الرئيسية » فلسفة » حيدر علي سلامة** : أنثروبولوجيا الدرس الفلسفي العربي قراءة في كتاب (حال تدريس الفلسفة في العالم العربي) *

حيدر علي سلامة** : أنثروبولوجيا الدرس الفلسفي العربي قراءة في كتاب (حال تدريس الفلسفة في العالم العربي) *

haidar ali salama 2تعد ظاهرة الكتابة الفلسفية الجماعية في الواقع التاريخي لخطابنا الفلسفي، واحدة من اهم الممارسات المعرفية والثقافية التي طالما ارخت بظلالها على كثير من المعوقات والمشاكل الأساسية والرئيسية التي يواجها واقع الدرس الفلسفي عامة؛ والعملية الفلسفية خاصة. وقد كان لظاهرة الكتابة الفلسفية الجماعية دورا متميزا في تفكيك منطق القطيعة الأبستمولوجية التواصلية والاتصالية بين كافة بلدان الوطن العربي، وتجلى ذلك بشكل واضح من خلال العمل على توحيد صفوف المشتغلين والمهمتين في الشأن الفلسفي كتابة وبحثا وتدريسا، معيدين بذلك تشكيل الواقع التاريخي لكينونة الوجود العربي في التاريخ؛ والثقافة؛ والسياسة والحضارة والتعليم.
وقد كانت ثمرة تلك الوحدة بين المشتغلين والمهتمين في الشأن الفلسفي العربي، هو ولادة ما يعرف بـ ” أنثروبولوجيا الدرس الفلسفي النسبي” ذلك العلم الذي يحاول الارتقاء براهن وبنية الدرس الفلسفي على كافة المستويات المعرفية والمنطقية والحجاجية، للخروج من شرنقة الجمود المنهجي والتزمت الأرثوذكسي والقيّمي المسيطر على مجمل عمليات وقنوات إيصال وإنتاج المعلومة الفلسفية الى ذهنية المتلقي عامة/والطالب خاصة.
من هنا يمكننا ان نعد هذا العمل الفلسفي الجماعي، بداية ابستمولوجية جادة تحاول إعادة اللحمة بين الخطاب الفلسفي وتاريخه وآليات ومناهج انتاجه في المؤسسة التعليمية بشكل خاص؛ والمؤسسة الثقافية والاجتماعية بشكل عام، وهذا ما يتضح لنا من خلال القراءات والشهادات والبحوث الفلسفية المحكمة التي سعت بكل قدراتها التنظيرية والمنهجية الى دمج الفلسفة بكينونة الخطاب/والثقافة السائدة بكافة اشكالها الميثية والمتخيلة التي تشكل روح “اللاهوت الشعبي الجماعي” الذي استأثر هو الآخر باهتمام الأساتذة والمفكرين المشاركين في انجاز هذا العمل الفلسفي الجماعي.

العمل الجماعي: من حال الفلسفة الى أحوال الدرس الفلسفي والتفلسف اليومي

اعتقد ان الجديد الذي جاء به هذا العمل الفلسفي، هو قدرته العملية على تحويل النص الفلسفي من التمركز النظري الى الممارسة الثقافية والتاريخية وهذا يتضح من الناحية المنهجية والميتودولوجية من خلال الاستناد على مجموعة العمليات الظاهرة والباطنة التي مثلت “الإطار التاريخي الكلي” للبحث والتحري inquiry في راهن حال الفلسفة العربية. وبالطبع، ان الامر لا يتوقف عند هذا الحد فحسب، فقد سعى هذا العمل الجماعي الى “مجاوزة ميتافيزيقا النص الفلسفي التقليدي ونقد الابستمولوجيا العقلانية الواحدية والانعزالية” المسيطرة على المشهد الفلسفي العربي، مما انعكس بالضرورة على عملية إعادة مساءلة أحوال الدرس الفلسفي وخطاب التفلسف اليومي برمتها. فلم تعد هناك ثنائيات تحكم الخطاب الفلسفي، بمعنى اننا لا نتكلم عن فلسفة عقلانية تؤرخ لذاتها “بطريقة معيارية غير تاريخية منفصلة عن السياق ومتمركزة في بحبوحتها الاكاديمية المطلقة التيكتاب حال تدريس الفلسفة في  العالم العربي (2) تقع بمعزل عن منطق الكون والفساد”. على العكس من ذلك، اننا نلاحظ ان هناك جملة من التحولات التي ترتقي بالعملية الفلسفية من مرحلة حال الفلسفة “المعيارية والنظرية الثابتة” الى مرحلة أحوال الدرس الفلسفي والتفلسف اليومي “الحجاجية والبلاغية النسبية”. ويعود الفضل في تحقيق هذا التحول الابستمولوجي الى الجهود المبذولة في هذا العمل الجماعي التي عملت بأقصى طاقاتها المنهجية والمعرفية الى إعادة اختبار ونقد النزعة الاساساتية fundamentalists والخاصية الموضوعانية objectivity والمنطقية المسيطرة على بنية وتاريخ الدرس الفلسفي الذي تشكل على مجموعة من الافتراضات والمقدمات الصادقة بالضرورة بمعزل عن الأطر القيّمية والأخلاقية والثقافية والسوسيو-ثقافية والسوسيو-لسانية. وهذا هو بالضبط ما نقصده بمسألة ضرورة التحول والى أهمية الانتقال من مرحلة “حال الفلسفة اللاتاريخي” الى عمليات وصيرورة أحوال الدرس الفلسفي/النسبي والتاريخي، والذي يتطلب إعادة النظر بتاريخ نظرية المعرفة والمنطق وفلسفات العلم والتاريخ، لنكون بذلك قد مهدنا لولادة ممارسات حجاجية وبلاغية جديدة ومبتكرة لم يألفها خطابنا الفلسفي من قبل، الذي ظل منحسرا ومنشغلا بإنتاج/وإعادة انتاج النزعة التنظيرية theoreticism المجردة والنزعة الثقافوية/الذهنية intellectualism المؤدلجة بالضرورة. ويمكننا ان نلاحظ وعلى مدار تاريخ حال تدريس النص الفلسفي العربي، كيف اصبح حال الفلسفة ثابت وقار، وتحول بفعل سيطرة تلك النزعتين الى مجرد سلسلة لامتناهية من عمليات الاجترار والتكرار لمقولات فلسفية أصبحت في ذمة التاريخ مثل مفهوم الحقيقة؛ ومفهوم حب الحكمة؛ ومفهوم العقل المطلق؛ ومفهوم الفضيلة التقليدي وميتافيزيقا الاخلاق النظرية، والقائمة تطول بهذه المفردات التي جردت الفلسفة من أي ممارسة تاريخية، لتحولها الى مجرد “خزان امان” يزود الأيديولوجية المسيطرة دائما بالوقود التي تحتاجه من شعارات وقيّم ورموز ومتخيل ثقافي، تعيد جميعها مأسسة لغة المجتمع ولسانه والتحكم بإنتاج “المقولات الذهنية” للفرد على كافة الأصعدة والاشكال الميديائية.
من هنا فأن تشكيل “اللحظة الحجاجية والبلاغية التاريخية” في هذا العمل الفلسفي الجماعي يهدف الى تأسيس خطاب فلسفي يقف بالضد من مختلف النزعات سواء كانت النزعة النظرية Anti-theoreticism او النزعة الثقافوية/والذهنية المؤدلجة Anti-intellectualism. وهذا بطبيعة الحال سيفسح المجال من جديد لأعادة مساءلة فلسفة الاخلاق/والأخلاق الفلسفية التي سيطرت عليها المبادئ الافلاطونية والكانتية وما شابه، والتي شكلت في الحقيقة اهم العوائق الابستمولوجية امام ولادة منطق الاخلاق النسبية/ونسبية الاخلاق ethical relativism، فمن خلال هذا المفهوم يمكننا ان نقوم بتفعيل منطق البحث في التعليم ومساءلة تاريخ الانطولوجيا والابستمولوجيا التقليدي الذي لا زال ساري المفعول والصلاحية validity في مؤسسات التعليم الفلسفية. اذن من اجل ان يجري الانتقال من سؤال حال الفلسفة الكلي الى مساءلة أحوال الدرس الفلسفي ونقد شروط امكان التفلسف اليومي، ينبغي علينا إعادة اختبار وامتحان وتحليل معظم البديهيات الاستدلالية النظرية الصادقة axiomatic في الاخلاق والقانون والسياسة. وذلك يعود الى ان معظم هذه البديهيات تحولت الى “اساس سلطوي وأكاديمي راسخ ” لا يمكن المساس بقدسيته. فأصبحت بذلك بديلا للأنطولوجيا التقليدية في بنية الدرس الفلسفي. وهذا بالضبط ما اشتغل عليه العمل الجماعي، عندما سعى الى استقطاب عدد من “الأكاديميين العرب” على اختلاف اختصاصاتهم وانشغالاتهم الفلسفية، للمساهمة المشتركة والمتفاعلة لغرض تجاوز وتفكيك الثنائيات التقليدية: ثنائية الاكاديمية/والأفلاطونية؛ حال الفلسفة/واحوال الدرس الفلسفي؛ السلطة/والثقافة؛ المنطق الاستدلالي البرهاني/والحجاج البلاغي الاقناعي، العقلانية الشعاراتية/وفلسفة الخطاب والتداولية الثقافية؛ الأخلاق الافلاطونية/والأخلاق النسبية واسلمة النص الفلسفي المغلق الى أنثروبولوجيا النص الفلسفي المفتوح.

ما نريد ان نخلص اليه، ان نقد ظاهرة اسلمة الفلسفة/وفلسفة الأسلمة في هذا العمل الفلسفي الجماعي، لا يمكن لها أن تنفصل بتاتا عن نقد جذور الاسلمة اللامرئية الكامنة في بنية النص الفلسفي بذاته، والتي يشكل التاريخ التقليدي لحال الفلسفة العربية الغطاء الشرعي لوجودها ولانتقالها من مرحلة القوة الى مرحلة الفعل. وهذا بطبيعة الحال ما يستلزم عملية تكثيف الجهود الاكاديمية والبحثية المبذولة من اجل الاستمرار في منطق التحري والتقصي لنحول دون تمرير آليات منطق الركود الدوغمائية والوقوف عند الظاهر المرئي لهذه الظاهرة المستفحلة ودون الاكتفاء برفع رايات الحداثة وما بعدها وفلسفات التفكيك واخواتها فحسب. بل نحتاج الى أكثر من وقفة منهجية جادة قادرة على نقد “الداخل الأكاديمي للفلسفة” قبل نقد “الخارج الأيديولوجي” لئلا تحصل حالة من المساواة غير متوقعة بين الداخل والخارج.
*مجموعة من الباحثين: حال تدريس الفلسفة في العالم العربي، إشراف أ. د. عفيف عثمان، منشورات المركز الدولي لعلوم الانسان-بيبلوس-برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، 2015
**باحث من العراق-متخصص في فلسفة الدراسات الثقافية/ومابعدها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *