محمد علوان جبر: الثنائيات المفترضة في: سفر السرمديــــــــة

تعد الرواية من اكثر مكونات الفنون تعقيدا ،  ليس لانها كما يقول – باختين – ( هي التجسيد العالي جدا للتداخلات النصية والنوعية التي تمتلك تنوعا هائلا للملفوظات وحيزا واسعا للعمل ذاته ..)  . وايضا يمكن لهذه المفردات ان تتسع اكثر اذا ماتلبست مجتمعات معقدة عاشت احداثا سياسية واجتماعية تركت اثارها عليه – كما في مجتمعنا العراقي- او على مسيرة السرد خاصة وباقي الفنون عامة . وهذا واضح حيث يمكن تلمس انعكاساتها السردية في شيوع الاشكال الفنية للكتابة المشبعة بالغرائبية والسرد العجائبي الذي يقوم على اسس الفنطازيا متخذا مما يمكن ان تتيحه من خيال حر وواسع ، كما يمكن ان ينهل من محيط الواقعية السحرية متخذا الشعروالموسيقى والكثير من المكملات الفنية التي تدور حول السؤال اللغز اوالفصل المفقود او الحلقة الضائعة في متاهات ومجاهل الاحداث التي تتوالى بشكل سريع ومفجع ، ويمكن ان يدفع من يحاول ان يفك اللغز الدخول في متاهات قد تكلفه حياته .
هذه التقنية – كما هو معروف  – قد وردت في اعمال فنية كبيرة مثل – اسم  الوردة – لامبرتو ايكو و – شيفرة دافنشي – وغيرهم الكثير ، ومن الروائيين العرب الذين استخدموا هذه التقنية العالية التي تتطلب الكثير من الدقة والغوص في اعماق النفس البشرية الروائي العراقي  عبد الخالق الركابي في اغلب اعماله بدءا من رواية – من يفتح باب الطلسم ورواية  الراووق – وقبل ان يحلق الباشق – ومرورا على اجمل روايات الركابي – سابع ايام الخلق – وانتهاءا بسفر السرمدية ، التي ساحاول ان ادخل في بعض تفاصيلها .
وكما اسلفت ، ان الخلفية الاجتماعية والسياسية لبلد ما يمكن ان نلمس انعكاساتها واضحة ومؤطرة بسرد يتماهى مع الحالة  ذاتها  …. فتارة نجده واقعيا صرفا وواضحا الى حد المباشرة الفجة ولكننا نجده في اغلب حالات هكذا اشكال مؤطرا بسرد غرائبي وفانطازي كما هو الحال في – سفر السرمدية – الرواية  التي اختطت لها مسارا عميقا ونموذجيا كما ورد في تقديم  د . مالك المطلبي بقوله ((  يحاول الكاتب تقديم نموذج عراقي لرواية مابعد الحداثة عن طريق مزاوجته بين المدى الروائي والمدى اللاروائي وهو الواقع ،  كما ان المحتوى يدور او يختزل طابع الحياة العراقية الصميمية …)) .
تقوم الرواية على اساس ثنائيات عديدة تختزل الكثير من الحياة العراقية الصميمة التي اشار اليها المطلبي في مقدمته الرائعة ، ثنائيات الواقع والحلم و مكر الكاتب يقابلها ظن القارىء او اللعب  و الكتابة عبر الانتقالات الهائلة في تعدد الاصوات  وثنائية الصداقة والخديعة واخيرا السر وكشف السر ، كل هذه الثنائيات تطرح كخلفيات للفرضيات  والاحتمالات او الاقتراب من كشف اللغز .  بدءا من العنوان ولوحة الغلاف التي تتمحور حول لوحة مشهورة بعنوان – الوصيفات – للفنان الاسباني ( فلاسكيز ) ومرورا بالفصول الاربعة التي تدور حول كلمة – الابد –  يحيلنا عبد الخالق الركابي الى جماليات المعرفة المتجلية بتداخل الازمنة وتعدد الاصوات حيث يتحول عنوان الرواية الى كلمة سر يمارس فيها لعبة فك لغز الشفرة او الدخول الى مكان ما بقصدية – الدخول الى لامتناهيات مقصودة فالسرمدية كما يحاول ان يشرحها بانها:
(   – مالا اول لها ولااخر لها –   و – هي نسبة الثابت الى الثابت – و هي الدائم الذي لاينقطع –  )  و ( الابد ) هو دوام الوجود في المستقبل –  و ( الازل ) هو مالابداية له ولانهاية –  .
عبر هذا الفهم السرمدي للزمن الموغل في الابد ومقاطع المستقبل والماضي الدائم حينا والمنقطع في احيان اخرى، يبحر في متاهات تلك الاسفار ومتاهات الشخصيات المتداخلة التي تستبطن الموروث والجمال والموسيقى والنحت والرسم   ،  وتناول الزمن بمفهومه الفلسفي والعرفاني ، كما في الحوار بين طلال شاكر ووحيد …….
(  اذ كيف لي ايقاف تسرب الزمن الذي لايرحم  بوساطة الحروف والكلمات ؟
…… –  وكيف يتأتى لك ذلك بوسيلة مكانية كالنحت مثلا  ؟ ص39
هذه الاسئلة الكبيرة وغيرها عبر اللغة السلسة التي استخدمها الكاتب والتي كانت تستخدم لغة المخاطب الذي هو القارىء او احد شخصيات الرواية – طلال – او – حامد – او – الروائي – الذي يصر على اشراك – حامد – في اللعبة الروائية منوها الى المكان المفترض ( للقارىء) في خارطة الرواية وهو يشير الى اللعبة  واسرارها، من خلال حكايات واسرار ( شهرزاد ) في الف ليلة وليلة صانعا – شفرة – او لغز يتوقف على حله اكتشاف  حلقة مهمة تؤدي بنا الى فهم الرواية .   وفي تداخل اللعب يحيلنا الى متاهة فك الشفرة بادءا بلوحات موجودة على سطح شاشة الكومبيوتر  ،  لوحات عالمية تعود الى القرن الماضي ولفنانين كبار امثال – مانيه و لوتريك – واختلاط ذلك اللغز بالرباعية الوترية الرابعة عشر – لبتهوفن – وفشله في فك اللغز عبر تلك الوسائل التي صادفته حتى لحظة وصوله الى فصل – سفر السرمدية – الذي يفك كل الالغاز . اما بعد الوصول الى اللغز والعثور على الفصل المفقود نواجه دائما بالموسيقى كحافز وخلفية عامة للاحداث ، ونلمس بوضوح ان بين الموسيقى وباقي الفنون علائق جدلية تفوق المكان والزمان ، فبتهوفن بكل ماتمثله اغلب سمفونياته من رمزية كان حاضرا في كل سطر وكلمة في الرواية مرافقا الابطال وهو يدخلون دهاليز وممرات مذهلة ،  الى الحد الذي يحول فيه الراوي الموسيقى الى كلمات  و الكلمات الى موسيقى بدءا من سمفونية – القدر – بدقاتها القدرية المشؤومة الى السمفونية  الثالثة – الاوريكا – بجلال انغامها الصادحة بالبطولة و الانتصار او – الباستورال – بعزفها العاطفي الطروب الباعث على البهجة موزعا تلك السمفونيات على الشخصيات ومدى تأثيرها على الاحداث ،  وكذلك تضمن الفصل المفقود على تشخيص الفصل واندماجه مع الفصول الاخرى – الجمع بين الازمنة – التي تتوج بفصل الالم او سقوط البطل في الشلل التام .  وعبر عملية التشويق وانغمارنا فيها نحال الى اللعبة القدرية – لعبة الحياة والموت والحب التي جمعت ثلاث شخصيات يربطهم وحيد – الموكل من الروائي بكتابة رواية مشتركة –  وماترتب على ذلك من احداث محاطة – بلعبة القدر – سمفونية بتهوفن الخامسة وتداخل المصادفات مع مسارات اللعبة بدءا من – عقدة الذنب –  التي تكمن وراء كتابة رواية عبر – لعبة – تقتضي مشاركة اثنين من كتابها ،  لنتحول الى سفر الابدية – الذي يلملم فيه – وحيد حلمي – الخطوط الاولية للعلاقات وتعرفه على – طلال حامد – و – ضحى – الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية وحديث الموسيقى التي تنطلق من مكبرات صوت عديدة موزعة في زوايا المعرض الفني وتلك الالات الوترية التي تصدح والزمن هنا متقدم يسبق  الفصل المفقود في اللعبة .   وفي تجسيد مهم وبشرح مسهب عن فهم طلال للفن ورؤيته للزمن (  لعلي اجد الزمن في ذكر الساعات والتقاويم وتعاقب الفصول ) ص 42  من خلال امنيته التي لم تتحقق في اتمام نصب مقترح يعتمد الساعات في المدينة ،  ويقصد الساعات العملاقة المطلة من منارات المساجد وابراج الكنائس  (  محيطا اياها بقواعد ومدرجات ومسلات احفر عليها نقوشا لكتابات عظيمة منوها الى سر بقائها في ذاكرة الاجيال ) …… وهنا نجد ان الراوي يطيح بالتعامل مع الزمن لان كل النصب متعلقة بالزمن ، يتعامل ببعدها الفلسفي وطغيان الجانب الفكري حيث يتحول السرد الروائي الى المباشرة التنظيرية التي اشرنا اليها في المقدمة لانها تتحول الى حوارات ثنائية منظرة كما ورد في الحوار الفلسفي عبر وجهات نظر متقاطعة (  بين وحيد والدكتور ثابت ضاري على مدى اكثر من ستة صفحات متتالية تتمحور حول العولمة والهوية الوطنية وحوار الحضارات ،  او الحوار بين وحيد وحنان حول المفاضلة بين الكتاب الورقي والكتاب المنشور على الكومبيوتر، حيث يطرح عبارة – بورخس المشهورة – انا اتخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة لاتحدها الحدود – ص 156.
وعبر كل هذا المزيج من الفن واللوعة والحب والخوف والمكان المتشكل من مدينة مختلقة تشبه مدن فوكنر التي اختلقها في اغلب رواياته ، كذلك خلق لنا عبد الخالق الركابي مدينة الاسلاف ، المدينة التي يرد ذكرها في اغلب روايات الركابي ، وقد اكد المؤلف فهمه العالي للموسيقى ، تلك المرجعيات الموسيقية الواردة في اغلب فصول الرواية ، حيث تناولها الكاتب كدفاع هائل عن فكرة الجمال – الجمال الفطري للطبيعة –  وطرحها كمحرك هائل لاغلب الاحداث المهمة … (  ان هذه القطعة الموسيقية اشبه ماتكون بطوق النجاة الذي انتشلني في احرج اللحظات ! ) ص 40
وتم طرح كل احداث الرواية عبر اصوات متعددة تبدأ بضمير المخاطب و ضمير الغائب وضمير المتكلم عبر السيرة الهائلة للاحداث .

شاهد أيضاً

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال – د. ميسون حنا) القصصية
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ …

عزاء الوسائد للشاعرة العراقية “منى سبع درباش”
التقطات صورية للبحث عن المعرفة الفكرية في عالم يثير الرثاء والغضب معا
قاسم ماضي -ديترويت

يقال وفي نظر الكثيرين من النقاد الذين لهم باع طويل في مشغلهم الفكري والإنساني ، …

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *