محمد الطائر: الشاعر بثياب الرفض
عن أناشيد الضفادع ـ لعدنان عادل

أحكي لكم عن الكركوكلي الوحيد في هذا العالم الذي يكره تسلق الجبال.. لا لأنه يخشى  الصعود إلى المستحيل ولا لأنه يتملص من الهبوط من فوق القمم الشاهقة  .. لا البتة , جوهر المسألة أنه ثمل بالشعر أو كلاهما مأخوذا بالآخر  فذبالة صفرة الضياء الآتية من فانوس الشعر  تزرق في عتمة الألم , لذا أمسى الولد الغض يتعثر في  ارتقاء السلالم مثل  كسيح قضى نصف حياته مشدودا بلون الأفق الخادع , ترفعه ظلال الشياطين التي صاهرها  صوب الغيم الأزرق لتستأصل  ذكرياته وتشطفه بمائها  الأسود ..حين هد الجدران  بسبب عزلة السقف , عرفتُ أنه طلق الحياة التي كان دائما ما يؤكد على بطلانها  الحياة اللاشرعية  التي عاشها كلقيط مخدر الأحاسيس بيقظة ذهنية نضبت مجساتها شيئا فشيئا حتى بالكاد أعانته على صب اللعنات على هذه الحياة التي وجدها تزخر بالأسى والوحدة القاتلة لذلك ظل يعدها مسرحا قذرا ويؤكد على أنها منذ هبوط آدم وحتى لحظة صعود اوباما لسدة الرئاسة وهي حلبة يتصارع فيها  القتلة واللصوص والمجرمين ومنصة لا تجري على خشبتها سوى الأباطيل والفظائع , لكن عزاؤه تحت وطأة  ذلك الوضع المرعب,  أن الشعر قد فتح له ذراعيه الرحبتين وأنتشله  من براثن الندم , تلقفه مثل أم رءوم تتلقف وليدها من سقطة مفاجئة وتهدهده بكلمات أغنية أمومية  منذ ذلك الوقت تبرأ من معتقداته وترهبن بثياب الشعر ومضى يبث الهواء بين حقوله المشتعلة بذهب الوحشة المكدرة وحين اعتل عقله راح يذرع دروب الندى ويعد أحجار الشوارع حجرا أثر  حجر وأضحى يقضي النهارات  هائما في بحر المدينة مطأطأ رأسه كطفل مخذول رست طائرته الورقية بين نتوءات الغيم .فتاه في فلك الجنون يبحث  عن خيط  أحلامه المشبوك بين أسلاك الكهرباء  فمن يا ترى  يخرج هذا اللون من ضوء ذاك القزح الذي يتقوس شعاعه كقرني ثور بابلي من هلال السماء؟..
وهو يسير في مركب الدنيا , متعثر الخطى كأنه يدوس على أشلاء الريح المتعبة  فتنحني  لقدميه  الأرض, فيجتاح قاع المدينة بساقيه المتخاذلتين , يحط في قعر (كراند  بلاس)*كما تحط الطيور اللاهثة..
يتسلل بين صفوف الحشاشين يفتش عن لفافة تبغ تمده بخدر لحظوي ,عن هواء يطربه ويحرق أحشاؤه لأجل أن يكتب عن أحلامه المجهضة وعن عمره الذي قضاه  تحت مظلة العراء وهو ينتظر هبوط الوهم مثل نبي ..

حين تبتلعه المدينة عليك أن تبحث عنه في البؤر الوضيعة , دوره بين مطارح المشردين حتما ستجده ممددا في وحل حياتهم الطافحة بالسعال ووسخ الروائح الكريهة,
حتى ثيابه المستعارة يملك الجرأة للتنازل عنها وله القدرة الكافية أن يمشي عاريا أمام الملأ  لولا عار العالم الذي أراد أن يرقع عورته بوسخ تلك الخرق والأسمال المتهرئة  ..
في الشتاءات الباردة حين يرخي الليل سدوله تهجع المدينة في  الظلام وتخلوا الشوارع من المارة فيفتح العالم فكيه للضائعين وللعابرين والغرباء , فيهيم شاعرنا بينهم, يقضي سواد الليالي مدفونا تحت الأرض في أنفاق المتروات  بين المشردين الذين يحيون  على النمط الذي تعيش عليه قوافل البدو ,التي أين ما حل أفرادها ضربوا أوتاد خيامهم وافترشوا الليل وناموا..

حين يدهمه النعاس وهو على سكة البحث عن الشعر
يجلس على أشواك نجمة من النجوم وينام كما ينام الشعاع الخافت بين الظل وانكسار الشمس, أشعث الشعر منهك القلب يحلم بصهر عناصر الوجود ببوتقة قصيدة شعر..قصيدة تلملم العالم وتعيد أليه وئامه.. يحلم بعين الشعر التي ما تلتقط هيئة أبيه الذي يأتي أليه على دراجة هوائية من الغيب  يهبط  كما تهبط المناطيد في الريح الفاترة أو كما يترجل من الريح سوبرمان  رجل الخوارق في أفلامه الشهيرة, يجيئه من أرض النار عابرا ليل الحياة متلهفا لوجه ولده العاق الذي أختار التشرد على أعراف العائلة ليجده في نهاية الأمر يسبح في غيمة من النعاس فوق العشب النامي في حديقة (بوتانيك**) متوسدا ورق ألآس,و ترتع على جسده العصافير وتقتات على مساماته طيور الغاق والنباتات المتوحشة , رغم أنه بلا ريش لكنه ينام مثلما تنام الطيور على أسلاك الكهرباء بعد أن يدهمها النعاس

حين صافح ذكرياته الطويلة في القلعة المعلقة بسماء كركوك كانت أمه تلوك ثلاثة أرباع قلبها  وعادل كما هي عادته كان يقضم تفاحة الظهيرة بسعاله اليومي وقبل أن تجف تلويحته , تشهق أمه  بقبلة الوداع وهي مسمرة خلف ما كنتها المعمرة ,تلهو بتدوير  عجلة زمانها الرث, الذي لم يكف عن الزمجرة وهي تقلب النهار على أوجهه  الأربع  وتلملم أشلاءه على مهل وبروية وأناة تبدأ بخياطة خاتمته بأصابعها المشققة.. تثبت أكمامه وتزر ياقته وتدعه بلا جيب لأن قدور الطبخ عاطلة عن العمل  منذ أن باعت ثيابها الربيعية وحجليها وأساورها الذهبية وحزام عرسها  فقط لتدفع أجرة الوداع لأبنها  الذي جن وهو يتفسح في الليل بين شواهد القبور بعد أن أصابه عزرائيل بعدوى البحث عن  قلب مطاطي زائد  يسلبه من صدر احد الموتى ليطير بواسطته بعيدا عن لهاث الوطن لذلك ورث الكآبة وتعلم التأتأة والطيران بساقيه الطويلتين نحو الجنون وبما أني أحب الطائرات الورقية والعصافير , ارتأيت أن أقتطف هذا المقطع وأمضي بصحبته في هذه الرحلة المبتسرة :

بطائرتي الورقية
ألامس أطراف السحابة
وحين يدب النعاس في مدينتي
اربط الخيط بسريري
معا
أنا ..
أنتِ ..
والوطن اللاهث ..
نطير .. !

ـ إلى أين ؟
ـ أكان ينوي إحراق النجوم السوداء ليحيلها إلى معزوفات من الرماد؟..
من يدري فربما يحق لمن قرأ المقطع الأخاذ الذي يفيض بالسحر الشعري المستل من قصيدة طيران, أن يسأل  المشاء عدنان عادل عن الشوارع القاتمة التي كان يريد أن يطير أليها  ويستفسر منه عن قوة الريح التي قذفته عاليا , عاليا حتى أجلسته على برج أو على طائرة من طائراته الورقية ليرى الأرض من عليائه و يتمكن من تشوف الثغرات والظلال الوارفة ويغش الفراشات التي يلفظها من فمه ويتوغل بعيدا, بجيوشه الورقية ليغزو فلول الضباب وارتال  المجرات والكواكب المتجمعة في كيس الشمس..
وأليك نموذجا مختصرا من ذلك لتستدل على طبيعة شعره :

وقرب قلبي امرأة
دوما تنفث حزن الأزقة في المداخن
راجية تدعوني
أن ارفع ساقيها وأمدهما
عاليا ..
عاليا.
حيث السموات السبع والآلهة
لأجلو ألمي..
ويواصل بتماد بين :
رفضت
فنما على شفاهي عوسج
ومن الله عز وجل
انهالت علي الشتائم..
هذه النتف الشعرية  قد تكشف الكثير من الغوامض التي تكتنف حقده على صخور الجبل فهو لا يتماهى إلا مع الكمثرى شبقا بالفاكهة اللينة بالتين الهندي وبحبات الأجاص واللحوم النيئة (الحلال) بالطبع  ولا يركب في تنقلاته اليومية سوى وسائط النقل المترنحة لأنها تتماشى تماما ومزاجه الهش, لا لشيء, ربما فقط لكي يسقي ببوله المبارك أعشاب الأرض
ويتمكن من أفساد جنائن الممالك والقتلة ..

في نص من نصوصه كان خاضعا للريح متوسلا وبحرقة يقول :

ـ لا تشدي الوتر الحساس برمشك الأسود (نتلة) أخرى وسينقطع خيط قلبي عن الوصل لا تشدي أكثر من هذا  ولا ترخي  أكثر من ذاك دعيني ما بين الشد وما بين اللين لأطير ..
هاهنا تظهر نوايا خفاشنا النهاري وهو يتحايل قبل أن يقطف الكلمات ويخبئها بعبه باحترافية  لص مدرب  على الخداع يقدر أن يزوغ من الفخاخ المحكمة النصب  ويفر كما يفر البخار من الماء الفائر, يجتاز شباك الصيد التي بإمكانها أن تصطاد أشلاء الهواء ويمضي عائدا القهقرى إلى طفولته الأولى, إلى كاروك الرعب الذي ترعرع على تأرجحه وطيف الأم الغائبة الذي يلاحقه في حله وترحله  لذلك أمسى من غير أمل رغم أن في نسيج شعره يتواشج الضدان الموت والحياة يشعان كل في مجاله ,الحياة بأبهى صورها والموت بدمويته واصفراره الباهت , تراهما  يتجليان في مقطع قصير جدا وتشاهد فيهما (تفسحاته) في المقبرة, وصور العائلة وألوان الموت والوحشة يلقيان بثقل ظلالهما على جوانب حياته يقول:
أبي  كان يحلم  دوما
بأن يسرق الفجر
من أفواه الديكة
وأن يدع السكر يسيل
من أشداق النهار
وهو يقضم الظهيرة بسعاله..
وأمي
ماكنة غير  متطورة
تختبئ أحيانا
داخل زهرة
فتعبث بالتويج  والألم
وغالبا ما تبحث بين جثث التاريخ
بثدييها
لترضع حلما..
وتحت شقاء مشانقهما
تعلمت
أن أسقي ببولي المبارك
أعشاب الأرض
لأفسد جنائن الممالك والقتلة..

بخلاصتي  هذه أكون  قد أخرست الضفادع التي لا تكف عن النقيق وأخمدت صياح الديكة وأسكت كل صوت  يدندن أو يصدح بالغناء حتى أني أهرقت آخر قطرة من انبيق الروح وبددت  لهفتي على سجادة الأمس وأفردت ذراعي على أجنحة التيه الذي  أخذ يشع الآن بكامل أبهته  وغبت تحت رذاذ لهاثي الدامي  ,وأنا منغمسا اختلج بفض عذريتي في مهبل الصمت, لذلك أمسى الفرح شيء قديم مثل رأس يحتفل بصلع مزمن فما فائدة الأمشاط وعبوات الشامبو طالما أن الفراغ قد أعلن احتفاله الدائم فوق قمة رأسي …!

هوامش
*كراند بلاس ساحة  تقع في قلب بروكسل
**بوتانيك حديقة  تتوسط بروكسل
Mohamaam111@yahoo.com

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *