الرئيسية » مقالات » حسين عجة: حلم المطبوعات..

حسين عجة: حلم المطبوعات..

hussein_ajaالازدراء الذاتي للذات، داخلياً، والتباهي، بالرغم من هذا، بتلك الذات خارجياً، ذلك ما يمكن قوله لتوصيف الحالة العامة التي تتعامل عبرها مجتمعاتنا العربية اليوم مع واقعها و”الآخر”. لكن، هل نحن، بالضرورة، حيال انشطار مرضي في صميم الذات، ومن الذات نفسها، إذا جاز التعبير، أم أن هذا الانشطار نفسه نتيجة أو إفراز يمكن فهمه، مهما كان تعقيده، وبالتالي النظر إليه وجهاً لوجه، إذا ما وضعنا في نظر الاعتبار طبيعة القوى المُتحديةِ التي تواجهها تلك الذات، أو تصطدم بها مباشرة؟ هل يمكن، مثلاً، إخضاع انفصام أو انفصال كهذا، إذا ما وجد، لتحاليل علم النفس، الانثروبولوجيا، علم الاجتماع، وغيرها من المناهج، أم أنه انفصام متولد، مفبرك، مصنوع ومفروض عليها، من داخلها أو خارجها، أو كلاهما، ومن ثم ينبغي إدراكه والقبض على حقيقته، ليس عبر تلك المناهج والتحاليل، بل عبر الاعتراف البسيط والعادل بحضوره كسلوك عام، ومن ثم مواجهته بقوى ذاتية ترتفع إلى مقام قوى التحدي تلك؟ وها أننا أمام اختيار حاسم ما بين : السايكولوجيا والسياسة. لتفادي أي سوء فهم، لقد راهنا نحن، من جانبنا، على الاختيار الثاني. وهذا يعني بأن ذلك الانشطار القائم في قلب علاقات بعضنا بالبعض، ومع دواخلنا الأكثر سرية وغموضاً، يبقى، ومها قيل إزاءه، صدمة سياسية، مروعة وحتمية ربما، أكثر من كونه “مرض عضال” في الذات ومن الذات. لقد أخذت أجابتنا على هذه الأسئلة المسار التالي، الذي لا يمكننا نحن الحكم على أهميته أو عدمها.
الحلم المكون
أن ينام الأفراد، الشعوب والأمم نوماً عميقاً، ليس ثمة، هنا، ما يمكن القلق بشأنه أو اعتباره مشكلة. فالنوم، إن كان خفيفاً أو ثقيلاً، ما هو، في النهاية، سوى قفا، ظهر اليقظة. أو نسختها المقلوبة. الحياة ذاتها تتناوب ما بين هذين القطبين : اليقظة، النوم، ثم اليقظة. كذلك لا يمكن القول أن تلك المناوبة حلقة مفرغة، بل هي واحدة من نواميس التكوين الأزلي، التي يمكن، بطبيعة الحال، تحويرها، التلاعب فيها، كأن يطيل المرء من نومه أو يقظته، لكنه لن يتمكن من أزالتها وأبطال تعاقبها كليةً (على الأقل في حالة علومنا ومعارفنا الراهنة). باستثناء حالة الموت النهائي، الذي شبهته الأسطورة منذ القدم بالنوم الخامد، الذي لا يقظة ممكنة تحتل مكانه أو تبادله بنسخة أخرى غير نسخته. ومع ذلك، يبدو كل هذا وكأنه من المسلمات الأولية، أو من مجريات الأمور العادية، بالنسبة لوجدان يغفو على أريكته ووسادته المثالية.

لكن أن تنام تلك المجاميع كلها بدون أحلام تذكر، فذلك ما يرغم المرء ويدفعه، مُرغماً، نحو “الشيء” الأكثر هولاً : التفكير. فهذا الأخير، بجوهره وطريقة تحركه كقوة، يقتلعه من سباته السحيق، يؤرقه، كما يقلق يقظته. إذ كيف يمكن للمرء، في حالة النوم الخالي من الأحلام، التعرف على نفسه، ما يدور من حوله، وبالتالي التيقن بأنه تارة ينام وتارة أخرى يستيقظ؟ الحلم هو، إذاً، ذلك الوميض الخاطف، الواضح كالبرق في ليل مدلهم بسواده، والذي عبره يمكن للمناوبة ما بين اليقظة والنوم أن تحصل على صفتها الواقعية، الطبيعية، وبفضله تكتمل الدائرة، لكي يستطيع الزمان ذاته من المجيء إلى العالم وحسب. ومعه يأتي المجال أو المكان، كرفيق لدربه. أو ملازما له ولا يفارقه (الزمكان).  يلد الزمان، إذاً، من رحم الحلم وليس العكس. كذلك لا يفكر التفكير، ولا ينحني على فحص حالة غير حالة الحلم المُحيرةِ والمحررة أيضاً.

لقد حاولت الفلسفة، منذ ولادتها على يد أفلاطون، التصدي لظاهرة كهذه، ظاهرة الحلم، واستخدمتها كواحدة من حججها القوية للبرهنة على وجود أو عدم وجود العالم، الكائنات، وحالة الأشياء. (هل أنا فراشة تحلم بأنها إنسان، أم إنسان يحلم بأنه فراشة)؟ يتساءل أحد الحكماء، الذي لا تسعفنا ذكرتنا للأسف على تذكر اسمه. ولكي نظل ضمن ميدان الفلسفة، لا بد لنا من التذكير بأن ديكارت كان أكثر الفلاسفة انشغالاً بالحلم، وما كان بمقدور “تأملاته الميتافيزيقية” من التماسك منطقياً لولا “حجة الحلم” : “هل أنا فرد يحلم بأنه يقض، أما فرد يقض ويحلم أحياناً”؟ تلك هي ما يطلق عليه “حجة الحلم الانطولوجية” عند فيلسوف المعاصرة، ديكارت. أما التحليل النفسي الفرويدوي، فقد جعل من الحلم، ومن الحلم وحده، “طريقه الملكي” لفهم نفسية الأفراد، الشعوب والأمم : “قل لي ما هي أحلامك وأنا أقول لك من أنتَ”. ومن لا يريد الإفصاح عن أحلامه، فعليه أما تقبل حالته “العصابية”، انشطار شخصيته، تمزقه ما بين الذهان والخبال، أو قبوله أو عدمه للتحليل الذي لا ينتهي.

من هنا، أيضاً، يمكننا فهم أن منْ يُرثى له، سواء من الأفراد، الشعوب، الأمم والجماعات، لا يمكن أن يكون، قطعاً، لا ذلك الفرد ولا تلك المكونات البشرية التي تفقد، تَضيّيعُ زمانها أو وقتها، من أجل قضاء حاجاتها وإطالة بقائها في الوجود، بل بالأحرى تلك التي تفقد، تَضْيعُ بنفسها وتترك أحلامها تتلاشى “كعصفٍ مأكولٍ”. ضياع أو فقدان الحلم، إذاً، هو من يحرك الفكر، ما يجعله يغامر على الاقتراب من وفحص حالة الأشياء التي تحثه على التفكير فيها. بيد أن ما يحرك الفكر، بحكم أهميته وضراوة تحديه، وما يدفعه ويحثه على العمل، لا بد وأن يكون أكبر من الفكر نفسه. وبالرغم من ذلك، على الفكر أن يفكر فيه، إذ بدون أعمال الفكر بما يتحدى الفكر، لن تظل ثمة من حياة ولا موت، أو يقظة ونوم. وهكذا نصل بالكاد، ولأننا مرغمين على الاختصار، لفحص حالة مجتمعاتنا العربية : هل أن نومها ويقظتها “متفردتان” ولا تنطبق عليهما مسلماتنا السابقة الذكر؟ أم أنها، في الحقيقة، في حالة موت يمكن مقارنته أو تقريبه من ذلك النوم  الذي تنعدم فيه الأحلام؟ لا يمكن القول، من وجهة نظرنا، بأن نوم مجتمعاتنا العربية ويقظتها تتطابقان أو تتماثلان، في الروح والجوهر مع نوم ويقظة المجتمعات الأخرى، ولا تشذ عنها تماماً؛ لذا، فهي ليست “متفردة” وليست جديرة بهذا الاسم، حتى في سلبيته، بيد أننا قد نتمكن من القول أن حالة نومها ويقظتها، عند هذه النقطة، مخيفة، مفزعة أو ممسوخةً؛ لا أحد يدري إن كانت نائمة أم مستيقظة!

تبقى، إذاً، مسألة الموت النهائي، الذي وصفناه باعتباره ما يشبه النوم الخامد الذي يغيب عنه أثر الحلم وصوره الخاطفة والمبعثرة. هل هذه هي بالدقة حالة المجتمعات العربية؟ نحن لا نجازف بحكم كهذا. غير أن لا شيء يمنعنا ويشل أفواهنا من القول بأنها تعيش حالة غريبة، مركبة في تعقيدها وتشويهها، وسيكون لها، بطبيعة الحال، إذا ما بقيت على حالها، عواقب لا يمكن اختزالها أو حصرها : فهي مجتمعات غير ميتة، حية بالأحرى، لكنها مُهددة برعب القضاء على حلمها أو أحلامها. والحالة هذه، ما هو حلم المجتمعات العربية في مجموعها (الوطن أو الأمة العربية)؛ ما هو الحلم الغالي على قلبها، منذ تكونها وإلى اليوم؟ نحن ندعي بأن انزلاق سؤال كهذا، في صميم خطابنا، لا يحيرنا ولا يشل طاقتنا المفكرة، بل على العكس يفتح أمامنا كوة من النور : كان وربما ما زال حلم “الأمة العربية” الاعتزاز بالنسخ، بالمخطوطات، بما يُمهر على جلود الحيوانات، على طوب الطين المشوي، أو على ورق البردي : أمة الكتاب، الذي تنطق صفحته أو سورته الأولى بـ “أقرأ باسم ربك الذي خلق (…)، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم…”. كيف يمكن فهم أمر كهذا في وضعنا الحالي، المعاصر، ضمن أمم ومجتمعات العالم؟ لا يمكن فهمه. فأمة الكتاب والحث على القراءة، باعتبار الكتاب والقراءة فعلي تحرير صميمي، أو حلم يتجاوز شروط وقواعد الواقع الضيقة، والذي تلاقفته منها شعوب الأرض ككنز لا يفنى، أصبحت اليوم، هي نفسها، بالكاد تقرأ وتكتب! وذلك بالرغم من ضجة مؤسساتها الرسمية، مؤتمراتها المتواصلة، التي لا يوقفها أي شيء، لا الحروب، لا المجازر ولا نهب بلدان بأكملها، وفضائيات أعلامها المليونية. لماذا غدت أمه الكتاب وسورة “أقرأ” لا تكتب ولا تقرأ تقريباً؟ لانعدام المطابع، كما يبدو. المطابع؟ لقد دخلتها المطابع وآلات الطبع والتطبيع، وأدواتها الاحتياطية منذ القرن التاسع عشر، أو حتى قبله ربما، من يدري؟ دخلتها المطابع، إذاً، لا لطبع الصحف والنشرات اليومية، إعلانات السوق التجارية فحسب، بل وأيضاً المخطوطات، الأوراق المنسوخة والكتب. ومع تلك المطابع، دخل طبع آخر، جاء به “الآخر”، نابليون مثلاً وغزوته الشهيرة لمصر، ولم تكن الذات العربية تعرفه على الإطلاق : احتقار عموم الناس الذين جُلبت تلك المطابع إلى بلدانهم، التعامل معهم “كعقلية” أخرى، خرافية أو أسطورية “بفطرتها”، وكذلك العمل على أبعاد غالبية سكانها عن حقهم المشروع، الذي أقره الآخر في لائحة “قانون حقوقه الإنسانية” عن القراءة والكتابة؛ وإذا به، على عكس كل قوانين وشرائع الأرض، وعلى النقيض كذلك من إرادته المعلنة، يعمل على تعميم الجهل والتجهيل. لكن هذا “الآخر”، الذي جاء من خلف المحيطات البعيدة، في زمن المطابع، والذي كان لا يتورع على تجهيل أمم برمتها، إذا كان الأمر يتعلق بمصالحه وهو لا يتعلق إلا بها، كان مرغماً على انتقاء نخبة من أبناء تلك الأوطان لكي يضعها في خدمة تطلعاته، أطماعه وشهيته التي لا تنضب في النهب، شهية غرفه، لمه وتخزينه للثروات، من أجل بناء صرح وقصور رأسماليته الحديثة. ذلك ما جرى وحدث في مصر، العراق والجزائر.

يرتبط عصر الاستعمار السياسي الكلاسيكي-الحديث للوطن العربي، إذاً، مع دخول المطابع لعواصمنا : وها أن المطابع التي كان يُفترض فيها إيقاد شعلة “الأنوار”، تعميم المعرفة، رفع الإنسان المغمور في مواصلة بحثه عن لقمة عيشه والمغلف بجهله، قد تحولت، بقدرة الآلة العسكرية والخداع كذلك، إلى أدوات تعمل من أجل تغيب الذات عن نفسها، تثبيت ومضاعفة الجهالة، كبديل لها، وبالتالي تربيع هذه الجهالة على “كرسي عرشها”. وبالرغم من ذلك، لم تكن المقاومة معدومة. فأبناء تلك الأوطان التي دخلتها المطابع، سواء من بين أولئك الذين اختارهم السيد “الآخر” ليكونوا طلائع لقومهم، أو من قواها الشعبية الحاضرة في الموقف، بدأت تدرك لا التواء ودونية اللعبة (لعبة المستعمر)، بل خطورتها ونتائجها التي لا تذر ولا تبقى، أي قتل كل ما ينبض في تلك الذات ويتطلع نحو تحقيق حلمه في التحرر. وهكذا، شرعت الجمعيات، الأحزاب، النقابات، وبعض المثقفين تحث خطاها من أجل استيراد وتشغيل مطابعها الخاصة، التي اشترتها بعرق جبينها من بلد “الآخر”. ومن ثم صارت تطبع بفضلها صحفها، مجلاتها، وكتبها السرية التي أحس “الآخر”، منذ اللحظة الأولى، بهولها وخطورتها على مشروعه بأكمله. فصار يحاربها، ولا يتوانى عن لصق أبشع التهم فيها. فهي تارة، أي تلك الكتب والمطبوعات، شيوعية حمراء وملحدة، وتارة أخرى قومية، متعصبة ومغلقة على نفسها، ذاتها. ومع ذلك، أي بفضل تلك المحاربة الشرسة وغير المبررة، صار الناس، من مختلف التوجهات والمشارب، أي القاعدة الجماهيرية، تبحث عن المطبوعات، المجلات والكتب كمن يبحث عن واحة وارفة، أو بئر ماء باردة يطفأ فيها حريق عطشه للمعرفة، للبحث، لإعادة بناء ذاته المهشمة، وحتى تربية ذائقة جمالية جديدة، تُمَزقُ جلدة الانغلاق السميكة وتنفتح على رحاب الكون. في صميم هذا الليل الطويل والمليء بالمعارك، ولد حلم الأدب العربي المعاصر. والحالة هذه، كان على “الآخر” وهو يراقب صور الحلم التي بدأت بالتشكل؛ أن يتدخل وأن يتدخل بقوة، فأقام هو أيضاً بتأسيس دور نشره، توزيع فروعها على العواصم، ضخ السوق بتراثه المعرفي والأدبي، عن طريق الترجمات والنقل، ووضع سياسة محكمة ومحسوبة لإخراج مطبوعاته، مجلاته وكتبه بحلة تفوق بأشكالها وأناقتها التخيل. وها نحن، ثانية، ولكن بصورة لا يصدقها العقل، أمام عقدة الدونية، على صعيد الطباعة والمطبوعات، حيال “الآخر”. فمنْ بقيت لديه من القراء قراءة كتبنا السرية، المطبوعة على ورق أصفر، فقير وكأنه نعش ميت، مقارنة بما تقدمه له مؤسسة “فرانكلين” مثلاً من كتب مطبوعة على ورق ليس أبيض فحسب، لكنه منعم ومصقول أكثر من نعومة المخمل؟ ومنْ يقرأ مجلاتنا المحلية، والورق الأصفر ذاته ما زال يغلف مادتها، مقارنة بورق مجلة “حوار” البهي، مثلا؟

الطوفان الجميل

لكن، إذا ما شاء المرء أخذ صورة “إجمالية” عن الواقع، في تلك الفترة، يمكنه القول بأنها لم تكن كالحة تماماً. إذ كان وميض الحلم ما زال يومض ويوحي بإشاراته ووعوده الكثيرة والسخية : توافدت كتب القاهرة العلمية، المعرفية، الأدبية وغطت عواصم البلدان العربية، لاسيما بغداد، وكذلك مجلاتها الرصينة، الذي ما زال صداها يتردد عبر ذاكرتنا، بالرغم من تهالكها وشيخوختها. إذ منْ يمكنه، من جيلي على الأقل، نسيان مجلات “كالطليعة، الكاتب، الفكر المعاصر، روز اليوسف، “غاليري 68″، السينما والمسرح، السياسة الدولية، أو حتى مجلة الهلال” وغيرها من المجلات التي تغذي الروح والفكر؟ ومن بمقدوره، إن لم يكن مغفلاً أو غير منصف، أن ينكر ما أوفدتنا به الكويت من سلاسل كتبها المتواصلة عن “المسرح العالمي”، التي كنا نتلقفها كالرغيف الساخن والمخبوز جيداً؟ أما ما كان يأتي من بيروت، فحدث ولا حرج، فمن هناك كان يقدم بحر الكتب والمجلات وكأنه فيضان جميل. ومن سوريا، من يستطيع التغافل عما أنجزته، في تلك الحقبة نفسها، مطابعها من نفائس المخطوطات، المجلات والكتب؟ من ينسى “أنفاس” المغرب. الخ… لا أتحدت، عمداً، عما حققته بغداد في تلك المرحلة، ذلك لأني عراقي بطبعي وطبيعتي، لذا أخشى أن أتهم بالمبالغة. لكن قائمة مطبوعات عواصم الوطن العربي، مرة أخرى في تلك المرحلة، لم تكن لتنتهي. كنا نعيش في حينها، إذاً، وعلى عكس نوايا التخريب الخبيثة، فرح ذلك الطوفان الجميل من القراءة والكتابة. بالرغم من مواصلة “الأخر” لحسده الذي لا يُفهم، ورغبته في تشويه واللعب “بثقافتنا الوطنية”، التي يدفع اليوم هو نفسه ثمن ضياعها، كما ندفعها نحن بأثمان تفوق آلاف المرات أثمانه، ندفعها بأرواحنا، بقلوبنا، وعقولنا : لحظة تاريخية خاطفة وباهرة لحرية التعبير واحترام المبدع العربي التي قد لا تتكرر. ومع ذلك، ما يزال الكثير ما يمكن قوله عن حقبة الطوفان الجميل تلك، والذي يشكل ربما أكثر جوانبها تألقاً : كان الناشرون يبحثون، كالمحمومين، ليس فقط عن المخطوطات القديمة، من الشعر والنثر العربي كتراث، بل وأيضاً عن الكتاب الجدد، وكأنهم يبحثون عن أحجار كريمة. لكي يشتروا منهم نفائسهم التي بلورتها أرواحهم. كذلك لم يكن للرقابة الرسمية الخانقة بطبعها، خاصة في بغداد، قدرة الوقوف الدائمً في وجه أمواج ذلك الطوفان، أي مجابهة وإخماد الحلم.

كارثة اليوم

في النهاية، منْ يستطيع، في لحظتنا الراهنة، الحديث عما  يشبه كل هذا ولو من بعيد؟ لا أحد. ففي الزمن الكارثي الذي يغلف الوطن العربي من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، من يدلنا على الناشر وعن حماسه بالبحث عن المخطوطات والكتب، بالرغم من انهيال إعلاناته، دعاياته العصرية المصحوبة، أحياناً، بالموسيقى والصور المثيرة للغريزة الجنسية على عناويننا الالكترونية (الإيميل الشهير) ؟ ولنقل أننا عثرنا، في النهاية، على ذلك الناشر الغيور على مخطوطاتنا وكتبنا المعفنة في أدراجنا، أو تلك التي القينا بها في سلة المهملات لكثرة يأسنا؛ وإذا بهذا الناشر الكريم يطرح علينا سؤالاً واحداً، عبر نقاشنا ومساوماتنا معه : كم تدفع من الدولارات لكي أطبع لك مخطوطك أو مجموعة قصائدك، قصصك القصيرة أو روايتك الجديدة، التي سأخرجها بغلاف أنيق ومناسب، وأقوم أنا بنفسي، أو شركة تعمل معي، على توزيع نسخها؛ لكن عليك أن تعرف من الآن، لكي تكون الأمور واضحة فيما بيننا، بأنك لن تحصل من نسخها التي لن أقول لك كم هو عددها سوى على خمسين نسخة، لا أكثر ولا أقل! تلك هي قصة وتاريخ ذلك الحلم، الذي ولدَ الطوفان الجميل، وتلك هي أيضاً قصة موته اليوم؛ حلم علينا، لكي نبقى في الوجود، أحيائه، مهما كلف الثمن، آملين أن لا تفهم وتترجم صرختنا هذه كونها مجرد أريحية أو، أسوء من ذلك، تسلية لإمضاء الوقت وتعليل النفس بما هو مستحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *