مالك الواسطي: في الصَّالِحيَّةِ قَدْ قَالتْ لِيَّ الرِّيحُ

لِيْ جُثَّةٌ فِي الماءِ تَجْثو ، جُثَّةٌ
فَوْقَ البيُوتِ ، تَطِيرُ ، تَصْرَخُ ، تَنْثَنِي ،
عَبَثاً أَلِمُّ عَلى الجِدَارِ المُنْحَني ،
صَوتاً ، وَطَيفاً مِنْ بَقايا مَوْطِني.
لِيْ جُثَّةٌ فَوْقَ الرَّصِيفِ ، تَئِنُ مِنْ
وَجَعٍ وَحَيفْ.
يَقْتالُها حُزْنُ الأَماكِنِ وإِبْتِهَاجَاتُ الخَريفْ.
لِيْ جُثَّةٌ فِي الصَّالِحيَّةِ ، بَعْضُهَا سَفَرٌ وتَاريخٌ
تَعَثَّرَ في ثَناياهُ القَدَرْ.
والرِّيحُ تَسْبِقُ حِيْرَتي المُتَفَرِّجه
وَتَنامُ بَيْنَ جَوَارِحي حَيْرى ،
كأَجْنِحَةِ الفرَاشَةِ وهيَ تَفْتَرشُ المَطَرْ.
تَاريخُ مَنْ هَذا ؟
تَقُولُ الرِّيحُ !
وَهيَ تَلِمُّ أَشْلاءً ، تَفِيضُ
بِعِطْرِ مَنْ عَشَقوا ، كَما الطُّرُقاتِ
أَيَامَ السَّفَرْ.
مُتَغَرِّبٌ أَنْتَ !
تَقُولُ الرِّيحُ ، لكِنِّي ،
أَراكَ بِحَشْرَجَاتِ صَبِيَّةٍ ، فَرَّتْ ،
بِحُزْنِ الرَّاحلينَ
نَسَماتِ عِطْرِ اليَاسَمِينَ
حَاكَتْ لَها الكَلِماتُ ثَوباً ، أَنْجُماً ،
ضَاءَتْ بِها لَيْلَ السِّنين.
تَاريخُ مَنْ هَذا ؟
تَقُولُ الرِّيحُ ، يَبْتَسِمُ الهَوى حَيْنَاً ،
وَيَنْتَفِضُ الفُراتْ
خَجِلاً لِنَخْلٍ فِيْ مَحَبَّتِهِ ، يَنامُ على سُبَاتْ.
لِيْ جُثَّةٌ ، هيَ دَفْتَري ، هيَ كُلُّ ما مَلَكَتْ يَدَاي
أَمْحو التَّرَدُّدَ فِيْ ثَنَايَاها
وأَكْتَشِفُ المَحَبَّةَ فِيْ خُطَاي.
هيَ رُقْعَةٌ مِنْ دَفْتَرِ الأَخْبارِ ،
نَجْمٌ عَالِقٌ كَالصُّبْحِ فِيْ وَجَعي ، يُرَدِّدُهُ صَدَاي.
تَارِيخُ مَنْ قَالتْ خُطاي
حَوْلي ،
وَضَاقَ الأُفْقُ في حُلُمٍ مَكينْ
حَتَى حَسِبْتُ بأَنَّ مَوْتِيَ حُجَّةٌ
جَاءَتْ بِها رِيْحُ الشِّمالِ ضَرِيْبَةً
كالحُبِّ فِيْ قَوْلٍ حَزِينْ.
جَسَدٌ مِنَ الورَقِ المُلونِ ، قَدْ تَنَاثَرَ
فِي الطَّريقِ إِليْكِ ، يَسْعى خَائِفاً ،
وَيَدَاكِ تَرْتَجِفان وهيَ تَضُمُّ مُرْتَعِشاً ،
وَمَرعُوباً مِنَ الطَّلقاتِ
لا يَدْري
لَماذا ؟
أَدْرَكَتْهُ عِنْدَ مُنْتَصَفِ الطَّريقِ رَصَاصَةٌ
يَدْري ، لماذا أَدْرَكَتْهُ
عِنْدَ مُنْتَصَفِ الطَّريقِ وفي خَفايا القَلبِ عِنْدَ المُنْعَطَفْ.
في كَيَّة   كانتْ تَشُقُّ الإِزْدحَامَ ،
تَنَاثَرَتْ كَلِمَاتُ صَاحِبَتي الَّتي جاءَتْ إِلَيْ
عِطْرُ الصَّباحِ ثِيابُها
وخَمائلُ الدُّنْيا تَزُفُّ أُنُوثَةَ الدُّنْيا إِلَيْ.
فِيْ كَيَّةٍ[1] ، كانتْ تَشُقُّ الإزْدِحامْ
قَتَلوا المَحَبَّةَ والسَّلامْ.
لِيْ جُثًّةُ في المَاءِ تَجْثو ، جُثَّةٌ
في الصَّالحِيّةِ قَدْ تَطِيرُ بِحُزْنِها يَوماً
وَتَصْرَخُ ثَمَّ تَصْرَخُ في ضُحَاها المُنْثَني
عَبَثاً ، تَقولُ الرِّيحُ ،
أَنْ تَبْقَى تُرَاقِبُ خُطْوَها
عَبَثاً ، تَخَيطُ مِنَ الجَدار المُنْحَني
ثَوباً وطَيفاً من بقايا مَوْطِني.

———————————
خريف عام 2009
نابولي ….www. malikalwasty.com

——————————————
[1]- كَيَةُ : نوع من سيارات نقل العامة في بغداد.

شاهد أيضاً

محمد الدرقاوي: درب “جا ونزل “

مذ بدأت أمي تسمح لي باللعب مع أبناء الحي في الدرب وأنا لا اعرف من …

تحسين كرمياني: يوم اغتالوا الجسر*

{أنت ستمشين تحت الشمس، أمّا أنا فسأوارى تحت التراب} رامبو لشقيقته لحظة احتضاره. *** وكنّا.. …

سعد جاسم: غيوم الله (هايكو)

عرائسٌ في الربيع أَراملٌ في الشتاء أَشجارُ الغابة *** في ” نصْبِ الحرّية ” يلوذُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *