الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » الوردي : (34) الوردي رائد الدعوة لتأسيس علم اجتماع عربي

الوردي : (34) الوردي رائد الدعوة لتأسيس علم اجتماع عربي

hussein sarmakد. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

# لماذا لم يمر المجتمع العربي بمرحلة إقطاعية بعد ضعف الدولة؟
—————————————————————-
ثم يطرح الوردي سؤالا في غاية الأهمية ، وهو :
( المشكلة التي تواجهنا هنا : لماذا لمْ يلجأ العرب إلى نظام الإقطاع عند تقلّص ظلّ الدولة القوية عنهم كما فعل الأوربيون ؟؟ ))
ويجيب الوردي على هذا السؤال المهم بقوله :
(( أعتقد أننا لا نستطيع أن نحل هذه المشكلة قبل أن ندرك الفرق بين طابع المجتمع العربي والمجتمع الأوروبي . لا ننكر أن شيئا من مظاهر الإقطاع أخذ ينمو في بعض البلاد العربية ، هنا وهناك ، وقد شهدنا بعض القلاع الإقطاعية تظهر في بعض الأنحاء النائية منها . ولكن هذه المظاهر الإقطاعية لم تتبلور ويتسع نطاقها على منوال ما حدث في أوروبا التي كاد نظام الإقطاع يكون فيها عامّا شاملا . يمكن القول أن القيم البدوية المتغلغلة في أعماق النفسية العربية قد منعتهم من أن يرضخوا لنظام الإقطاع الذي يفقد الفرد فيه قسطا كبيرا من حرّيته جراء حماية ربّ القلعة له . إنهم لجأوا بدلا من ذلك إلى نظام العصبية حيث يكون الشيخ فيه رئيسا متبوعا لا سيّدا مسيطرا . وهذا أمر قد اعتاد العرب عليه من قديم الزمان . إن العزّة البدوية أقرب إلى روح العصبية منها إلى روح الإقطاع )) (238) .
أي أن الإقطاع قد تأخر ظهوره في المجتمعات العربية بسبب تفشّي القيم البدوية فيه . ويرى الوردي أن بعض الباحثين يحاولون دراسة تاريخ المجتمع العربي في عصوره المتأخرة في ضوء دراستهم لتاريخ المجتمع الأوربي في القرون الوسطى . ولهذا رأيناهم يصوّرون تطور المجتمع العربي كأنه مرّ بنفس المراحل التي مر بها المجتمع الأوربي ، كمرحلة الرق ثم الإقطاع ثم الرأسمالية . وقد ظهر هذا الرأي المغلوط لدى بعض الباحثين في العراق مؤخرا ، حيث هم يظنّون أن العراق يتحول الآن من نظام الإقطاع إلى نظام الرأسمالية . وكأنهم يرون أن العشائر العراقية كانت في العهد العثماني تعيش في ظل نظام الإقطاع . والواقع أن العشائر الإقطاعية العراقية لم تعرف الإقطاع إلا منذ 1930 ، وذلك بعد أن قويت سيطرة الحكومة على العشائر وشُرِع بمسح الأراضي الزراعية وتسجيلها باسم الشيوخ . ولعل هذا واحد من الفوارق الجسيمة التي تفرض علينا أن نجد طريقنا الخاص في دراسة مجتمعنا ( 239) .
# علم الإجتماع الخلدوني يختلف عن علم الإجتماع الغربي :
———————————————————–
يلاحظ الوردي أن علم الإجتماع الذي نشأ على يد ” كونت ” ، ثم ترعرع على يد غيره من علماء الغرب ، قد بحث في أمور قلما نجد لها أثرا كبيرا في علم الإجتماع الخلدوني . فكونت وأمثاله من علماء الغرب كانت أذهانهم مشغولة بالقضايا التي كان المجتمع الغربي يتساءل عنها ويثير حولها الجدل . لهذا كانت دراساتهم الاجتماعية مطبوعة بطابع تلك القضايا قليلا أو كثيرا . أما ابن خلدون فقد كان ذهنه مشغولا بقضايا أخرى ، هي تلك القضايا التي كانت الحضارة الإسلامية تُعنى بها ، كقضية الصراع بين الدين والدولة ، أو بين العرب والعجم ، أو بين البداوة والحضارة ، أو ما أشبه ( وفي الهوامش يشير الوردي إلى أن هذه القضايا كانت موضوع الأطروحة التي تقدم بها إلى جامعة تكساس لغرض الحصول على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع عام 1950 – راجع ص 286 ) . ومن هنا صار علم الإجتماع الخلدوني يختلف عن علم الإجتماع الحديث من وجوه كثيرة ( 240) .
وفي محاولة من الوردي لإثبات حداثة نظرية ابن خلدون في علم الاجتماع يشير إلى أن :
(( كثيرٌ من متعلّمينا اليوم يستنكفون من دراسة علم الاجتماع الخلدوني ، إذ هم يعدونها من جملة العلوم القديمة التي ذهب زمانها ، كطب الرازي وتنجيم الطوسي وكيمياء جابر بن حيان . وكأنهم يرون في نظريات علم الاجتماع الحديث ما يغنيهم عن دراسة نظرية اجتماعية عتيقة أكل الدهر عليها وشرب )) (241) .
ويعلق الوردي على هذا الموقف بالقول بأن نظرية ابن خلدون هي أكثر حداثة وجدة حتى يومنا هذا ، وتختلف عن طب الرازي وكيمياء ابن حيان في أنها حيّة حتى يومنا هذا فـ :
ali alwardi 2(( نحن ندرس اليوم طب الرازي أو غيره من العلوم القديمة من وجهة نظر تاريخية . أما علم الاجتماع الخلدوني فيجب أن ندرسه من وجهة نظر عملية تنفعنا في عصرنا هذا ، لا سيما في دراسة مجتمعنا العربي الراهن . فنحن إذ نقارن بين أحوال المجتمع العربي في أيام ابن خلدون وأحواله في أيامنا ، نجد شبها كبيرا . ومن هنا تأتي أهمية علم الاجتماع الخلدوني لنا كموضوع للدراسة في مدارسنا الحديثة . نحن لا نُنكر ما في علم الاجتماع الحديث من نظريات قيمة ، وما فيه من فائدة لا يُستغنى عنها في دراسة مجتمعاتنا ، ولكن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نستغني بهذا العلم عن علم الاجتماع الخلدوني . لست مغاليا إذا قلت بأن علم الاجتماع الخلدوني يمكن اعتباره مدرسة قائمة من مدارس علم الاجتماع الحديث . ولعل هذه المدرسة الخلدونية أقرب إلى فهم مجتمعنا من بعض المدارس الأخرى )) (242) .
إن موضوع الصراع بين البداوة والحضارة الذي هو محور النظرية الخلدونية هو الفارق الحاسم بين النظرية الخلدونية وبين مدارس علم الاجتماع الغربية . فالباحث الغربي لا يُعنى كثيرا بدراسة معضلة الصراع بين البداوة والحضارة لأن جُلّ جهده البحثي ينصب على المشكلات الاجتماعية التي يواجهها أفراد المجتمع عند انتقالهم من مجتمع سكوني ( بدائي أو ريفي ) إلى مجتمع حركي ( مدني معقّد ) . ولكن رغم أن هذا الصراع الذي سيواجهه الناس في حالة الانتقال هذه يشبه في جانب منه المقارنة التي أقامها ابن خلدون بين البدو والحضر إلا أنه يختلف كثيرا ، فلم نجد في أوروبا أن الريفين يهاجمون المراكز المدينية ليؤسسوا فيها دولة . كما أن المجتمع البدوي يختلف في خصائصه عن المجتمعات السكونية البدائية والريفية ، فرزق البدوي في ظلال رمحه كما يقول ابن خلدون . المجتمع البدوي يقوم على أساس المغالبة والفروسية والفخار والتنافس على الرئاسة . كما أن حياة المجتمع البدوي تقوم على أساس الحصول على المراعي التي هي قليلة أصلا ، ولذا يجب أن يحصلوا عليها بالغزو والقتال .
ويلفت الوردي انتباهنا إلى رأي شائع في الأوساط العلمية الغربية سابقا وهو أن البداوة مرحلة اجتماعية مرت بها كل الأمم من قبل وذلك خلال تطورها نحو الحضارة . حيث هي – أي البداوة – مرحلة وسيطة بين المرحلة الابتدائية ومرحلة الزراعة ثم مرحلة التجارة والصناعة . والوردي يرى أن هذا الراي خاطيء لأن البداوة لا يمكن أن تظهر في مجتمع ليس فيه صحراء . ولأن المنطقة العربية فيها أعظم منطقة صحراوية في الكرة الأرضية فهي الممتحنة بدرجة أكبر من بقية المجتمعات .
وفي بحثهما لمنشأ الدولة درس العالمان ( جومبلوتز ) و ( أوبنهايمر ) البداوة وصلتها بنشأة الدولة واعترفا بأنهما استفادا في ذلك من نظرية ابن خلدون . لقد انتقد (جومبلوتز) نظرية ” العقد الاجتماعي ” التي جاء بها روسو وهوبز ولوك ، والتي ترى أن الدولة نشأت من جراء عقد اجتماعي اتفق عليه الناس لاختيار حاكم اشترطوا أن يكون عادلا فإذا أخلّ عزلوه ، ويرى أن الدولة جاءت نتيجة النزاع بين الجماعات البشرية المختلفة .. ويرى الوردي أن هذه النظرية مستمدة من نظرية ابن خلدون لكنها لا تطابقها إلا عندما جاء ( اوبنهايمر ) الذي رأى أن الدولة نشأت بتأثير النزاع بين البدو والحضر . وهذا – حسب الوردي – هو الذي جعل الدول الكبيرة تظهر لأول مرة في التاريخ في العراق ومصر ، مثلما ظهرت فيها الحضارات العظيمة الأولى . وذلك لأن صراع البداوة ولحضارة في هذه المنطقة كان على أشده .
# الدولة تنمي الحضارة وتشيع الإستغلال :
—————————————-
ويطرح الوردي وجهة نظر فريدة في هذا المجال حيث يرى أن هذه الدول تقوم بإنماء الحضارة مثلما تقوم بإشاعة الظلم والإستغلال :
(( إن الضرائب الكثيرة التي تجبيها الدولة من رعاياها تجعل الطبقة الحاكمة ذات فراغ وترف ومال وفير . ولابد من إنفاق قسط من هذا المال في تشجيع الفن والعلم والصناعة ، وعند هذا تظهر طبقة الصُنّاع والعلماء والفنانين يعملون لاشباع شهوات الحكام المترفين . ولولا هؤلاء لما نشأ أولئك . إننا لا نتوقع ازدهار الحضارة في مجتمع بدائي لا دولة فيه . ففي هذا المجتمع لا يوجد حاكم مُسيطر ، بل يوجد مكانه رئيس متبوع يطيعه الأفراد طوعا واختيارا . ولهذا لا يستطيع الرئيس في مثل هذا المجتمع أن يستغل أتباعه من جهة ، أو يقسرهم على انتاج معالم الحضارة من الجهة الأخرى . ولا تكاد تظهر الدولة في المجتمع حتى يظهر معها الاستغلال وازدهار الحضارة في آن واحد . والدولة إذن ذات محاسن ومساويء في الوقت ذاته .. وابن خلدون فطن إلى هذا حيث كان يجري في بحثه حسب منطقه الجديد الذي يرى في كل شيء وجهتين : حسنة وقبيحة . فقد رأيناه يميز أولا بين الرئيس المتبوع والملك المسيطر ، وكيف أن الأول منهما يستمد رئاسته من طاعة قومه له والتفاف عصبيتهم حوله فلا قهر له عليهم ، وكيف أن الثاني يقوم على التغلّب والحكم بالقهر . ويقول ابن خلدون : إن الرئيس المتبوع لا يظهر إلا في البداوة قبل تأسيس الدولة . أما بعد تأسيسها فيصبح الناس فيها طبقات يعلو بعضها على بعض ، ويكون الملوك في أعلى تلك الطبقات . وبهذا يتم تعاون الناس في انتاج الحضارة . ويشير ابن خلدون إشارة واضحة إلى المظالم التي تنتج من هذا النظام الطبقي . ولكن هذه المظالم في رأيه لابد منها ، إذ هي نتاج عرضي لما يحدث في الناس من إكراه على التعاون في سبيل الانتاج الحضاري . يقول ابن خلدون : ” ثم إن هذا التعاون لايحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ، ولما جُعل لهم من الاختيار ، وأن أفعالهم إنما تصدر بالرويّة والفكر لا بالطبع ، وقد يمتنع من المعاونة فيتعيّن حمله عليها . فلابد من حامل يُكرِه أبناء النوع على مصالحهم ، لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع )) (243 ) .
يخلص الوردي من العرض الوافي السابق إلى استنتاج يقول فيه :
(( خلاصة ما أردت قوله هو أننا في حاجة إلى علم اجتماع خاص بنا يستمد إطاره من تراثنا الاجتماعي ويستند على دراسة واقعنا . ولست بهذا انتقص من قيمة علم الاجتماع الحديث أو أستهين بأهميته في دراسة مجتمعنا ، إنما يجب أن لا نكون فيه مقلِّدين حيث نأخذ بكل ما جاء به من نظريات ومفاهيم ثم نحاول تطبيقها على مجتمعنا بغض النظر عن الفروق بينه وبين المجتمع الذي نشأ فيه علم الاجتماع الحديث . إن علم الاجتماع الخلدوني على الرغم من عيوبه الكثيرة أقرب إلى فهم مجتمعنا من أي علم اجتماع آخر . فهو قد نشأ في أكناف المجتمع العربي واستمد إطاره من واقع هذا المجتمع ومن تاريخه )) .
ويتوّج الوردي صيحته الريادية هذه التي ظل وفيا في الطرق عليها – بلا مجيب في العراق على الأقل – حتى نهاية حياته بالقول :
( لقد آن الأوان لكي نرجع إلى الأساس الذي وضعه ابن خلدون لعلم الاجتماع والذي أهملناه طويلا ، فنزيل عنه تراب الزمن ونلقحه بما ظهر مؤخرا من نظريات ومفاهيم اجتماعية جديدة . وبهذا قد نتمكن من بناء علم اجتماع خاص بنا يلائم المجتمع الذي نعيش فيه . إلى هذا تطمح اليوم أبصارنا ) .
وتتجلى أهمية الدعوة الوردية الخطيرة هذه في الخيبة ؛ خيبتنا في أننا لم نفلح إلى الآن – ونحن نقف قريباً من منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة – في تأسيس علم اجتماع عربي خاص بمشكلات مجتمعنا .
# تدريس علم الإجتماع ودراسة المجتمع العربي على طريقة وعّاظ السلاطين هو الذي اوصلنا إلى نكسة 5 حزيران:
————————————————————————————————————-

kh alwardi 4وترتبط بدعوة الوردي إلى تأسيس علم اجتماع عربي خاص بنا والتي مرّ عليها أكثر من خمسين عاما من دون جدوى ، مداخلاته حول برامج تدريس علم الاجتماع في المدارس والجامعات والتي اعتمدتها بعض البلدان العربية.
هذه المداخلات والتعليقات طرحها الوردي في الستينيات بعد أن أصدر كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ) حيث لاحظ محاولات إدخال موضوع دراسة المجتمع العربي في مناهج السنوات الأولى من جميع الكليات والمعاهد الدراسية ، فانتبه إلى أن هذه المناهج يطغى عليها الطابع الوعظي والأسلوب الحماسي بدلا من الأسلوب الموضوعي . ويذكّر الوردي بما كتبه في الصفحة (10) من كتابه ذاك حيث قال :
(( لستُ أشكّ في أن هذا المنهج الوعظي في دراسة المجتمع العربي مهم ومفيد ، لاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون المؤلفات السائرة على هذا المنهج قد كُتبت لتوضع بين أيدي طلاب هم في السنوات الأولى من دراستهم الجامعية ، فلابد لها إذن أن تنحو نحو الوعظ والتوجيه لكي نفتح عيون الطلاب إلى ما عليهم من واجبات تجاه وطنهم الأكبر ، ولكني أعتقد أننا لا يجوز لنا أن نقف عند هذه الدراسة التوجيهية فنكتفي بها ، ولا نتعداها إلى دراسة أخرى أكثر عمقا منها وأقرب إلى منهج علم الاجتماع الحديث. أخشى أننا إذا غلونا في الاندفاع بهذا التيار أن نكون مثل وعّاظ السلاطين الذين كانوا يملأون عقول الناس بالمُثُل الطوبائية ، بينما هم يغضون النظر عن الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه الناس ، والذي يمنعهم من إدراك تلك المُثل العالية )) .
ويعلن الوردي عن أسفه لأن دعوته تلك إلى الدراسة الموضوعية لم تلق في حينه قبولا لدى الكثيرين . ولكن الهزة العاصفة التي أحدثتها نكسة الخامس من حزيران عام 1967 في بنية المجتمع العربي والثغرات المميتة التي كشفتها في مناحي الحياة العربية كافة ، قد جعلت الأصوات ترتفع من جديد داعية إلى ضرورة اعتماد المنهج الموضوعي في دراسة المجتمع العربي ، وهي الدعوة التي أطلقها الوردي وتحدث عنها كثيرا دون أن تلقى الاهتمام الضروري بها من قبل الجهات المرجعية السياسية والفكرية . وبعد أن يقتبس الوردي فقرات من مقال لمحمد حسنين هيكل نشرته جريدة الأهرام في 13/1/1968 يشير فيه إلى أن من أسباب الهزيمة هو أن القوى الثورية العربية لم تتوفر لديها دراسة علمية للموارد الإنسانية في العالم العربي ولذلك اعتمدت على العاطفة وحدها ، ( والعاطفة بالطبيعة – وعندما تكون وحدها – تكون قصيرة النفس غير قادرة على الشوط الطويل المثابر ) . هذا في الوقت الذي أمضى الوردي عمره كاملاً وهو يصيح ويدعو إلى التوازن بين دافع الحماسة ودافع الموضوعية في أنفسنا كما بيّنا وكما سنفصل ذلك لاحقا .
# محاضرة الوردي الإشكالية عام 1951 هي أول محاولة لتطبيق الفكر الخلدوني:
————————————————————————
وتبقى هناك ملاحظة مهمة أخيرة وهي اهتمام الوردي المبكر بفكر ابن خلدون ، وهو الأمر الذي يعكس جديّة اهتمامه وقصديته . فقد جعل الوردي لابن خلدون الجزء الأكبر من أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة تكساس عام 1950. ثم جاءت محاولته التطبيقية الجسور في أول مواجهة علنية يخوضها في المجتمع العراقي ، وتمثلت في محاضرته الشهيرة ( شخصية الفرد العراقي – بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث ) والتي ألقاها عام 1951، والتي أثارت ردود أفعال شديدة ومتضاربة لأنها كانت المناسبة العلنية الأولى التي يتصدّى فيها باحث عراقي ليطرح بجرأة ووضوح محكوم بمنهجية جديدة غير مألوفة وبأسلوب بسيط بعيد عن المصطلحات الشائكة المعقدة ، الجوانب السلبية في شخصية الفرد العراقي ويقترح السبل لتغييرها والنهوض بالمجتمع العراقي كي يلحق بركب الحضارة .في تلك المحاضرة قال الوردي :
(إن من دواعي الفخار لنا حقا أن نجد أن الحضارة الإسلامية قد أنتجت مفكرا يختلف في هذا الصدد عن غيره من القدماء ، هو المفكر العربي المشهور عبد الرحمن بن خلدون . فقد حاول هذا المفكر أن يدرس شخصية الإنسان ، لا على أساس الموعظة والإرشاد كدأب الناس قبله ، بل على أساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها . وجد ابن خلدون أن البدو كانوا موسومين في ذلك العهد بالتخريب وبالنفرة من العلم والصناعة ، فقام مدافعا عنهم بأسلوب يقرب من أسلوب علماء الاجتماع الحديث ) .
ثم يستشهد بقول لابن خلدون ذي أهمية كبيرة رغم تهافته في جوانب كثيرة منه ، وأعتقد أن هذا القول هو الذي أسّس عليه الوردي – بنبوغه الفائق – أطروحاته في كتبه اللاحقة وخصوصا : خوارق اللاشعور (1952) ، ومهزلة العقل البشري (1955) :
( في رأي ابن خلدون أن الشخصية الإنسانية على أنماط شتّى فإن هي كانت من نمط معين صعب عليها أن تكون من النمط الآخر .. وعلى هذا فقد استنتج ابن خلدون أن طلب العلم والبراعة الصناعية صفة الأمة المغلوبة الخانعة ذلك لأنها تستدعي الخضوع والصبر والعمل الكادح ، وهذه مزايا لا تتفق مع مزايا الإباء التي اتصف بها البدوي . فالإنسان في نظر ابن خلدون لا يستطيع أن يكون محاربا باسلا وطالبا للعلم في نفس الوقت ، وكذلك لا يستطيع أن يكون بطلا أبيا وصانعا ماهرا في آن واحد . وكذلك اثبت ابن خلدون بأن العلوم والفنون لا تنشأ إلا في المجتمع المتفكك الذي ينشأ فيه بنفس الوقت الميل إلى الإجرام والخلاعة ) .
ثم يعلّق الوردي على فرضية ابن خلدون هذه بمقاربة تزن الجوانب السلبية مقابل الجوانب الايجابية لأي فكرة ، وهي المقاربة التي حكمت تعامله النقدي مع أي فكرة أو رأي يطرح للمناقشة حتى لو كان ضده وضد أفكاره ويحمل أقسى درجات التحامل والأوصاف المهينة ( كما سنرى ذلك لاحقا ) :
( إن نظرية ابن خلدون هذه رغم ضعفها الظاهر بالنسبة للحضارة الحديثة ، تحتوي على دقة نظر في موضوع الشخصية بالنسبة للحضارة القديمة ، وهي تُعتبر ضربة قوية ضد التفكير القديم الذي كان يرى الإنسان قادرا على تكوين شخصيته كما يهوى ويجمع فيها من الفضائل ما يشاء . كانت نظرية ابن خلدون هذه كالومضة الخاطفة تبزغ في حلك الظلام ثم تنطفيء سريعا حيث كانت سابقة لأوانها بعدة قرون ، وما كاد صاحبها يموت حتى نسي العالم موضوع الشخصية كما نسي اسم ابن خلدون .. ولم يلتفت العالم إلى موضوع الشخصية من جديد إلا في عصر النهضة الأوربية ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *