إبراهيم داود الجنابي: مغزى الكتابة … معنى النص
قراءة في المجموعة الشعرية (الأخطاء رمال تتحرك)

المغزى بمفهومه العام مجموع طبقات المعنى داخل النص، والتي يمكن أن نسميها منطقة الإفصاح عن طبقات تلك المعاني ومجموعة الاستجابات الناتجة عنها وصولا إلى المبتغى والذي هو حصيلة تجربة تلك المعايير التي تتشكل عبر البعد المعرفي باعتباره غاية للوصول إلى المثابات والأهداف المخطط لها في حين إن المعنى الذي تتعدد تعريفاته هو الجزء الأهم من تلك المنظومة حيث يرى البنيويون( إن الأحداث والظواهر والأشياء ليس لها وظيفة ثقافية إلا بقدر ما لها من معنى والأشياء التي لها معنى إنما هي بطبيعتها ظواهر اجتماعية أفضل أسلوب لفهمها أسلوب البنى المشتركة والتي عن طريقها يؤلف المعنى)، في حين يرى امبرتو ايكو وهو من رواد نظرية السميولوجيا إن أي نظرية للمعنى تنطوي على نظرية للعمليات وأخرى للبنى) .
المجموعة الشعرية (الأخطاء رمال تتحرك )للشاعر جمال جاسم أمين والتي تحاول منذ اللحظة الأولى أن تضع علامة فارقة من خلال الإشارة إنها قصائد معنى والتي جاءت بقصديه لتحيل القارئ إلى مناطق اشكالوية جديرة بان تشكل منعطفا في الفعل القرائي للمتلقي مؤثرة ومستفزة للوعي التلقوي إن صح التعبير كذلك إنها فعل وخزوي للمناطق المشفرة لدى القارئ والتجوال معه في مسيرة حافلة بالتطبيق والخوض في معترك الأشكال الأدبية وتنظيراتها وصولا إلى مناطق الإدراك والجهد الجمالي لهذه التجربة، حسب ما ذيل الشاعر العنونة إنها قصائد معنى .
إن حركة الاستجابة الأولى- والتي تشكل الوعاء الأول للدخول إلى ثنايا النص ووجود العوامل المشتركة للأحاسيس والتي يمكن اعتبارها مناطق الذروة في الجزء الاتصالي والاندماج النفسي للفضاءات المشتركة مع المتلقي بوصفها المناطق الأكثر مرونة للدخول إلى عوالم النص وفك شفراته- تشكل ذخيرة للوعي الجمعي الذي تتبناه مناطق الوعي الانفعالي ومناطق الاندماج الفكري مشكلا أيقونة تحمل في ثناياها بعدا فرديا وجمعيا‘ تاريخيا واجتماعيا ،فالمعنى الذي يكمن في المفردات التعاقبية للجملة الشعرية قد يكون الفيصل وأداة الإيهام في نفس الوقت لأنه بالكاد يوصلك إلى مناطق الإمساك لتكون بالتالي أمام مسارب متعددة ومتشظية قد تأخذك بدورها إلى مستوطنات تأويلية ما تنفك الارتباط بها حتى يعصف بك القلق التساؤلي والذي لا يمنحك فرصة استقرارية ليأخذ بيدك إلى مناطق شتى تذوب فيها المعاني وينتصر فيها اللامعنى ليس بمعناه التقليدي لتتوضح المشاكسة الحقيقية بين البعد الموضوعي والبعد الذاتي ففي مفتتح المجموعة الشعرية نص /ذكرى قصب صفحة 3 نقرأ
نحن القرويين العزل
عندما لا نجد فسحة للرعاة
ننظر إلى الناي …
على انه ذكرى قصب

إن المعنى والحدث والمنهج الترابطي بينهما والذي يمكن ملاحظته من خلال تفكيك بنية المعنى بدلالاتها الزمنية والمكانية / الثقافية والتاريخية والتي تمهد بكل منطلقاتها إلى تحديد الآصرة و ربط أبعاد ومستويات النص بالحدث من خلال رؤية ابستمولوجية مؤكدة الأساس السياقي الفاعل والذي بدوره يحدد منصات الانطلاق نحو البعد الدلالي للمعنى بصوره الأفقية والشاقولية فالحدث هنا هي الحرب والحرب بمفهومها الحرفي ودلالاتها الواقعة تكاد أن تكون الصفة المشتركة للفهم الموضوعي كونها تشكل ظاهرة تاريخية واجتماعية وعلامة واضحة في تأشير ثنائية الخير والشر والحياة والموت مقتربة من آلية الكشف الدلالي للمعاني المؤشرة مع الأخذ بنظر الاعتبار الفارق الحقيقي بين الفهم الموضوعي والذاتي لتعزيز مفاهيم معينة استباقية يمكن الولوج إليها عبر ممرات استقراء القصد الممتد فوق القصد الواضح

كلما تعصر العمر على قرص خوذة
يبزغ الليل دامسا
ويذبل الصوت في النداء : أيها الحرس
هذه الملاجئ التي نلبسها مثل معطف
تدس إليك رسائل برد
فالشتاء شتاء قذائف
والزمهرير شظايا
كانت السحائب بيضاء
لكن المطر اسود
الألوان جاءت بدلالات متطابقة مع الحدث مختلفة في صيرورتها فعملية الخلط اللوني للأبيض والأسود بدلالاتهما المتناقضة والمعروفة رغم إن المألوف يتحدث عن غيوم بيضاء والتي تحيلنا بدورها إلى غيوم غير منتجة حيث من الواضح إن الغيوم الرمادية أو التي تميل إلى السواد هي غيوم مخصبة وما أن تلتقي بالجو الملغم بالدخان حتى يكون الحدث حيث اندماج الأبيض والأسود بوصف المطر يحمل اللون الأبيض دائما وهذه من محصلات نتاج الحرب حيث تحيلنا هذه الحادثة إلى صورة معتمة وبالتالي تكتسي الأرض والسماء لتتوشح بالسواد لتؤكد لنا في هذا المضمار حضور الصورة المباشرة والتي لطالما كانت حاضرة في ذهن المتلقي كونها من المشاهدات الواقعية وكون إن المسافة التاريخية كانت ولا تزال حافلة بتلك المشاهدات . وهذا ما يؤكد ما ذهبنا إليه حيث تبدو محاولة الاستيلاء على مستودعات التلقي لدى القاري والتي تتأتي عبر قنوات اتصالية مشتركة عندما يكون الخطاب الشعري خطابا جمعيا ويحمل الصفات المشتركة لدى الباث والمستلم بوعي تام وهذا ما يجعل مساحة التأويل مقتضبة ومنحسرة تقع ضمن المساحة الإدراكية لذلك الفعل الذي تسرب من خلال النصوص اللاحقة /اعتراف /إلى الجنود حصرا /الوصايا بلا شعوب /تدوين آخر وغيرها
إن تبني فكرة المعنى بوصفها العلامة المؤشرة سلفا والجزء الأساسي لفعالية دمج الوعي الذي يحدث أثناء القراءة هي الأساس التركيبي لمعرفة مزايا النتاج الأدبي باعتباره الهوية الأكثر نضوجا وإفصاحا عن خبايا النتاج مما يجعلنا إزاء نظرة تبدو للوهلة الأولى تعاقبية البناء لكن الحقيقة تقول إن المعنى يمكن أن يكون ليس بالضرورة تعاقبيا أي إن التسلسل البنائي للمعنى قد لا يعزز بالنتيجة الأمر لصالح المعنى فقد تكون عملية الترميز جزءا مهما من فعاليات جدلية المعنى والتي تسعى بدورها إلى جعل المعنى أصنافا إدراكية لا تخضع إلى السلوك القرائي الانطباعي والذي يخضع بدوره إلى سلوكيات القراءة التقليدية التي تتبنى فكرة مساواة الحدث بالمعنى الذي يمكن التنبوء فيه حيث نقرأ في صفحة 29 نص /إسراء آخر للغريب

كان يهرع إلى أدراج معراجه النازل
ويقف على الأموات
-هذه عزلة …
لا تحتاج إلى ترخيص من احد
وليس يقلقكم أنكم عراة
لان أكفانكم التي هرأها البرد …
كانت قيافة تهريب لا أكثر

هنا يترفع الذاتي على الموضوعي من خلال الارتكان إلى الهاجس التساؤلي الذي يخضع إلى الفردانية التي تتماحك مع المسببات الاجتماعية والتي توحي بها اغلب النصوص وخاصة منها التي جاءت في مؤخرة المجموعة الشعرية والتي تتبنى الجانب الشخصي الذاتي وتحاول أن تقص أجنحة البوح بكل تفاصيلها
يبقى أن نقول إن الهم الشخصي كان الفاعل الأكثر حضورا في تلا فيف المجموعة والذي نعتقد إن وصف هذه القصائد على إنها قصائد معنى هي عملية مسائلة للذات والتي يمكن اعتبارها معيارا مستفزا لكن يبقى السؤال هل إنها قصائد معنى بالقصد الحقيقي الإجابة قد نجدها في دفاتر أخرى للشاعر المشاكس جمال جاسم أمين الذي يخضع إلى عالمه الخاص تارة ويحاول الإفلات إلى فضاءات أخرى تارة أخرى .

شاهد أيضاً

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال – د. ميسون حنا) القصصية
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ …

عزاء الوسائد للشاعرة العراقية “منى سبع درباش”
التقطات صورية للبحث عن المعرفة الفكرية في عالم يثير الرثاء والغضب معا
قاسم ماضي -ديترويت

يقال وفي نظر الكثيرين من النقاد الذين لهم باع طويل في مشغلهم الفكري والإنساني ، …

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *