد ينظر: ( Ernie lepore and Kirk Ludwig, the essential davidson.oxford,2oo6
فمع هذه المفاهيم والمقاربات الفلسفية واللسانية الجديدة حول الترجمة، لم يعد في الإمكان النظر الى إشكالية الترجمة من زاوية محددة وضيقة قد تضيق معها الحقول المعرفية والأبستمولوجية المتصلة بها اتصالا وثيقا، مثل فلسفة اللغة؛ واللسانيات؛ وفلسفة العقل. حتى انه يمكننا القول ان الانعراجات الحاصلة في فلسفة الترجمة قد مهدت في مجملها الى ولادة ما يعرف “ببلاغة الترجمة/وترجمة البلاغة” التي تستمد أصولها من الفيلسوف هيدغر والفلاسفة المذكورين أعلاه. (للمزيد ينظر: Andrew Benjamin, Translation and The nature of philosophy, anew theory of words,Rutledge.london,1998.)
يبدو ان ما وحد تلك النماذج التي اتينا على تحليلها والوقوف عند نمط اسلوبها اللغوي في عرض إشكالية الترجمة، هو عجزها عن تحقيق الفصل بين كل من: الأساس التاريخي لمفهوم الترجمة؛ والاساس الانطولوجي للوجود وكينونة الترجمة بوصفها فكرة كونية وذاكرة تاريخية قارة وثابتة. فالترجمة بعدما اصبحت خطابا وفعلا لغويا/تواصليا يؤسس لوجود تواصلي/وتواصل للوجود the communication of being، لا بد وان تقودنا بالضرورة الى ان نتناول وبشكل جديّ علاقة الترجمة مع الفعل التواصلي والأطر الاجتماعية الثقافية والمعرفية (الخطاب) التي تمثل جينالوجيا الممارسة اللغوية وتكوين الظاهرة اللسانية للذات والمجتمع. :(للمزيد ينظر: Basil hatim and Ian Mason Basil hatim and Ian Mason: Discourse and the translator.Longman,1990)

*الترجمة في الوطن العربي أي جسر لحوار الثقافات!؟، ملف العدد الثامن لمجلة ذوات The. What الثقافية الالكترونية نصف شهرية، تصدر عن مؤسسة مؤمنون بلاحدود، 2015.
**باحث من العراق-متخصص في فلسفة الدراسات الثقافية/ومابعدها

شاهد أيضاً

د زهير الخويلدي: حول التفكير الاسلامي والفلسفة العقلية

“الجهل بالدين وضعف اللغة واهمال التفكير يؤدي الى الوقوع في نظام التفاهة وتبني التصورات المتطرفة” …

جاك أتالي : بضعة أيام،من أجل الحسم
ترجمة: سعيد بوخليط

بالنسبة لأوروبا،كما الشأن في مناطق عديدة تنتمي إلى النصف الشمالي من الكرة الأرضية،يمثل الأسبوع الثاني …

في تناقض واجب قول الحقيقة مع الحق في الكذب عند عمونيل كانط
تمهيد وترجمة د زهير الخويلدي

” يجب الحق ألا تتكيف أبدًا مع السياسة ؛ بل على العكس ، يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *