رواية ( حلم وردي فاتح اللون ) لميسلون هادي.. إقرأها على مسؤولية موقع ( الناقد العراقي ) :

قراءة : حسين سرمك حسن
ملاحظة : سوف تُنشر الدراسة كاملة في الأسبوع المقبل
.. هذه رواية الشدائد الفاجعة ، والشدة الفاجعة – علميا وإجرائيا – أعظم هولا من المحنة والكارثة .. الكارثة والمحنة قد توفر الكثيرين من تأثيراتها السلبية ، ولكن الشدة الفاجعة لا توفّر أحدا .. وقد عبرنا حدود المحنة منذ سنوات والحمد لله وصرنا نقف في مركز جحيم الشدة الفاجعة . ورواية الشدائد الفاجعة عطلتها ” ميسلون هادي ” طويلا . ويتحدثون عن ضرورة أن يكون الواقع متفجرا وصاخبا وممزقا ليقدم للروائي عجينة ساخنة يشكّل منها إبداعه .. طيّب هذه عجينة بحجم الكون .. وهذا تنور بسعة جهنم .. وهذا حطب بمقدار خمسة وعشرين مليونا .. فماذا تنتظرون .. أيها الكتاب العراقيون ؟؟ .. دخل واقعكم مرحلته المابعد- سوريالية وأنتم تتحدثون عن تعطيل مسيرة الإبداع من قبل النظام السابق ؟!.
وإثر موت “فرانكو” دكتاتور أسبانيا السابق تحدث الروائي الأسباني المعروف ( خوان غويتيسولو) الذي قضى قسطا كبيرا من حياته في المنفى ، في باريس ، هربا من الجحيم الذي أقامه فرانكو لأكثر من (35) عاما ، تحدث إلى  مجلة ” تري كوارترلي” الأمريكية . قال غويتسولو : يجب أن اعترف أنني احتجت إلى سنوات من الإقامة في الخارج للتخلص ليس من الرقابة وحدها، بل ومن الرقابة الذاتية التي استبطنتها وطبقتها على شغلي . فعلّق مراسل المجلة قائلا : إثبات آخر للنتائج الوخيمة للرقابة الذاتية هو أنه بعد موت فرانكو توقع كثيرون منا أن مخطوطات كثيرة لم يتح لها أن تنشر في ظل فرانكو ستخرج بطريقة سحرية من أدراجها في اسبانيا كلها .
غويتيسولو: لم يداخلني هذا الوهم أو ذاك الأمل لسبب بسيط هو أنني خلال سنوات طويلة في باريس كنت المدير الأدبي لطبعات “غاليمار” – وبالتحديد لأن دعاية فرانكو كانت تتهمني لأنني ناشر الأعمال المعادية لأسبانيا ( والمقصود بها معادية لفرانكو )- فقد كنت أتلقى مخطوطات (مدمّرة) من أناس كانوا يقولون إنهم لم يرسلوها إلى الرقيب . وقد اكتشفت بحزن خاص أنه ليس فيها استحقاق أدبي- أي ليس لها قيمة أدبية بالنسبة للقارئ الفرنسي. كانت ببساطة شهادات مباشرة ولكنها، بالتدقيق، لم تكن أعمالاً أدبية ) .

فأين الأعمال الروائية التي كانوا يقولون أنهم أخفوها في طيات ضلوعهم لعقود طويلة .. وأن خزاناتهم قد امتلأت بالمخطوطات المقموعة ؟ طيّب .. سقط النظام الدكتاتوري السابق والعراق يتمزق ، وأنزل الأمريكان الغزاة جهنم من السماء إلى أرض العراق .. فمتى تكتبون رواية المحنة على الأقل ؟
والآن تأتي رواية الشدة الفاجعة من ميسلون هادي التي كتبت – قبل الإحتلال – أكثر الروايات جرأة وفنية في مهاجمة الواقع الفاسد السابق في رواياتها “العيون السود” و”يواقيت الأرض” وقصصها القصيرة الكثيرة – راجع كتابنا عنها الصادر عن دار الشروق عام 2002 – ، وها هي تقدم رواية الشدة الفاجعة الناضجة مبنى ومعنى ، لعلها تكسر أبواب “العنعنة” السردية . رواية “حلم وردي فاتح اللون” –  المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2009 – ليست رواية تقريرية عن الخراب الذي يعصف بالمجتمع العراقي من كل جانب ، بل هي درس في كيفية تحويل تراب المعاناة إلى تبر الفن السردي الباهر ، المشكلة ليست في “تسجيل” الخراب الجنوني سرديا ، فهذا تصوره الصحافة والفضائيات كل لحظة وتعرضه بأفضل شكل وبصورة ساخنة ، لكن المعضلة هي في كيفية تقديم نص يسبق الواقع أو يسير- على الأقل – بموازاته . قلت سابقا أن مشكلة الكتاب العراقيين صارت تتمثل في أن الواقع العراقي المتفجّر سبقهم وباتوا يلهثون خلفه ، في حين أن ما اصطلح الإتفاق عليه منذ قرون مديدة هو أن الإبداع يسبق الواقع ويشكّله ، صارت عواصف الواقع العراقي تتلاعب بالمبدع العراقي وتطوّح بكيانه . قال الروائي “عبد السلام العجيلي” سابقا : ” الأمم السعيدة ليست لديها روايات ” ، أي أن الرواية وليدة تعاسات الشعوب وأحزانها ، فكيف والواقع العراقي قد دشن ومنذ سنوات مرحلة “ما بعد الحزن” ، و “ما بعد التعاسة”!! . لكن هذا لا يستعصي على أنامل المبدعين المقتدرين أمثال “ميسلون هادي” التي حوّلت حجارة الفاجعة الوطنية السوداء إلى لآليء سردية مشرقة ، مشرقة بالخيبة وإيحاءات الفقدانات الجسيمة . بنبرتها الأسلوبية الهادئة التي عُرفت بها تمزّق روحك ؛ بحركة شخوصها التي تحكي وليس الراوية (فادية) التي تسجل ، تخز – مع كلّ مشهد يقتحم فيه الأمريكان المنزل وخشية الأم (أني) من أن يُلقى القبض على ولدها الوحيد (ياسر) الذي جاءت به من الموصل هاربا بعد أن لطم صديقه لأنه اشتغل مترجما مع الأمريكان ، ولأنه أيضا صار نزيل الجوامع هربا من أنياب الكارثة ، مع كل مشهد قتل كالصيدلي الذي كانت تشتري منه الدواء والذي جاءت أبوه واحتضن جثته في عراء الشارع بعد أن لم يقترب منه أحد لأن (الجماعة) يقتلون من يتعاطف مع ضحيتهم ، ولا أحد يعرف من هم (الجماعة) ، وقد يكون هذا ليس الضرورة الأولى ، ففي العراق “الجديد” لم يعد يشغلنا من الذي ( يَقتُل ) ؟ بل أن نعرف من الذي ( لا يُقتل ) ، حيث يُقتل الصيدلي وأستاذ الجامعة والطبيب والضابط مثلما يُقتل بائع الثلج والحلّاق والخبّاز !! ، ومع كل جثة عراقي يُقتل أكثر من مرّة – والشاب ذو النظارة السوداء الذي قتله خاطفوه الملثمون وألقوه مكتوفا من صندوق السيارة ، أكلت منه حتى الكلاب ، ثم جاءت الشرطة وأطلقت عليه النار ، أي أنه قُتل ثلاث مرّات على أيدي : القتلة والكلاب والشرطة ، فتتساءل الكاتبة ( كم مرّة يجب أن يموت الإنسان في هذا البلد ؟ ) ، مع كل جرح يصاب به بريء مثل جرح عمّار وهو يحاول إنقاذ رجل أطلق عليه (الجماعة) النار وكان لايزال حيّا، مع كل ذكرى عن أيام المسرّات المتناقضة في السبعينات حيث كان الحلاقون يعلقون صور گوگوش الإيرانية وهوليا التركية ، ليأتي محافظ بغداد ويأمر بصبغ سيقان البنات المكشوفة !! تداعياتها مع صديقتها (ريم) وهنّ يذهبن إلى كلية الزراعة في أبي غريب – أقول مع كل ذكرى جميلة راحلة ومشهد موت حاضر معاش تخز الكاتبة قلوبنا بخنجر صغير أنيق ومدبّب . وكلّ هذا يتم بتخطيط وقصدية عاليين . حتى مكان عمل فادية – وسنرى أن اسمها من “الفادي” فعلا – ووظيفتها كان مقصودا . كل شيء كان موظفا من أجل هدفين : الأول الإمعان في تجسيد بل شخصنة الشدائد الفاجعة التي نعيشها ، ثم الهدف الثاني الذي عجز عن تصويره كثير من المبدعين ، بل أن بعضهم أساء تصويره حيث صاروا يقدمون لنا أعمالا فنية عن مساويء صراع السنة والشيعة فيحوّلون الطائفية إلى فن رغم النوايا الطيبة في رسم أضرارها . الهدف الثاني تربوي وطني هاديء يستتر بأردية الفن السردي الآسرة .. الأم ( أني ) مسيحية ، زوجها ( تمام ) مسلم شيوعي سابقا .. وأبوه (الجد) قومي ناصري .. والإبن (ياسر) متديّن ؛ الإبن وحده كان يمكن أن تشتغل ميسلون على تحوّلاته الفكرية والسلوكية الرهيبة وإحباطاته موضوعا مستقلا لرواية قائمة بذاتها تشمل لا معاناة وتمزقات الشباب العراقيين حسب بل معاناة وتمزّقات الشبان العرب والمسلمين في كل مكان أيضا .. شاب كان مغرما بالموسيقى وأرسلته أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد إلى الولايات المتحدة للحصول على شهادة الماجستير في الموسيقى ، وكانوا يعدونه لقيادة الفرقة السمفونية – ولاحظ اختيار الولايات المتحدة كمكان والرسالة الخطيرة التي تريد ميسلون توصيلها حيث يقول لها ياسر الذي تديّن هناك : هناك تجدين إسلاما أفضل !! – . هناك يتديّن ويعيش المفارقات الممزقة : أستاذ الموسيقى الأمريكي يقيم كل أسبوع حفلة لنصرة أطفال العراق ( لا تنسوا أن أربعمائة منهم سلامياتهم ألصقها الأمريكان في سقوف ملجأ العامرية وقتلوهم ” شويا ” حتى التفحّم .. أين أصبح الملجأ الآن ؟؟ ) فيتساءل كيف ينتصر هذا الأجنبي للعراق وهو العراقي يترك وطنه الممتحن ويغادره .والأمريكية فلسطينية الأصل (جوزيل) العازفة معه في الفرقة التي يعشقها وهو يرى أنها الوحيدة التي رفضت شرب قنينة الكوكا كولا لأنها تقاطع هذه الشركة التي تتعامل مع الكيان الصهيوني ثم يتركها لأنها جلست تتشمس بملابس تكشف مفاتن جسدها ، وصاحبه الطبيب العراقي المهووس بالجواز الأمريكي الذي حصل عليه لأنه سيخلصه من المهانة في مطارات الدول العربية !!) . في الرواية كل شيء ينطق بالخراب : جرس الباب الصامت – وهو من “أبطال” الرواية – الذي لم يدقه أحد بسبب تمزق الأحياء وهجرة الناس إلى المنافي وتداعيات الساردة حوله .. أوراق الحديقة الذابلة ..سنادين الورد ( ولا أعرف من هو الناقد الذي قال ذات مرّة أن ميسلون لم تكن موفقة وهي تعد أسماء النباتات في روايتها الرائعة “نبوءة فرعون” – وهي أيضا من روايات المحنة المهمة وكانت ، باعتقادي ، تمهيدا لهذه الرواية ، ناسيا هذا الناقد أن الإلتحام بالطبيعة حدّ التفاصيل هو من سمات “الأدب النسوي” ، وأضع هذا المصطلح بين قوسين لأن الرجل الذي يتمتع بقوة الظل الأنثوي – anima في لاشعوره ، حسب التعبير “اليونغي” يمكنه أن يكتب أدبا ” نسويا ” رفيعا ، وراجع “مدام بوفاري” .  ميسلون إبنة هذه الطبيعة الأم المباركة ومن روحها استقت ومضة البقاء وسط عتمة الموت ، ونبضات قلب متفائل في أحشاء جسد واقع يحتضر .  وهذه الفلاحة العشتارية تقدم الدرس في كل روايتها من خلال “الحديقة” التي هي مكون أساس من مكونات المكان في نصوص  ميسلون .. الحديقة تتكلم و “تسرد” وتعِض وتقدم الدروس والعبر . وليس أبلغ من تحولات الحياة في حديقة المنزل الذي استأجرته فادية وهو بيت جدّ صديقتها (سارة) .. وحديقة (ختام) – ولاحظ دلالة الإسم – . ولا أعلم لماذا لم تطور ميسلون الثيمة العظيمة لختام المتصدّعة نفسيا باضطراباتها المحيّرة وهي ترمي كلّ يوم قطعة من أثاث المنزل إلى الشارع فيصطدم بالأسفلت بصوت مدوي ؟ وهل هناك تمثيل فني بارع للخراب أبلغ من هذا ؟ ، ثم حوار ختام البليغ مع الضابط الأمريكي ..و..و..والنهاية العظيمة للرواية التي تلاعبت بنا الكيفية التي صمّمت فيها المشهد الممتد الختامي بحيث أنها قادتنا ونحن محمّلين بقناعة أننا سنجد شيئا انتظرناه طويلا،فنعثر على شيء آخر صادم ومغاير تماما .

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

تعليق واحد

  1. عبد الله احمد

    الاستاذ حسين الموقر
    كل عام و انتم بخير ..
    و اتمنى لموقعهم الاستمرار و التالق ..
    واضح انك معجب بالروائية العراقية ميسلون هي تستحق الاحترام كنت اقرأ لها ايام زمان
    و لكن ارجو ألا يكون اعجابك على حساب الواقع فتقع في مطب ظلم الآخرين ..
    السرد العراقي بدا ينهض و بقوة غير مسبوقة و هناك عشرات الروايات تصدر شهريا
    الجميل أن الكثير منها للجيل الشاب الذي يبشر بخير وافر
    الاسبوع الماضي فقط قرأت روايتين لصديقين هما العمل الاول لاحدهما و الثالث للآخر
    يسجلان واقع الماساة و يطرحان قسوة المعاناة العراقية بأمانة و صدق فني عال..
    لم أقرا رواية ميسلون الاخيرة و لكن من قرأها اخبرني بانها رواية جيدة غير انها لا تبلغ مبلغ إبطال اعمال الروائيين الاخرين ..
    نعم اوافقك الراي أننا كنا نسمع للكثير انه يخبيء أعمالا ( عملاقة ) و لكن بعد سقوط النظام السابق
    لم يظهر شيء كنا نظن اننا سنقرأ ما يدهشنا و يشعرنا بفداحة الظلم الذي كان .. ربما أن الظلم اللاحق هو الذي جعل الكتاب يعزفون عن نشر ما اصبح عملا غير ذي جدوى أو اهمية بالقياس للواقع ما بعد الاحتلال ..
    و شكرا
    عبد الله احمد – البصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *