ليث الصندوق : ألزمن المغلق ، والأحداث المفتوحة في بوهيميا الخراب ( * )

laith alsandok 5منطقة بوهيميا التشيكية كثريا في العنونة لا تضيء بمفردها ، فهي ربما تكون علامة ذات دلالات أخرى أكثر إشراقاً ، ولكن صفة الخراب باقترانها بالموصوف أدت دور اللوح العاكس ، فحددت طبيعة إشعاع الصفة ، ونقلته إلى دلالته المرتجاة جاعلة من الموصوف ( بوهيميا ) المقابل التاريخي لبابل ما قبل التاريخ ، فكلا المدينتين خاضتا حروباً ونزاعات وثورات شتى ، ونالتا جراء ذلك ما نالتا من الخراب . في البدء لا بدّ من الوقوف عند ملاحظتين قبل الدخول في المتن .
ألملاحظة الأولى : تتعلق بالتجنيس ، فإطلاق تسمية ( رواية ) على النص ، وتثبيته على الغلاف الخارجي الأول والصفحة الداخلية يبدو مفتقراُ إلى الدقة ، والأدق منه هو ( السيرة الذاتية ) على الرغم من أن السيرة الذاتية ليست خارج شروط ومحددات الرواية . هذا الرأي لم يُبنّ على اعتراف صريح من داخل النص بأنه سيرة ذاتية ، أو رواية تسجيلية لمرحلة من حياة الكاتب ، كما أن النص يخلو تماماً من أي تلميح إلى أن الكاتب هو نفسه السارد في نصّه ، وبالتالي ليس في النص إقرار يحقق التطابق ما بين الذاتين ( ذات السارد / ذات الكاتب ) ويجعل من السارد الذات الأولى للكاتب بدلاً من الذات الثانية التي تبقى بصمتها حاضرة في الروايات التخييلية ، إن حضور ذات الكاتب في هذا العمل لا يعني بالضرورة طغيان وتفرّد العناصر التاريخية ، وإزاحتها إزاحة تامة لعناصر التخييل . فقد ظلت العناصر الأخيرة مهيمنة ، وفاعلة سواء في المواقف أو الصور أو الانطباعات إلى الحد الذي أوشكت بعض الاستخدامات البلاغية والصور المبتكرة أن تسمو إلى مرتبة الشعر دون أن تغلق على نفسها بوابة الشعر وتنعزل عن التواصل مع القاريء ، وفي هذا المجتزا النصي دليل على ذلك بالرغم من جساوته وقلة لياقته ( منذ يومين لم أتذوّق الفلافل ، أردت أن آكل حذاء حسن النواب ، لكني فوجئت أنه قد التهمه قبلي ، كلانا الآن بلا أحذية ، نحن نسير في الزمن الخطأ ، ونتجه إلى النهاية الخطأ . ص / 462 ) ولا يقلل من حيوية تلك الصور سوى الأغلاط اللغوية الفادحة والكثيرة التي لم تسلم منها صفحة واحدة ، وقد طغت سلبيتها على الجوانب الايجابية ، ولم يدركها قلم التصويب حتى بعد الطبعة الثالثة من الكتاب .
كما أن الكاتب لم يعترف بأن مساحة التخييل في متنه لا تلغي حقيقة أن أغلب الأحداث هي من واقع حياته الخاصة ، ومن صلب علاقاته بالوسطين الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليهما . ومع ذلك فالتجنيس المقترح ( سيرة ذاتية ) بني على دالتين من خارج النص : الأولى جاءت من الهامش تمثله النبذة الحياتية المنشورة في الصفحات الأخيرة من الكتاب ( 475 – 477 ) تحت عنوان ( ألمؤلف في سطور ) والتي تكشف محطاتها الرئيسة عن حالة من التعالق والتوافق مع أحداث الرواية تكاد تبلغ حدود المطابقة . أما الدالة الثانية خارج النص فتمثلها تصريحات الكاتب في ندوة على هامش الرواية أقيمت في مبنى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين وحضرها الكاتب ، وأقرّ خلالها صراحة ( أنا هو البطل في الرواية ) .
ألملاحظة الثانية : تتعلق بالنص الموازي الذي ورد في الصفحات الأولى – غير المرقمة – تحت نصّ الإهداء مباشرة دون أن يرتبط معه بعلاقة ما ، وهذا النص هو ملاحظة استهلالية مخادعة ، وغير ضرورية لأنها غير مقنعة ، وبالتالي فهي غير ملزمة لا للقراءة ، ولا للتأويل ، ونصها ( أي تشابه بين الأسماء الواردة في هذه الرواية مع أسماء حقيقية هو محض صدفة ) وهذا النص نمطيّ ورد في مفتتح روايات أخرى لروائيين عديدين ، ولكن مصداقيتهم فيه كانت أكبر من صلاح صلاح ، ودوافعهم كانت مقنعة أكثر من دوافعه . فقد كان واضحاً أن لجوء الكاتب لهذه الملاحظة هو هروب من احتمال المقاضاة القانونية التي ربما كان يتوقعها من الذين أساء إليهم ، وما أكثرهم .
ان التشكيك بمصداقية النص الموازي تفرضه ثلاثة تساؤلات :
salah salahالأول : أية مصادفة تلك التي جعلت من الأسماء الكاملة ، أو الأسماء مع ألقابها الواردة في النص تتطابق بالتمام مع أسماء شخصيات من الوسط الثقافي والعام ؟
الثاني : أية مصادفة تلك التي جعلت من السياق المرجعي لحيوات شخصيات تاريخية معروفة تتطابق مع السياق السردي لحيوات شخصيات الرواية ؟
الثالث : إن استهلال جملة المصادفة المشار إليها أنفاً بحرف ( أيّ ) منحها صفة الإطلاق ، فكل تشابه بين ( أيّ ) إسم في الرواية دون استثناء وآخر من خارجها هو محض صدفة ، فهل أن ورود أسماء قادة النظام السابق : صدام حسين ، وحسين كامل ، وعدي ، وقصي ، ووطبان ، وسواهم يعني بموجب حرف الإطلاق ، وبموجب تلك الملاحظة الإعتباطية أنهم ليسوا أولئك الذين نعرفهم تاريخياً ، وأن ثمة مصادفة إبداعية غير متعمدة جعلت التشابه يتحقق .
إن تهافت هذه الملاحظة يجعلنا نؤكد على أن شروط التعامل السردي مع الأسم اللغوي تختلف عن شروط التعامل مع الأسم التاريخي ، فالأسم الأول هو تعبير عن شخصية تخييلية من حبر وورق ، بينما الثاني تعبير عن شخصية واقعية من لحم ودم . وبذلك لا بدّ من الإقرار بأن الأسم هو شخصية صاحبه ، وعندما يكون الأسم لغوياً ، فهو يعكس مظهراً لشخصية لغوية مفترضة ، وعندما يكون الأسم وسياقه تاريخيين ، فهما يعكسان حقيقة شخصية تاريخية . ولعل الكاتب يغالط نفسه بملاحظة ( المصادفة ) ، فسلوكه الإبداعي مع شخصياته يؤكد أنهم ليسوا وهماً ، وأنهم موجودون وفاعلون ومعروفون خارج النص ، بدليل أنه يتحاشى التعريف بهم ورسم ملامحهم ، فهو يقدمهم من خلال الأحداث مباشرة ومن دون مقدمات ليقينه بأن القاريء على معرفة مسبقة بتلك الشخصيات ، وأنه سبق أن تعامل وتفاعل حياتياً وإبداعياً معها . وإذا كان من الممكن التساهل مع دوافع المبدع بإخفاء الأسم التاريخي وراء إسم لغوي مستعار لأسباب غير إبداعية ، فأنه ليس من حق المبدع التساهل في تعامله سردياً مع الأسم التاريخي دون ضابط ، ولا من حق النقاد التساهل في خلط المفاهيم اللغوية بالتاريخية بحثاً عن مخرج لقضية الخلط ما بين السياقين ، أو للدفاع عن تجاوز الكاتب ( أي كاتب ) على خصوصيات الشخصيات التاريخية ، والتعامل معها بإخضاعها شاءت أم أبت لسلطة المبدع وخروقات الإبداع ، لأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تجاوزات عميقة على التاريخ تطيح بثوابته ، وتجعلها عرضة لتلاعب الأهواء والرغبات ، إضافة إلى أنها ستشكل من جانب آخر استهانة بالابداع وتخلخل مصداقيته ، ثم تضعها في موضع الشك والمساءلة .
الملاحظة الرئيسية التي ستشتغل عليها هذه المقالة هي زمنية حدثية ، أي أنها ترصد حركية الفعل الذي يؤديه ( السارد / البطل ) تحديداً ، مؤطراً ضمن وحدات زمنية مفترضة بموجب معطيات النص ، ولعل أهم ما يمكن أن توصف به تلك الحركية هو التسارع ، وعدم التناسب منطقياً مع الزمن ، مما يعكس حالة القلق النفسي والاضطراب السلوكي اللذين عانى منهما البطل في صراعه مع الزمن الذي يبدو هو الغالب دوماً سواء بالتهامه للاحداث المتسارعة التي على كثرتها تبدو أقلّ من شهيته المفتوحة على طلب المزيد ، أو من خلال ضعف قدرة البطل على مقاومة هذا الوحش بالشكل الذي وصم شخصيته بالانكسار والخذلان . كما أن تعامل الكاتب مع الحدث سردياً يعتمد على مسّه من خارجه مسّاً خفيفاً دون التوغل فيه إلى عمق تفاصيله ، ودون تتبعه حتى نهايته ، إذ سرعان ما يتركه وينساه بعد أن كان قد ألمح إليه ، أو بعد أن يكون قد توجه ، ثمّ دخل إلى منطقة حدوثه ، وكأنّ قوة خفية غير واعية هي التي توجه حركة البطل توجيهاً عبثياً وتنقلها من حدث إلى آخر . ومع ذلك فالكاتب حريص إلى حد ما على عدم فقد سلسلة الأحداث في زحمتها ، ولذلك ينضمها ضمن مقاطع نصيّة مستقلة داخل الفصل الواحد ، وهذه المقاطع تضمن له إبقاء الأحداث المتقطعة والمجتزأة في حدود الزمنية والسببية الخاصتين بكل حدث على انفراد ، مع استمرار انحلال الروابط الزمنية والسببية للحدث مع الاحداث المجاورة .
أحداث الرواية غير مؤرخة ، لكن من اليسير على من عاش تلك الفترة المحتدمة بالأحداث الجسام داخل العراق أن يحدد تواريخها بدقة ، واستناداً على هذا الافتراض الخارجي يمكن تحديد بداية زمن السرد مع بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين ، حيث بداية الحرب العراقية الإيرانية ، ولكن الزمن الذي عادة ما يمضي خطياً للأمامً لا يبرح أن يتداعى أحياناً إلى الوراء مسترجعاً أحداثاً من حياة البطل تمتد إلى زمن أبعد من نقطة انطلاق زمن السرد ( في الصباحات البعيدة كان عمي يأخذني إلى المقهى الذي يعمل فيه بائع شاي كنا نأكل المعلاق المشوي والتكة بهمجية قاتلة . ص / 355 ) .
وإن كانت البداية – كما أرادها البطل / السارد غير محددة زمنياً ، إلا أن النهاية ليست كذلك ، فقد تم تحديدها في الصفحة قبل الأخيرة بالشهر والعام ( الزمن الآن أواخر كانون الأول من عام 1996 . ص / 473 ) لكن هناك زمناً ثالثاً غير زمني السرد و الاسترجاع ، وهذا الزمن الثالث لا علاقة له بالأحداث ، ولا بفضائها المكاني ، وقد أصرّ الكاتب أن يختم به سيرته الذاتية مسبوقة بمفردة الخاتمة الاستعراضية ( إنتهت / 29 آيار / 2008 / هاملتون – أونتاريو – كندا . ص / 474 ) ومن الواضح أن هذا الزمن ( الثالث ) هو زمن التدوين . ولعل تلك الخاتمة الزمنية تؤكد حقيقة أن ثمة فاصلاً زمنياً شاسعاً نسبياً يفصل ما بين زمن السرد وزمن التدوين ، وهذا الفاصل من الطبيعي ان يكون السبب في إسقاط الكثير من الأحداث من الذاكرة ، وإحداث الكثير من الفجوات داخل الأحداث ، وما بينها . ولذلك من المنطقي أن نفترض أن الكثير من التخييل قد استخدم في ردم تلك الفجوات ، ووصل ما تقطع من الأحداث ، وتدارك حالات السهو والنسيان .
وبالرغم من أن ثمة مساويء لهذه الطريقة في الكتابة السيرذاتية المستندة إلى فاصل زمني ما بين زمن الحدث وزمن تدوينه ، فإن لها في المقابل حسناتها أيضاً ، فقد كانت الفاصلة الزمنية ضرورية للكاتب من أجل التعبير عن فهمه الخاص للعملية السردية ، وإثبات براعته في التحكم بالجزء المتخيل من الأحداث ، واصطناع المواقف أو استخراجها من بطن الأحداث الضائعة . كما أن الفاصل الشاسع ما بين الفضائين المكانيين ، فضاء الحدث / العراق ، وفضاء تدوينه / كندا وفر للكاتب فرصة الإطلاع على تقنيات وأخلاقيات الكتابة في فضاء التدوين المفتوح والحر من جهة ، ومن جهة أخرى وفر له ساتر حماية من الضغوطات الاجتماعية والحساسيات القيمية التي يثيرها في بلد الاحداث هذا النوع من الكتابات الإشكالية والصادمة . وبتحرر الكاتب من تلك الضغوطات يكون قد قدم نصاً فضائحياً بامتياز بعد أن تخطى المسكوت عنه ، وبعد أن اخترق المحرمات واستهان بالقيم ، وفتح قاموس الشتائم مستخدماً أحطّ ما فيه من ألفاظ ، ووجه الاتهامات بالانحراف جزافاً ودون رادع أو ضابط إلى الجميع دون استثناء ، فبدا عارياً تماماً أمام قرائه ، وبدا أبطاله عراة أمامه وأمام القراء معاً . وفي عالم العري والفضيحة هذا بدا الهمّ الجسدي هو الدافع الوحيد للحياة ، وبدا الجزء السفلي من جسد الكاتب هو أداته الوحيدة للتفكير والعمل والكتابة والخلاص .
تدور أحداث الرواية على لسان السارد / البطل بضمير المتكلم المفرد ، وتشذ أحياناً بالانتقال إلى صيغة المخاطب ( كانوا يعتقلونك لأي سبب ، ثمّ تتم المساومة على رأسك . ص / 419 ) ، ولكن كثيراً ما تنتقل لغة الخطاب إلى صيغة جماعة المتكلمين ( وفي الجبهة كنا نمسك الأسرى الإيرانيين ونسألهم عن سبب حربنا ، فيقولون لنا أن المهدي المنتظر أمر السيد ، والسيد أمرنا ؟ ص / 195 ) أو ( كنا نسير عكس التيارات الجارفة . ص 320 ) والسارد لا يتنازل للجماعة عن إدارته لخطابه الفردي إلا حين يكون موقفه النفسي غير مؤهل لتلك الإدارة ، وحين يشعر أن ضغط الخارج أكبر من قدرته الفردية على التحمل والمقاومة ، علماً أن هذا الضغط غير مركز عليه وحده ، بل هو موزع أيضاً على الجماعة التي تحس مثله بالمهانة والضياع ، وبالرغم من ذلك الإحساس إلا أنه يدرك تماماً أن تأثير صوت الجماعة وهي تعبر عن تلك الاحساسات هو أكبر وأعظم مأساوية من قدرته الفردية على التعبير عنها .
– كنا ننهار سيدي الرئيس . ص / 378
– نحن وهمٌ ، حوّلنا الحصار إلى أعداء نستقتل من أجل لقمة الخبز . ص / 429
– في كل أفراحنا نبكي ، حتى في أحلامنا المفترض أن تكون سعيدة . ص / 428
– الحرب أنهكتنا والحصارات متنوعة وغريبة ، حصار العالم لنا ، وحصار العرب . ص / 455
ومن خلال السارد يتم تبئير الأحداث باعتماد كافة وسائل التبئير الحسية : ألسمعية والبصرية ، بل حتى الذوقية والشمية ، فهو يُبئّر بالحاسة الأخيرة خمسة من أصدقائه بالصيغ التبئيرية التالية ( مع ملاحظة أنه لأسباب إعتبارية ستتلافي هذه القراءة أسماءهم الصريحة كما وردت في النص ) :
الأول : رائحته تشبه رائحة النساء في يوم زيارة الإمام الكاظم . ص / 69
ألثاني : رائحته دائماً عبارة عن خيسة متنقلة وقصائد غير مكتملة ومشاريع للنميمة . ص / 69
ألثالث : رائحته تشبه رائحة مدينة الثورة وحميرها . ص / 70
ألرابع : تفوح منه روائح الروث البقري والقمل وكل الأمراض المستعصية . ص / 70
ألخامس : كان أشبه ببؤرة لرائحة كلاب . ص / 70
هذا وتفتقد اللغة تماماً إلى الحياد ، فهي منحازة إلى صاحبها من ثلاثة منظورات :
kh salah salahألمنظور الأول : يتجلى في اختزال كل الأصوات في صوت السارد ، فهي بذلك رواية الصوت الواحد ، وكل الأصوات الأخرى تندغم وتتلاشى فيه حتى ليبدو وكأنه يهيمن ، أو ( يُجيّر ) كل أراء ورغبات وأفكار ورؤى الشخصيات الأخرى لصالحه ، من دون أن يتبناها مكتفياً بأن يكون المنبر البلاغي الذي تنطلق منه تلك الأصوات المكتومة إلى فضاء الحرية . فكل شخصيات الرواية خرساء لا تجد فرصتها لإقامة حوار مباشر مع السارد ، ولا حتى مع بعضها بعضاً لأن السارد هو الذي يستحوذ لصوته فرص هؤلاء ، ويتكلم نيابة عنهم ، وبذلك تكون لغته قد تحولت إلى لغة قامعة تستمريء تجريد الشخصيات من حق المشاركة في إقامة حوارية عريضة ، وتبادل الرؤى ، وقبول الاختلاف مما جعل خطابها يتسم بالتفرد والأحادية المطلقة . ولكن حتى في حالة تفرد وهيمنة الصوت الواحد ، إلا أنه يبقى صوتاً مهموساً ، أو مكتوماً لا يُسمع خارج الذات الساردة لأنه يبقى في الأغلب محصوراً في حدود الحوار الداخلي الذي يقيمه السارد مع ذاته ، ثم يكشف أوراق الذات السرية للقاريء من دون أن يفتح أسوار وبوابات الذات المغلقة مباشرة أمام الشخصيات ويشترك معها في حوارات خارجية . ولذلك خلت الرواية خلواً يكاد أن يكون تاماً من الحوارات ما بين السارد وبين الشخصيات من جهة ، وما بين الشخصيات من جهة أخرى إلا في النادر .
ألمنظور الثاني : هو منظور بنيوي يتجلى في تباين اللغة التصويرية المخصصة لكل من الذات والآخر ، فهي من جهة موظفة لاختراق السطح الخارجي لصاحبها فقط ، وكشف أدق خلجاته النفسية ، وانطباعاته الشعورية بكل ما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وطموحات مؤجلة ومقموعة ، وبما يوصم تلك اللغة بأنها – في مواجهة صاحبها – لغة حضور وكشف . بينما توظف اللغة مع الآخر بالضد من ذلك ، فهي لا ترى منه إلا السطح المكشوف لعين السارد وحواسه المُبئِرة ، ولا تتعامل سردياً إلا مع ذلك السطح ، وبذلك تتسم في تعاطيها مع الآخر بكونها لغة غياب وإخفاء . أن الرواية بكاملها نزع للقشرة الخارجية للكاتب ، وكشف عما ظل يخفيه تحت جلده عن أقرب أصدقائه إليه من أسرار وفضائح يخجل المرء من تداولها حتى مع نفسه ، محققاً بذلك فرصته لقول ما سكت عنه لعقدين من الزمن . لكن طبيعة موقف الكاتب الكشفي تجاه ألشخصيات يختلف عن موقفه تجاه ذاته ، فقد ظل واقفاً ينظر إليها من خارجها ، متحاشياً التسلل إلى دواخلها . وتلك السمة غلبت حتى على القدرات الكشفية والتشخيصية لتلك الشخصيات ، فهي عاجزة – بالرغم من قدراتها الخارقة المزعومة – عن اختراق دواخل بعضها بعضاً من أجل فهم وتفسير سلوكياتها ( حتى جان دمو بجلالة قدره ونونية قصائده لن يكون قادراً على فهم مصعب أمير . ص / 106 ) .
ألمنظور الثالث : هو منظور أخلاقي يتجلى في الإدانات المجانية ، والتقويمات السلبية ، والأراء المسبقة ، والشتائم المقذعة التي يكيلها السارد بالمجان ، ويوزعها في كل اتجاه والتي طالت الجميع – دون استثناء – الأقربون والأبعدون ، ولم يسلم من ذلك حتى القادة التاريخيون للحركة الوطنية الذين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بعُقد الأحداث . والرواية بذلك منبر مخصص للكاتب وحده يدين من خلاله الاخر من دون أن يمنحه فرصة الدفاع عن وجهة نظره .
تتكون الرواية من أحد عشر فصلاً مرقماً تتوزع زمنياً على فترتين :
فترة الثمانينيات : مقترنة بأحداث وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية بدءاً من الفصل الأول ، وحتى نهاية الفصل الخامس .
فترة التسعينيات : مقترنة بحرب تحرير الكويت وما انتهت إليه من خراب وحصار ، وهذه الفترة تبدأ من الفصل السادس وتنتهي مع نهاية الفصل الأخير ( ألحادي عشر ) .
أما المقاطع النصية التي يتكون منها كل فصل ، والتي تحصر وتنضّم الأحداث ذات الطبيعة المتقاربة ، فهي تتباين عدداً من فصل إلى آخر مثلما تتباين طولاً من مقطع لآخر إضافة لتباينها عن بعضها في تخصيصها لمجموعة من الأحداث ، أو لحدث واحد من عدة افعال . مع ملاحظة أن كل مقطع نصي معزول عن الآخر – ضمن الفصل الواحد – بفاصلة ( من سلسلة نجمية متصلة ) ، وأن كل مقطع نصي مكون من مجموعة من الفقرات غير مفصولة عن بعضها بعلامات فارقة ، باستثناء النقطة التي تنهي الفقرة المنتهية ، لتبدا من بعدها الفقرة الأخرى مع بداية سطر جديد . وبالرغم من الطول النسبي للرواية ( 474 صفحة من القطع المتوسط ) إلا أن أطول الفقرات ضمن المقاطع النصية لم يتجاوز طوله الصفحة الواحدة ، بينما كان أقصر المقاطع جملة من أربع كلمات هي ( أجفف دموعي ، وأسير في العماء . ص / 324 ) .
الإحصائية التالية بعدد المقاطع النصيّة ( الرقم الأول ) والفقرات ( الرقم الثاني ) في كل فصل :
– الفصل الأول / 10 – 142
– الفصل الثاني / 3 – 144
– الفصل الثالث / 1 – 91
– ألفصل الرابع / 4 – 158
– ألفصل الخامس / 1 – 67
– ألفصل السادس / 7 – 103
– ألفصل السابع / 10 – 200
– الفصل الثامن / 2 – 59
– ألفصل التاسع / 5 – 170
– الفصل العاشر / 10 – 159
– الفصل الحادي عشر / 6 – 41
ويتبين من الجدول أن العلاقة ما بين اعداد المقاطع وأعداد الفقرات ليست إيجابية دائماً ، فعلى سبيل المثال أن عدد المقاطع النصية في الفصل الحادي عشر تزيد بنسبة (600) % عن عدد المقاطع النصية في الفصل الخامس ، وعلى العكس تزيد فقرات الفصل الخامس بنسبة ( 17 ) % عن عددها في الفصل الحادي عشر .
ولفهم طبيعة تشكل الأحداث ( كثافتها وتسارعها ) مع عدم تناسب تلك الكثافة مع الزمن ، سنختار عشوائياً عينة مجتزأة من المقطع النصي الأول من الفصل الثاني ، جردناها من كل متعلقاتها غير الحركية من أجل استصفاء الحدث الخام . مع ملاحظة الخطوات الاجرائية التالية :
1 – ان العينة اجتزاء لثمان وعشرين فقرة من بين خمس وأربعين فقرة هي عدد فقرات المقطع النصي الأول من الفصل الثاني وتسويغ ذلك سيأتي فيما بعد .
2 – تم اعتماد الأفعال الحركية التي تشغل حيزاً زمنياً ، واستبعاد الافعال الحسية والافتراضية وغير المتحققة ( أردتُ / فكّرتُ / قررتُ / شعرتُ …. ألخ ) إضافة إلى الصور التي تدخل في باب التداعيات والأنشطة الذهنية .
3 – كما تم استبعاد الأفعال التي يؤديها الآخرون باعتبار أن زمنها محتسب لصالح هؤلاء الاخرين ، وليس لصالح السارد .
ألفصل الثاني – ألمقطع النصي الأول : يتكون هذا المقطع من خمسة واربعين فقرة غير مرقمة في الأصل ، وقد عمدنا إلى عزل تلك الفقرات ، وترقيمها من أجل التوضيح فحسب :
ألفقرة ( 1 ) :
– سرت في ساحة التحرير
– تركني حسين الصعلوك
– أبحث عن مكان أتبول فيه لكني أفشل
– أبول في الشارع أمام دكان مغلق
ألفقرة ( 2 )
– دخلت مكتبة
– سرت بين رفوف الكتب
– أتسرب من المكتبة بعد أن أشتري كتاباً
ألفقرة ( 3 )
– أردت أن أقرأ في مقهى جانبي وأشرب الشاي ، لكن المقهى كان في فوضى ( تم اعتماد فعل الإرادة بالرغم من افتقاده للحركية الزمنية وذلك لأن نية التوجه إلى المقهى ، أعقبها بالتأكيد فعل التوجه الذي لم يأت على ذكره صراحة ، ولكنه فعل متحقق بدليل الفوضى التي واجهت السارد هناك ، ومن الطبيعي أن يستغرق فعل التوجه زمناً ) .
– تركت ساحة التحرير
– توجهت لمقهى البرلمان
– شربت قهوة
– غرقت في عالم لطفية الدليمي
ألفقرة ( 4 )
– طلبت المزيد من القهوة والماء
ألفقرة ( 5 )
– قضيت في المقهى ساعات طويلة
– تركت المقهى وتوجهت إلى نهر دجلة
– جلست على حافة النهر
ألفقرة ( 6 )
– أترك النهر
– أتوجه إلى مقهى حسن عجمي
– سلفني صلاح زنكنة بضعة دنانير
– التهمت فولاً في المطعم
ألفقرة ( 7 )
– اردت التغوط
– وجدت مكاناً مظلماً في عمارة جانبية
– عدت إلى المقهى
– بقيت وحيداً في ظلمة المقهى بعد مغادرة الجميع إلى مقهى الاتحاد
ألفقرة ( 8 )
( تداعيات وأفكار تثيرها الوحدة وجو المقهى الخانق ، إضافة لأفعال منسوبة لغير السارد )
– أنظر إلى سقف المقهى
ألفقرة ( 9 )
– ادعو جمال السوداني للجلوس
– حوار ما بين السارد وجمال تغلب عليه الكأبة ينتهي بقراءة جمال لقصيدة
ألفقرة ( 10 )
– نتوجه ( أنا وجمال ) إلى الوزيرية
ألفقرة ( 11 )
– اشكو إليه في الطريق من الذين يمنعونني من النشر
– وصلنا المقهى في الوزيرية
– طلبنا شاياً
ألفقرة ( 12 ) والفقرة ( 13 )
( ألخطاب في الفقرتين يدخل في باب الأقوال وليس الأفعال ، باستثناء مفتتح الفقرة ( 13 ) الذي يتضمن تصميماً من السارد – لم يتحول بعد إلى مستوى الفعل المنجز – بالذهاب إلى إتحاد الأدباء ، وعبارة – إتحاد الأدباء – في الرواية عادة ما تعني نادي الإتحاد ) .
ألفقرة ( 14 )
– في الطريق إلى نادي الإتحاد مررت بالمقبرة التي ترقد فيها أمي
– مسّدت القبر ووضعت عليه آساً وشمعة
– وضعت كفي على الشاهدة
– جلست أمامها ( يعني أمه ) مباشرة
ألفقرة ( 15 )
– – خرجت من المقبرة
– دخلت إحدى الكنائس
– أخذت شمعة وأوقدتها أمام المذبح
ألفقرة ( 16 )
– خرجت من الكنيسة
– سرت في شوارع بغداد
– مررت على أحياء المربعة
– وصلت الاتحاد وتسللت إلى النادي
ألفقرة ( 17 )
– جلست بالقرب من حسن النواب
ألفقرة ( 18 )
( تتضمن أفعالاً يؤديها الآخرون )
ألفقرات من ( 19 – 22 )
( أفعال يؤديها الآخرون ، ويراقبها السارد ، أو يشاركهم في إداء بعضها . وتعبيراً عن تلك المشاركة تتحول لغة الخطاب من لغة السارد المفرد إلى لغة الجماعة ، مع ملاحظة أن كل تلك الأفعال كانت قد تمت في نادي الاتحاد ) .
ألفقرتان ( 23 ) و ( 24 )
( إنطباعات شخصية عن بعض الأصدقاء ، ومقارنة نقائهم الروحي ببعض كتبة التقارير ، وموقفه الحاسم من قضية انتشار أكلة الفول الستراتيجية والخطيرة ) ومن الواضح أن الفقرتين الانطباعيتين الخاليتين من افعال حركية ملموسة تمهدان لأفعال ستتوالى في الفقرتين اللاحقتين .
ألفقرة ( 25 )
– أترك جمال
– أصعد الباص متعقباً إمرأة جميلة
– أجلس قبالتها
– أمدّ ساقي وألآمس حذاءها
– أصل البيت مسرعاً وأذهب إلى المرحاض

ألفقرة ( 26 )
– أسترخي
– أذهب إلى المطبخ ، وتعدّ لي جدتي الطعام
– أتناول الطعام
– أحاول النوم
– أعيد قراءة كتاب فصلي من الجامعة
– أتأمل وجه جدتي النائمة
ألفقرة ( 27 )
أضع البطانية على وجهي
ابكي تحت البطانية لعشر دقائق
وبالرغم من أن المقطع النصي لم ينته عند نهاية الفقرة الثامنة والعشرين ، إلا أن التواصل السياقي للأحداث انتهى عند هذه الفقرة مع إعلان السارد في مفتتحها إلى بداية نهار جديد إزدادت معه حاله سوءاً مما يوحي بأن كل الأحداث التي توالت بدءاً من الفقرة الأولى ، وحتى نهاية الفقرة الثامنة والعشرين كانت قد تمت بشكل متواصل خلال يوم واحد . ولذلك سنكتفي بهذا القدر من المقطع الأول باعتباره عينة عشوائية تمثل النمطية التي تتوالى وتتعاقب بها كل الأحداث الأخرى في فصول الكتاب بدون استثناء ، ومن هذه العينة نلاحظ :
أولاً : ان الأحداث لا تنطلق من قصد مسبق ، ولا تتوخى في الختام هدفاً محدداً ، وبانعدام القصد والهدف تأتي حركة السارد من بداية الحدث وحتى نهايته متسمة بالاعتباطية والتخبط ضمن دوامة الضياع التي توصم مجمل مخططه الحركي ، فهو مخطط عبثي لا يقدم معنى مقنعاً لكل تلك الانتقالات المتسارعة واللاهثة من مكان لآخر ، ومن لقاء إلى لقاء في حالة أشبه من غياب الوعي ، أو بإيعاز من إرادة خارجية مسلطة من قوى غير منظورة على البطل . ويبدو أن الاحتمالين واردان ، وذلك ما أراد أن يوحي بهما لقارئه لا سيما ان الضغوطات التي كان يعانيها من كل جانب كانت تحرّف وجهته عن الخيارات العقلانية ، فقد بدأت مرحلة الانهيار مع إعدام والدته من قبل السلطات القامعة بدعوى الانتساب إلى الحزب الشيوعي ، ومن ثمّ فصله من الجامعة وسوقه جندياً في جبهات القتال مع إيران ، ثم معاناته هو وأسرته من الجوع والحصار ، واضطراره للعمل في أعمال مهينة وتحت شروط غير إنسانية ، وقد شكل هذا الخيار له تنازلاً قاسياً عن طموحاته الثقافية والابداعية ( أدور في شوارع بغداد دون أن أصل إلى جهة معينة ، ألاتجاهات تضيع في زحمة الوجع والاندهاش والجوع المجحف والخالي من الرحمة . ص / ص / 411 ) .
ثانياً : أغلب الأحداث التي إنطوى عليها هذا اللهاث الحركي تفتقد إلى الحيوية والتأثير ، فهي لا تتعدى اللقاءات الهامشية ، والجولات العابثة ، وإشباع الحاجات الإنسانية الطبيعية التي لا يغني ذكرها أو التفصيل فيها النص ، بل يزيده ترهلاً . وكان يمكن لثلاثة أحداث أن تضيف مرويات جديدة تفجر مكنونات النص وتُدخل إليه حزماً حكائية من سياقات جديدة لو أحسن الكاتب التعامل معها ، ونظر إلى طبقاتها الدفينة بعين المنقب والباحث الذي يسوقه حدسه وإحساسه لا بعين السائح الذي تسوقه قدماه . والأحداث الثلاثة التي مر عليها السارد مروراً عابراً هي زيارة قبر والدته ( ألفقرة 14 ) ، وزيارة الكنيسة ( ألفقرة 15 ) ، وتعقب إمرأة جميلة ( ألفقرة 25 ) .
ثالثاً : من أجل تقدير طاقة الزمن على استيعاب الأحداث ، سنضع مخططاً مكانياً عاماً لاتجاه حركة السارد كما وردت في الفقرات السابقة ( ألسير في ساحة التحرير > دخول مكتبة > ألتوجه لمقهى البرلمان ( قضى فيه ساعات طويلة ) > ألتوجه إلى نهر دجلة > ألتوجه إلى مقهى حسن عجمي > ألتوجه إلى مطعم الفول > ألبحث عن مكان لقضاء حاجته > ألعودة إلى المقهى > ألتوجه إلى مقهى في الوزيرية > ألتوجه إلى المقبرة > ألتوجه إلى الكنيسة > ألمرور بمنطقة المربعة > التوجه إلى نادي اتحاد الأدباء > صعود الباص لتعقب إمرأة > وصول البيت ) والسؤال الذي يثيره هذا المخطط المكاني هو ( هل تتسع ساعات النهار التي يُفترض أن تكون كل تلك الانتقالات قد تمت خلالها لهذه الدورة الحركية المكونة من خمسة عشر موقعاً تتباعد وحداته عن بعضها تباعداً شاسعاً ، لاسيما أن الانتقالات كانت تتم بدون واسطة نقل دليلنا على ذلك عدم امتلاك البطل / السارد لأجورها ، باستثناء انتقالة واحدة عبر الباص لتعقب إمرأة جميلة ( الفقرة 25 ) .
ولعل ذلك التجاوز على الطاقات الاستيعابية للزمن والمعبر عنه بهذا الجنوح العابث وهذا اللهاث اليومي في أروقة الضياع لم يكن غائباً عن وعي الكاتب ، وربما هو جزء من آلية رمزية يعبر من خلالها الكاتب عن تمرده ضدّ حدود الزمن الضيقة بما يمكنه من التعايش مع حالات الضياع النفسي والقهر الاجتماعي المفروضين عليه من قوى شتى اجتماعية وثقافية وسياسية .
رابعاً : مقارنة وحدات المخطط المكاني في هذه العينة النصية العشوائية مع حركية الأفعال والأحداث في مقاطع وفقرات وفصول الرواية الأخرى تكشف عن عودات مكررة ومستمرة إلى مواقع بعينها ضمن الفضاء البغدادي تحديداً دون تجاوزه إلى الفضاءات الأخرى التي دار فيها جزء من الأحداث ( بعقوبة / الدور / سامراء / البصرة ) ، وذلك نزولاً عند الرغبات الملحة للسارد في أن علاقة خاصة تربطه ببغداد هي بعض من مسببات هذا الدوران واللهاث ( لم أكن أتخيل في يوم ما أني أستطيع أن أغادر هذه المدينة . ص / 219 ) أو ( أعيش بغداد بهوس غريب ، بهوس ليس مثله إلا هوس الصعود إلى الجنان السماوية . ص / 382 ) . والعودات المتكررة والمستمرة تحديداً تشمل مواقع محددة ، وفيما يأتي أعلى تلك العودات تكراراً :
– مقهى حسن عجمي / 20
– لقاء شوقي كريم ( سواء في البيت أم خارجه ) / 16
– نادي إتحاد الأدباء / 4
– ألباب المعظم / 4
– لقاء عبد الستار ناصر / 3
– لقاء حميد المختار /3
ومهما ابتعد السارد أو تأخر عن تلك المواقع ، يعود من دون هدف إليها ، ومن دون تغيرات أو تطورات أو إضافات في محتواها النوعي ، فهي لا تتعدى لقاء بعض الأصدقاء لقاءات عابرة وسطحية وتداول أحاديث نمطية ، وعدم إثارة اية إشكالية ثقافية في وسط إشكالي أصلاً . مع استثناءات قليلة ونادرة تمخضت عن أحداث نوعية كسرت نمطية التكرارات السائدة ، مثل لقاء البطل بأحلام منصور ، وقد خرج من هذا اللقاء بفرصة عمل في فندق يعود لأحد معارفها ، ومثل اللقاء بشوقي كريم الذي تعرف خلاله على أحد الناشرين المحتالين . بالرغم من أن لقاءات أخرى بأحلام وشوقي سبقت هذا اللقاء لم تخرج عن النمطي والمألوف .

( * ) بوهيميا الخراب – رواية – صلاح صلاح – ألتنوير للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – 2009

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: وليد رباح أورويل العرب

أولاً) مثلما هي لدى جورج أورويل في “مزرعة الحيوانات”، تنتمي قصة وليد رباح “فأر في …

شعرية العتبات النصية
قراءة في المجموعة الشعرية (سماوات النص الغائم) للشاعر عمار كشيش
أمجد نجم الزيدي

تمثل المتعاليات النصية والعتبات مداخل اجرائية، يمكن لنا الاستعانة بها في قراءة المدونات الكتابية في …

أحمد الشطري: تقنية الاسترجاع في رواية قصر الثعلب لإبراهيم سبتي

في روايته (قصر الثعلب) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر في القاهرة عام 2019، اعتمد القاص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *