ناطق خلوصي : الدراما بين محنة التأليف ومتعة المشاهد

natek 4صدر مؤخراً كتاب ” الدراما بين محنة التأليف ومتعة المشاهد” للتاقد حمدي العطار، وهو جولة نقدية رصينة في عدد كبير من الأعمال الدرامية التلفزيونية . وكان الأستاذ الناقد فد شرّفني بتكليفي بتقديم الكتاب ، فكتبت : ” ظل حضور النقد التلفزيوني ، وما يزال ، محدودا ً في وسائل الاعلام المقروءة ، عراقيا ً وعربيا ً ،على الرغم من أهميته التي يستمدها من اأهمية التلفزيون نفسه . ان التلفزيون ، كما هو واضح ، هو أكبر وسيلة من وسائل الاتصال بالجماهير وأوسعها انتشارا ً وأكثرها خطرا ً . فجمهوره واسع في حجمه لا يدانيه حجم أية وسيلة أخرى من وسائل الاتصال بالجماهير ، حيث يقاس بالملايين وينتمي الى مستويات وفئات عمرية واجتماعية وثقافية مختلفة .
وتتأتى خطورة التلفزيون من كونه و سيطا ً ناقلا ً للأفكار التي تتغلغل بسرعة في الوسط المتلقي من خلال ما يعرضه من برامج تقف الدراما التلفزيونية في المقدمة منها بفعل ما تتوفر عليه من قدرة على التأثير لاسيما انها موضع تقبّل ومتابعة جمهور واسع جدا ً من المشاهدين مع احتمال تمريرها أفكارا ً سلبية ومفاهيم خاطئة فكريا ً واجتماعيا ً وسياسيا ، تتفاقم أضرارها ومخاطرها في ظل غياب ضوابط المشاهدة ، وليس غير النقد التلفزيوني ما يمكن أن يتصدى لمثل هذه الأفكار والمفاهيم بهدف الكشف عنها والتبصير بها ، وهي مهمة ينبغي على الناقد الرصين أن ينهض لها .
ان ما كتبناه من نقد تلفزيوني على امتداد أكثر من ربع قرن وما كتبه غيرنا وما يكتبه الناقد حمدي العطار الآن ، انما يدخل في باب النقد الصحفي الذي له جمهور قارىء واسع ، وهو غير النقد الأكاديمي المتخصص الذي يهم نخبة من المتخصصين والذي ينطوي على مواصفات هي غير تلك التي يتطلبها النقد الصحفي مع انهما يلتقيان في الغاية ولكن باختلاف الوسيلة . ولأن المضمون هو جوهر العمل الابداعي ، في الدراما التلفزيونية بشكل خاص ، فان من أولى مهام الناقد أن يحرص على تحليل المضمون برؤية نقدية تستوعب شروط العملية النقدبة . ولأن الأداء هو الوسيط الناقل للمضمون ، فانه يستلزم دقة المتابعة والقدرة على استقراء خصائص عناصرالعمل الدرامي التلفزيوني التي يشخصها الناقد العطار في مقدمة كتابه هذا ويحددها بـ ” النص والرؤية الاخراجية والتمثيل ” وهي العناصر الأساسية في العمل الدرامي التلفزيوني التي تهم المشاهد/ قارىء المقال الصحفي، الذي لا يهمه كثيرا ً التوسع في الحديث عن حجم اللقطة أو الاسهاب في شرح تفاصيل الديكور وغير ذلك مما يتطلبه النقد الأكاديمي المتخصص .
kh hamdi alatarلقد كانت مهمة الناقد التلفزيوني في السابق أيسر مما هي عليه الآن حيث كان عدد قنوات البث التلفزيوني محدودا ً تماما ً بما يضمن توفر جمهور مشاهد واسع يتابع ما يعرض من أعمال . أما الآن ، ومع ظهور تقنية البث الفضائي ، فقد تكاثر عدد القنوات التلفزيونية بطريقة الانشطار ، إن صح التعبير ، فصار بالمئات ، وصارت هذه القنوات تتنافس في عرض أعمال الدراما التلفزيونية ، وهو تنافس يبلغ ذروته خلال شهر رمضان ، مما يؤدي الى تشتت المشاهدة ويعقّد مهمة التاقد في الاختيارفيبحث عن الأعمال التي يراها تستقطب جمهورا ً واسعا ً من المشاهديين وتبرر جهد الكتابه عنها . لذلك نرى الناقد حمدي العطار يحدد المنهج الذي اتبعه ويتمثل في ” اختيار الأعمال التي تفرض نفسها علينا كمشاهدين ومتابعين ويتوفر لدينا الوقت للكتابة عنها ” كما يقول .
ان هذا الكتاب يأتي في وقته المناسب بعد غياب التأليف في مجال النقد التلفزيوني وانسحاب من كان يكتب فيه من الساحة ( مع استثناءات محدودة تماما ً). وعلى الرغم من أن اطروحات ماجستير ودكتوراه عديدة في الدراما التلفزيونية قد أجيزت الا انها لم تأخذ طريقها للنشر . لقد تابعت ما كتبه الناقد حمدي العطار من نقد تلفزيوني صحفي فوجدت انه ملم بآليات هذا النقد وهو مخلص لتوجهاته النقدية إذ يعمد الى تحليل مضمون العمل الدرامي الذي يتناوله ويتوقف عند الاخراج والتمثيل ، ليقدم تشكيلة نقدية متقنة ، ولعل هذا الكتاب خير دليل على ذلك .”
صدر هذا الكنتاب عن ” دار الأمل الجديدة ” في دمشق ، وجاء في 594 صفحة من القطع الكبير ، تزينه صور لقطات من بعض مشاهد الأعمال الدرامية التي يتم تناولها نقديا ً، وتم إخراجه اخراجا ً فنيا ً متقنا يتناسب معه حجم الجهد المبذول في تأليفه ، ويلاحظ فيه التنويع في اختيار الأعمال الدرامية بما يغطي المشهد الدرامي التلفزيوني دون أن يقتصر على نتاجات بلد واحد . ومن الطبيعي أن تستأثر الدراما المصرية باهتمام خاص من المؤلف / الناقد ، بفعل سعة حجم الانتاج الدرامي المصري وتسيده ـ إن صح التعبير ـ على ساحة الدراما العربية بشكل خاص .
لقد ضم الكتاب أكثر من مئة وثلاثين مقالا ًقدمت جردا ً نقديا لأعمال درامية منوعة عرضت حديثا ً ، تعتمد تحليل النص والقاء الضوء على ما يرتبط به من تأليف واخراج وأداء يتم التعامل معها بصبر وأناة ودراية وهو مما يحتسب للناقد الذي بذل جهدا ً وصبرا ً واضحين في متابعة هذا العدد الكبير من الأعمال والتوغل في مفاصلها والخروج بتشكيلة نقدية رصينة .
ان ” الدراما بين محنة التأليف ومتعة المشاهد ” كتاب كبير حجما ومحتوى ً وكبيرقيمة ً وأهمية ً ، وهو يجمع بين عنصري المتعة والفائدة ويقدم دروسا ً في النقد ، وبالتالي فهو جدير باهتمام دارسي الدراما ومتابعيها على حد سواء .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : هموم نقدية “الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” .

“الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” الجملة أعلاه قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في …

| طالب عمران المعموري : تراسل الحواس  في قصيدة (حنين) للشاعر ناهض فليح الخياط .

ملامح ترسم جماليات القصيدة بصور شعرية مصدرها الخيال الخصب لإنتاج صور شعرية رائعة، يبين الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *