برهان الخطيب : كواليس عالمنا كوابيس (1)

borhan 5لإيصال حقيقة مركبة أو معقدة عن واقع معقد، ملغوم على أرض داعش وبوكو حرام وأوكراينا وغيرها من بقاع العالم، يعمد روائي فطن أو متفاطن إلى اسلوب مركّب، إلى شكل معقد يبدو بسيطا في الظاهر، كما هو الواقع نفسه، ناس تروح تجيء لا يعجبهم حال إذاً عليّ على أعدائي أصدقائي يا مموّل، المموّل كرب العالمين يدري مآل الأشياء، والروائي أيضا يحاول معرفة مآل فوضى يعمل جاهدا لتنسيقها في شكل سالوفة، لكن لا لفائدته كما يعمل ممول معلوم مجهول، ولا لسر كمين لا يسبر كما على مستوى أعلى، عند صمد لم يلد ولم يولد، الروائي ندري يلد يولد يهمه أن يكون لأدبه وسلالته معنى ومغنى، يعني مثل الآخرين يريد حياة معقولة مستورة، تلقائيا تُهمه أو تَهمّه الحقيقة ولو مركبة معقدة، يسعى لتبشير بها فنيا كما يقال، لأذكياء، أو.. هو لا روائي بل عرضحالجي بائس يكتب لبائسين، ورائي يجري وراء الأحداث والإغراء والإطراء، لا روائي حقيقي دوره مساهمة في صنع المستقبل، لو يصنع حقا بصناديق اقتراع.. تقرأ أحيانا افتراء.
الروائي والورائي وما بينهما
ظاهريا تعبير “المموّل كرب العالمين” أعلاه يمكن قراءته بمعنيين، الأول فيه تقديس للقدرة الكلية، ولمموّل، الثاني فيه تدنيس، بمعنى أن الممول هو كرب، بلاء، حزن، لعالِمين يضطرون اللجوء إليه عن حاجة أو جهل. نترك كلام “الحسجة” العراقي، مزدوج المعنى، فالقصد تبسيط موضوع معقد أصلا. خلاصة، يضع روائي تحت أسطره معنى جزئيا وصولا إلى معنى كبير واتساق اجتماعي، إلى صورة ثلاثية الأبعاد، كذلك صناع الأبعاد والواقع يضعون في ثنايا الواقع ما يساعدهم في الوصول إلى بُعد، إلى صورة مرغوبة لهم، صانع الواقع لديه إمكانيات أبهة، لا يريد العيش مثل حمّال الواقع طبعا، حمال الأسية، يعني البون الطبقي في نظره طبيعي، متلائم مع سعة إمكاناته، أما الروائي فحاله حال معمم يحلم بجنة، ذاك أرضية، هذا سماوية، ويحلمان بما يسمى عدالة، يوتوبيا، مملكة فاضلة، كذلك معارضة وسلطة، يتقاربان عند ثقة كل منهما في ذاته، في معتقده، فالآخر، يدفعان الواقع نحوها، أو يتبادلان الضرب يخسر كلاهما عند تأكيد أي منهما أنه أفهم من الآخر. مشروع فيلم يُخرج لهما عنهما مموّله يريده مشوقا، أكشن، نهايته انتصار احدهما هزيمة الثاني، ليصار لإخراج الجزء التالي من المسلسل، انتصار الثاني هزيمة الأول، يستمر العرض، تتدفق الأرباح، يعيش الممول حياته المرفهة، الممثلون والمخرجون المنفذون دعهم يعيشون عيشة وسط، بينه وبين الجمهور، وإلاّ الكل يريد يسهم بالتمثيل والإخراج فمن يكون المتفرج وكيف ينجح مشروع الفيلم المسلسل المستمر منذ تأسيس الدولة العراقية. يعترض أحدهم: كلامك فنطازيا من غير دليل! الرد: أولا متنكب مشروع خفي يقترب إلى مرتكب جريمة يجهد أن لا يترك دليلا في الواقع، من أين أجيء به، لو يشهد على ذلك عاجز قد يمثله جيمس ستيوارت كما في فيلم هيتشكوك يتعرض بدوره لجريمة، لمحو الدليل، والعاجز قد يكون الروائي، الرائي، يرى لكن لا يمكنه غير أن يروي، في أشجع حال، لا محكمة تصدقه يذهب إليها. مهلا، لنسمع ما يقوله وزير الأمن الاسرائيلي موشيه يعلون عن الاتفاق النووي مع ايران: الاتفاق بين الدول الكبرى وإيران يمثل انتصار اسلوب الكذب والتضليل. هل ترى؟ لا يصرح كذب مَن، تضليل مَن، واضح حتى وزير أمن دولة مهيمنة يُخدع، يكاد يهتف واو كبيرة من الدهشة، تصير دولته واوية (ليس تغطية لنووية تجنب أن لا أبتلي، نعم نصحتني صحافية سويدية عارفة: إنس نووية نسيتها) المهم، خدعوا المسكين وزير الأمن تركوه في ظلام رغم ضخامة تنوير اجهزة الإعلام في يده فكيف حال غيره ممن لا يملك غير قلم غير مقطوط ومقال من رئيس تحرير مشخوط، تنويرا نحو جهة دون غيرها؟ الواضح يتبدى: القصد تضليل فوق التضليل السائد، كذب فوق الكذب السائد. الحمد، الناقص مضروب في ناقص يساوي زائد، يربح مَن لا يصدق الإعلام، نص تحت نص تحت نص آخر، هللويا، مَن يقول الواقع غير مبرقع بالعديد من السُتر أهبل أو مشارك في برقعته، ستربتيز الواقع أحيانا يثير شهوة أبلد صحفي، فكيف لا نكتب!
القنصل الايراني وحده يدفع
انتهينا إذاً من إثبات ازدواجية أو ثنائية أو ثلاثية الواقع، لا أحد يعلو على السيد يعلون، هل يُعلى من يعلون؟ ذلك التمظهر يُسمى روائيا “عمق”، معنى تحت النص، من ذلك يمكننا النظر حتى إلى وثائق ويكيليكس، والتسمية من جزأين أفترض، ويكي، ويكد، كيد، شرير، ليكس من ليك، لك، تسريب، بمعنى تسريبات شريرة، يا للصراحة من غير عجب، للذين يزيفون قل يصنعون الواقع اخلاق أيضا، عالية، هم يشتغلون لا يكذبون، تسريب ويكيليكس بدوره يصير جزء من الواقع المزدوج، في الوقت الذي تكشف وثيقة منه فضيحة، تُخفى فضيحة أخرى داخلية، كيف؟ يعلنونها شبه صريحة، تسريباتنا شريرة، نحن لا نخدع، حتى لو في الباطن خدعة. والتسريبات لو نكف عن تصديق براءتها في منطق، نعمل على تعريتها، كما هو الواقع غير البريء الذي تعريه، نجد أنها تبرز للعلن حين تبدأ روسيا وأمريكا في تقارب، يلوح أمل تفاهم واستقرار على الأفق، لكن أوه فيه.. يتأوه متأوه، ذلك غير ملائم لشركات انتاج سلاح، الحروب المستمرة المسيطر عليها نافعة ليس فقط لجلب الأرباح، بل وأيضا لتقليم رؤوس بشر خردة يزداد عدد نفوسهم يهددون بتغيير معادلات التاريخ والجغرافيا والبيئة، إذاُ لتبق روسيا وأمريكا، ومعهما العالم، في احتراب ظاهري في الأقل، احتراب نخبة مسيطر عليه، ليس مباشرا بينهما، دعه بين اتباعهما، يبقى الكل يطلب السلاح من الطرفين، يغتنيان، عندنا يعيش الخراب، لمن يعترض.. بعده بناء وازدهار، مَن لا يريده لا يصدق يطق رأسه بحائط، عليه تُنفخ في آذان الكل عبر الفضائيات والسراديب نغمة تأليب واحد على آخر، إلى أن يأتي دور الدواعش في منطقتنا، القومي المتطرف في أوكراينا، لا بأس من تبادل الخبرات والدعم، دواعش ينتقلون إلى أوكراينا، روس وقوميو أوكراينا في منطقتنا، حالهم حال يسار متطرف في الستينات والسبعينات الماضية، هم ليسوا أسوأ منهم، الساحة متاحة، كل العالم، يتوه الحساب عليهم يصير اليساري يمينيا استمري يا حرب ضروس، داحس والغبراء أول أمس نجعلها اليوم داعش وأوكراينا، لم لا وكل الأحزاب لا تريد أن تتعلم من الماضي، خاصة الأحزاب العراقية التقليدية، تُبقى فعالة الشعارات المتعنصرة التي قادت العراق إلى المأزق الحالي. حزب البعث تحديدا لما يزل حتى اليوم يصيح لا يستريح من التنبيه لخطر مجوسي وهو الذي هاجم الكويت، لا ينتبه أو لا يمكنه كغيره الانتباه، لئلا يفقد دعما خارجيا، إلى أن حكم إيران وطني، يلتقي مع الحكم الوطني في روسيا، في الصين، في العراق، في مصر، بل في أمريكا أيضا بقيادة أوباما، عداء لأمريكا غير نزيه يتصاعد وقت تقاربها مع إيران وروسيا، مع بلدين مهذبين علاقتهما نموذج يحتذى، رغم اختلاف الدين والقومية وغيره جيدة، لغلبة العقل فيهما على تبعية لسواه، ذلك منذ زمن القياصرة، تشيخوف يرينا في قصته “حُلّة النقيب” مجلد1 من مؤلفاته المختارة لدار نشر رادوغا ص94 ان القنصل الإيراني فقط يفي بوعوده، يدفع ما عليه للخياط، بقية السادة المهذبين المثقفين يسومون الخياط ميركولوف العذاب. يمكن النظر إلى علاقة الخياط والقنصل وزبائنه الأبهة الآخرين الفارغين كعلاقة مؤلف فنان وابداعه ومحيطه، يستدين ميركولوف من اهله، كمؤلف من سيرته، يشتري القماش يفصل لهم أرقى الكساء والزبائن تماطل لا تدفع، إلاّ القنصل الإيراني، كذلك المؤلف، لا يُنشر إبداعه، لضحالة محيطه من الناشرين المرتزقة، ويبقى إبداعه في ذاته كسبه. مصيبا، لا ينسى تشيخوف هنا تمجيد الثقافة الروسية حول الغرباء التي تجعل “حتى التتار” في بطرسبورغ يتصرفون في نبل عال. أما عندنا فنحن وغيرنا نشاهد ممثلي ثقافتنا العربية والإسلامية في قيادة أحزاب كيف يحولون تلك الثقافة، ومحورها الجيرة الحسنة والأخوة في الدين والقومية والوطن، إلى حرب ضروس تلتهم الأخضر واليابس. زد الكثير من مثقفي منطقتنا يتغيّرون منذ أمس، من استعدادهم في الخمسينات والستينات للتضحية حتى بالنفس من أجل الفن والوطن.. إلى تفضيلهم اليوم اصطياد السمك في المجاري العامة.

شاهد أيضاً

تنبيه .. تنبيه.. تنبيه إلى كتّاب وقرّاء موقع “الناقد العراقي”:

لاحظتْ أسرة موقع الناقد العراقي وجود موقع آخر يحمل نفس الإسم وهو “الناقد العراقي” وهو …

رواية “ســلم بازوزو” للروائي عامر حميو
بقلم: حميد الحريزي

((نحن كلنا…كأن أمهاتنا ما ولدتنا إلا لنعيش في البئر)) ص180 ((أنا بازوزو ابن حنبو ملك …

في عيدها..ام الاذاعات
امل المدرس..صوت يصدح بالحب
مريم لطفي

في عيدها الرابع والثمانون،تحية اجلال وتقدير لام الاذاعات العراقية متمثلة بالام القديرة والسيدة الفاضلة “امل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *