حيدر علي سلامة* : نقد مفهوم الكاتب الفلسفي العمومي (اللوغوغراف) قراءة في كتاب (في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة)

haidar ali salama 2تعتمد مطالعتنا وقراءتنا النقدية لكتاب أ. د. الطيب بوعزة الموسوم (في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة – نقد التمركز الأوربي) على فرضية إشكالية الكتابة والكلام او بنية الصراع التاريخي بين منطق الكتابة (النخبوي) ومنطق الشفاهية (اليومي). وكما هو معروف ان جدلية التفاعل والتواصل والتقاطع بين الكتابة/والكلام، جرى تدشينها مع كل من سقراط وافلاطون لا سيما في محاورته “فيدروس” حيث أكد على ان الكتابة هي مصدر للتلاعب والغش والاحتيال على طبيعة الكائن الإنساني الحية والناطقة بواسطة “اللغة والكلام”. الى الدرجة التي أصبح فيها محو الثقة بالكتابة/والمكتوب/والكاتب، يمثل الأساس “الميتافيزيقي والانطولوجي والاخلاقي” للنظام الفلسفي الكلي عند كل من سقراط وافلاطون. لهذا، كان النقد السقراطي: ((…للكتابة والكتاب يستهدف أولا’’ اللوغوغراف’’ وهو بصريح العبارة، وفي البدء” الكاتب العمومي” الذي كان يهيئ للمترافعين خطابات يتلونها في المحاكم دفاعا عن أنفسهم. كان سقراط يتهم هؤلاء الكتاب بالغش: ينشؤون خطابات في قضايا لم يعيشوها بأنفسهم، ويصدرون خطابا لن يقرؤوه او يدعموه هم أنفسهم)) (جاك دريدا: صيدلية افلاطون، ترجمة كاظم جهاد، ص،6).
في النص أعلاه يظهر مفهوم “الكاتب العمومي/اللوغوغراف” وكأنه المثقف المنعزل الذي ينسج نصوصه ومفاهيمه بمعزل عن السياقات التاريخية لواقعة المتكلم/وصيرورة الكلام التي تنبثق من جوهرها مبادئ الحقيقة والنفس الإنسانية والمعرفة الكونية -بحسب سقراط-. لان الكلام هو أسمى من الكاتب/والكتابة، وقرين النفس المتكلمة والذات الناطقة والحية بخلاف الكتابة التي تمثل موت النفس وزوالها وذبولها الوجودي.
من هذا المنطق، سوف نحاول الولوج في تفاصيل ومفاهيم كتاب “في دلالة الفلسفة ونشأة السؤال” لتشخيص ونقد ظاهرة “الكاتب الفلسفي العمومي” التي حاول أ. بوعزة تفكيكها لما لها من صلة متداخلة مع بنية القول الفلسفي عامة ومنشوره المحلي(المكتوب) خاصة من جهة؛ ومع اشكالية سؤال تاريخ الفلسفة وإعادة كتابة مناهجها بمعزل عن المركزية الغربية من جهة أخرى.

دلالة الفلسفة: من الكاتب الفلسفي العمومي الى الناقد الفلسفي التحليلي
وضع أ. بوعزة مقدمة نقدية لكتابه “في دلالة الفلسفة” حاول من خلالها التشكيك في راهن المكتوب الفلسفي سواء المنشور منه على شكل مقالات ودراسات دورية ومحلية، او ذلك الذي تمثل بمشاريع ريادية في تاريخ الفلسفة العربية، معتبرا ان اغلب هذه المشاريع المكتوبة والمنشورة لم تخرج عن نطاق تبعية الخطاب الفلسفي الغربي ومنظومته الأبستمولوجية والانطولوجية والمفاهيمية. وهذا ما دعا أ. بوعزة الى تصنيف تاريخ المكتوب الفلسفي العربي الى صنفين: ((اثنين يشتركان على اختلافهما في غياب او قصور الحس النقدي من الحيثيتين المعرفية والمنهجية واقصد بهما: – صنف التآليف العربية المنبهرة بهذا الفكر التي تنساق الى عرضه والدعاية لمدارسه ومذاهبه دون أدنى موقف نقدي. وبهذا لم تستطع هذه الكتابات تجاوز موقف الدعاية والإشهار الى موقف النقد؛ فظلت وثوقية في دفاعها وتبجيلها، مغتربة باستلابها وانبهارها. ولا ينحصر هذا الانبهار بالفكر الفلسفي تحديدا، بل حتى بعموم الظاهرة الفكرية والأدبية الغربية، ويكفي النظر في المنشور في وسائل اعلامنا لنلقى هذا الانبهار شارطا للرؤية والتفكير: فمقال ادبي لن يحظى بالنشر ما لم يستهل بكلمة لتودوروف ، او رولان بارت ، او كريستيفا…ومقال في علم الاجتماع لم يكون صالحا للنشر ، في عرف مجلاتنا المتعالية، مالم يفتتح او يضمن عبارات لبارسونز ،او بول لازار فيلد…اما الكتابات الفلسفية فحتى تلك التي تدعو عناوينها الى إيجاد فكر فلسفي عربي ،فلا بد فيها من حضور هيدغر، و نيتشه، وفوكو، ودريدا،…حضور الاسماء المقدسة التي لا يخدشها نقد ولا يطالها تصويب!
kh altaiebولا ينتبه كتاب هذا النمط من الكتب المهتمة بتقديم النتاج الفلسفي الغربي، الى ان اسلوبهم في تلقي الفلسفة مناشز لروح التفكير الفلسفي ذاته، من حيثية كونه تفكيرا مسكونا باستهجان حس التلقي و التقليد .وان ما يغني الفكر الفلسفي ذاته هو ان يجتهد المثقف المشتغل بهذه الصناعة المعرفية في بلورة رؤية فلسفية تعكس خصوصية سياقه الثقافي والحضاري، فيبدع، ويضيف ، ويترقى من العقلية الاتباعية الى العقلية الإبداعية.))( د. الطيب بوعزة، في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة – نقد التمركز الأوربي- مركز نماء للبحوث والدراسات بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2012 ص ص 10،11)
يضعنا النص أعلاه في قلب إشكالات مفهوم “الكاتب الفلسفي العمومي اللوغوغراف” فقد شخص أ. بوعزة اهم الإشكالات والمعوقات التي تحول وعلى الدوام دون احداث أدنى قطيعة بين “الكاتب الفلسفي العمومي” المروج لمفاهيم الفلسفة الغربية المتمركزة على ميتافيزيقا الكتابة، وبين الكاتب الفلسفي النقدي/التحليلي القادر على تحويل هذه المفاهيم الفلسفية الى ممارسة ثقافية معاشه في بنية السياق التاريخي السائد. غير ان عملية التوصيف التي جاء عليها النص أعلاه، قد تتحول الى “مجرد يوتوبيا عمومية” لا يمكن لها الانفصال عن سياق “الكاتب الفلسفي العمومي” مالم تتخطى إطار التنظير والتمهيد اللحظوي الذي يكتفي بوصف الأشياء بطريقة معيارية تتجاوز الواقع الاشكالي لمجمل العمليات التاريخية التي ترافق تشكيل النص الفلسفي منذ ولادته بالقوة وحتى نشره بالفعل.
فهذه العمليات والاشكالات ظلت غائبة ومغيبة في كتاب أ. بوعزة، بل ولم يخصص مبحثا واحدا لمناقشة إشكالات ومحنة نشر النص الفلسفي في مجلاتنا الفلسفية المتعالية. فكيف ظهرت هذا الإشكالية؟ وكيف نمت وتطورت وتضخمت؟ ومن المسؤول الذي يقف خلفها؟ ومن هي الجهات التي تسمح بسيادة مثل هذه المنشورات دون غيرها؟ ومن الذي يقرر نشرها؟ وهل هذه الجهات تستوفي على شروط الاهلية والكفاءة والنزاهة الفكرية والفلسفية لتؤهلها في اجازة نشر نصوص معينة وتجاوز أخرى غيرها؟ ثم من قال ان مجمل النصوص الفلسفية لا زالت محددة بين منطق الترويج وعقيدة التبيعة والاستلاب لمفاهيم الغرب الفلسفية؟ وإلا لماذا هناك الكثير من النصوص الفلسفية الإبداعية التي تبشر بولادة الكاتب الفلسفي النقدي/التحليلي، لا تجد أي مجلة تدعمها وتنشرها وذلك لأنها نصوص تجاوزت منطق الترويج والتجميل للمفاهيم الفلسفية الغربية السائدة؟ ولماذا نجد سيادة ميتافيزيقية مطلقة لكتابات ترويجية واشهارية بالفطرة، مستمرة بالتنامي والتناسل والتكاثر الجيني والنصي في معظم مجلاتنا ومنشوراتنا الفلسفية عامة والجماعية خاصة؟ ولماذا هذا الصمت عن مناقشة وتعرية هذه الإشكالات الفلسفية التي هي اهم من إشكالات الفلسفة التقليدية التي خصص لها الباحث معظم فصول كتابه؟ ولماذا فصل الباحث بين عملية الابداع الفلسفي وابداع “نشر” النص الفلسفي؟ وإذا كانت هذه الإشكالات التي طرحها أ. بوعزة في مصنفه الفلسفي تشغله وتقلقه فلماذا اذن لم تشغله وبالمستوى ذاته أيضا على صعيد النقد والتعرية والتشخيص؟ فهل يعتقد أ. بوعزة ان مفهوم “التمركز والمركزية” هو مفهوم متشخص ومنحسر في خطاب وفلسفة الفكر الغربي فحسب؟ فماذا يقول بوعزة إذن عن مركزية ونخبوية المثقف في خطابنا الفلسفي؟ وكيف يقرأ تاريخه الانعزالي والانهزامي؟ وكيف يقرأ تاريخه في محاربة الابداع الفلسفي الجديد على مستوى الكتابة والنشر والتنظير؟ وكيف يقرأ مركزية المثقف الأنوي على مفاهيمه وكتاباته ونصوصه المقدسة، لدرجة انه لا يكلف نفسه العناء في قراءة منشور غيره ومتابعة ما يصدر من مؤلفات فلسفية وفكرية جديدة، ونظرة عابرة الى ظاهرة التخمة في منشورنا الفلسفي العمومي والكساد في فعلنا الفلسفي النقدي حتى تزداد يقينا؟ فهل استطاع أ. بوعزة نفسه أن يتحرر من عقدة “تمركز المثقف” حول اصوله العرقية والأناسية كي ينتقد التمركز الغربي؟ فلماذا اذن لا نجد أي أثر في مصنفه لإعادة قراءة وتأويل المنجز الفلسفي المشرقي/والمغربي معا؟ لماذا هناك ثمة فصل وانفصال؟ فعن أي نقد للمركزية يتحدث نص أ. بوعزة؟ وهل تخلصنا فعلا من جلّ عقدنا وتراتبياتنا الهرمية ومركزياتنا الاثنية والأيديولوجية حتى نتمكن بعدها من الانتقال الى مرحلة تفكيك مفهوم المركزية في جينالوجيا وتاريخ الفلسفة الغربية؟ أضف الى ذلك، علينا ان نتساءل أيضا فيما إذا كان أ. بوعزة قد نجح في الانتقال بنا من خلال مصنفه الفلسفي من سيطرة الكاتب الفلسفي العمومي الى الكاتب الفلسفي النقدي/التحليلي؟ وهل كان أ. بوعزة كاتبا فلسفيا عموميا اثناء كتابته مصنفه المذكور أعلاه، ام كاتبا فلسفيا نقديا وتحليليا؟
يجد المتتبع لنظام فهرسة مصنف أ. بوعزة ان هناك ’’مركزية تقليدية’’ سيطرت سيطرة شبه تامة على مجمل بناء وتطور مفاهيم الكتاب فمن مرحلة التأسيس لبنية تعريف الفلسفة التي استحوذت على نصف الكتاب انتهاء بأطروحة الوصل التي سعت الى احقية الفلسفة العربية بالتفلسف اسوة بالفلسفة اليونانية، وهنا نشير الى ان منهجية أ.بوعزة تكاد ان تتقارب مع ’’مناهج المستشرقين التقليدين في الفلسفة الغربية’’ سيما المنصفين منهم لأصالة الحضارة العربية الإسلامية، واسبقيتها في التفلسف على الفلسفة اليونانية ’’فشمس العرب تسطع على الغرب فلا جديد تحت شمس خطابنا الفلسفي.

إشكالية السفسطائية والكاتب الفلسفي العمومي
نجد في كتاب أ. بوعزة وقفة فلسفية مهمة للغاية، تتمثل في تسليطه الضوء على إشكالية الفلسفة السفسطائية. فمن المعروف ان هذه الإشكالية أصبحت تعد واحدة من ’’تابوهات الفلسفة العربية’’ لما تتضمنه من طروحات نقدية وابداعية جديدة تتعارض تماما مع توجهات ’’تشكيل الخطاب الفلسفي العربي’’ الذي طالما كان يميل الى كفة الفلسفة الأفلاطونية والسقراطية والارسطية، لأنها فلسفات اقرب الى ’’المناخ الأيديولوجي المعتدل’’ في جغرافية وتاريخ الفلسفة العربية الإسلامية.
ان اطلالة أ. بوعزة على هذه الإشكالية في مصنفه الفلسفي، لتدعونا الى التساؤل فيما إذا كانت قد وفقت في الانتقال بنا من مرحلة الوصف المجرد؛ الى التحليل التاريخي والنقدي؛ ومن الكاتب الفلسفي العمومي؛ الى الكاتب الفلسفي النقدي/والتحليلي؟
اعتقد ان إشكالية مصنف أ. بوعزة تكمن في غياب مناهج فلسفات العلوم الإنسانية واللسانية، والذي يتوضح من خلال الأسلوب الانشائي الذي يكتفي بطرح الإشكالية ليتجه نحو الانفصال عنها بطريقة فجائية وكأنها لم تطرح بعد. وهذا ما تحقق بالضبط مع إشكالية الفلسفة السفسطائية، حيث نجد كيف ان الباحث جرد هذه الإشكالية من ابعادها اللسانية والبلاغية والحجاجية، التي تمثل كبرى إشكالات تاريخ الفلسفة اليونانية. فكيف يمكنك ان تقرأ تاريخ السفسطائية بمعزل عن نظرياتهم اللسانية والأخلاقية والبلاغية؟ وكيف يمكنك الوقوف على حقيقة وروح هذه الفلسفة بمعزل عن تاريخ صراعها مع المد الافلاطوني والارسطي والسقراطي؟ وماذا يبقى من تاريخ الخطاب السفسطائي إذا تم تجريده من هذه العلوم؟
قلنا ان قضية طرح الإشكالية الفلسفية وكيفية معالجتها في مصنف أ.بوعزة هي قضية إشكالية بحد ذاتها وعند التوقف في مسألة طرح الخطاب السفسطائي نجد كيف ان “الاشكال الأيديولوجية” التي رافقت طرحه والتي تتمثل في تمركز وسيطرة الفلسفة الافلاطونية/السقراطية على حساب “فلسفة السفسطائية الأقلية” التي لم يكن لها ثمة حضور ووجود وكأن هذه الفلسفة لا تلخص لنا جينا لوجيا التمركز واقصاء الآخر المغاير في الفلسفة الغربية؟
فقد جرى طرح الاشكالية السفسطائية بطريقة تقليدية رغم توفرها على دلالات فلسفية وثقافية نقدية تبشر بولادة نص فلسفي إبداعي خال من شوائب وبهرجة الفكر الغربي. علاوة على اختصار المشكل بالاعتماد على رؤى لاهوتية لا يمكن الاستناد عليها في انتاج طريقة فهم وتأويل مبتكرة تتجاوز مفاهيم الحقيقة والحكمة التي مهدت لسيادة الرؤية الارثوذكسية حول السفسطائية. واذا اخذنا :((محاورة “دفاع سقراط” سنلاحظ ان افلاطون يضع على لسان معلمه فكرة محبة الحكمة وعدم امتلاكها في السياق الذي اشرنا اليه قبل؛ أي: ضدا على الموقف السفسطائي، وتأكيدا على ان الوعي الفلسفي يقوم على أساس ادراك جهل الذات المفكرة ومحدودية ادراكها المعرفي، ومن ثم وجوب النزوع الدائم نحو طلب الحقيقة. لكن هنا مشكلة يتجاهلها جمهور مؤرخي الفكر الفلسفي، وهي ان صورة السفسطائي، التي تقدمها المحاورات الافلاطونية، وكذا المتن الارسطي المتأثر بها، تحمل تناقضا داخليا يغبش هذه الصورة المتداولة ولبيان ذلك لنستحضر أولا التعريف الشائع للسفسطائية، الذي صاغته خصيمتها أي: الفلسفة الكلاسيكية، وانتشر بفضل نفوذها القوي فتخلل مختلف المعاجم ومن ضمنها المعاجم العربية. ففي “كشاف اصطلاحات الفنون “مثلا، نلاحظ ان التهانوي قسم – وفق النظرة الشائعة في الفلسفة الإسلامية-السفسطائية الى ثلاث فرق:’’ اولاها اللاادرية ، وهم القائلون بالتوقف في وجود كل شيء وعلمه… وثانيتها: العنادية وهم الذين يعاندون ويدعون أنهم جازمون بأن لا موجود أصلا. فهم ينكرون ثبوت الحقائق وتميزها في أنفسها في نفس الآمر مطلقا بتبعية الاعتقاد وبدونه، فالحقائق عندهم سراب يحسبه الظمآن ماء وليس لها ثبوت أصلا، وثالثتها: العندية وهم قائلون بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات دون العكس. فهم ينكرون ثبوتها وتميزها في نفس. نخلص من هذا:
أولا: ان السفسطائية لا تقوم على زعم امتلاك المعرفة كما يقدمها المتن الافلاطوني والارسطي، بل العكس تنهض على أساس الشك في إمكانها؛ ولذا إذا كان الداعي الفلسفي الى ابتداع لفظ” الفيلسوف” هو الإحساس بنسبية المعرفة وعدم القدرة على امتلاكها، فالأنسب بحمل هذا المعنى هو السفسطائي وليس سقراط وافلاطون …رغم ان اسم’’ السفسطائي’’ لا يفيد المحبة بل الامتلاك المعرفي……ومن ثم يجوز القول: ان بروتوجوراس وجورجياس وهيبياس وبروديكوس…وغيرهم من السفسطائيين هم من يستحقون نعت الفيلسوف برسم التعريف السابق للفظ ’’ فيلو’’؛ أي : الراغب لا الممتلك. ولا عبرة بالصورة التي تقدم بها السفسطائية في المتن الفلسفي الكلاسيكي؛ لأنه ترسيم مصاغ من قبل خصومها.)) (المصدر نفسه ص ص 48،49).
وهنا نلاحظ كيف ان النص جاء على طرح أخطر إشكالية شهدها تاريخ الفلسفة. لكن للأسف الشديد لم يكن طرحها بالمستوى المطلوب، فالباحث لم يطرح هذه الإشكالية بهدف إعادة قراءتها وتأويلها من جديد، وانما فقط من اجل فهم سياق تاريخ تعريف مصطلح الفلسفة لا أكثر ولا اقل. وبذلك يكون الباحث قد أوقع نفسه في مغالطة أصبحت من الاخطاء الشائعة في خطابنا الفلسفي. فقد أشار اليها في بداية مصنفه وهي: ((السطحية في عرض مذاهب الفكر الفلسفي الغربي حيث يقف العرض عند الخطوط المعرفية العامة دونما غوص الى أعماق وتفاصيل هذه المذاهب. مما يشكك ابتداء في حقيقة اقتدار هذه الكتب على أداء دورها النقدي المزعوم.)) (المصدر نفسه، ص، 12). فهل عمل الباحث بهذا المبدأ عندما تناول الفلسفة السفسطائية؟ ولماذا اكتفى الباحث بالطرح العام فقط؟ الا تمثل الفلسفة السفسطائية بداية تمهد للانتقال من سلطة الكاتب الفلسفي العمومي الى فعل الكاتب الفلسفي النقدي/التحليلي؟ ألم تمثل السفسطائية النص الفلسفي المتفرد-الذي طالما دعى اليه الباحث-والمتحرر من كافة اشكال السلطة الأيديولوجية السائدة في الفلسفة؟ ألا تمثل السفسطائية موقفا نقديا، ذلك الموقف الذي جاء على وصفه الباحث: ((ان الموقف النقدي لا يبدو في انتقاد الفكر الشائع فقط، بل في انتقاد الفكر الفلسفي لذاته)) (نفسه، ص، 101). الا نجد في الخطاب السفسطائي مصداقا لذلك؟ ألم تقدم السفسطائية تأويلات فلسفية مبتكرة لنظريات: المعرفة؛ والمنطق؛ والانطولوجيا؛ واللغة؛ والبلاغة والحجاج والكينونة بهدف التخلص من سلطة الكاتب الفلسفي العمومي المتمثلة بأفلاطون وسقراط وارسطو الذين ابتكروا مفهوم موت الكتابة التاريخي وبشروا بولاد ة الكاتب الفلسفي العمومي/الأيديولوجي؟
فأذا لم تتضح بعد ملامح تحرر الباحث نفسه من “سلطة الكاتب الفلسفي العمومي”، فهل يمكن لنصوصنا وخطاباتنا الفلسفية التحرر من سياسة تمركز الكاتب العمومي؟ وهل نجح الباحث أيضا في إعادة اللحمة بين الكتابة/والكلام /والمفاهيم في خطابنا الفلسفي؟ ام كانت محاولته في هذا المصنف الفلسفي محصورة ومحددة ضمن تاريخ الفلسفة التقليدي فحسب؟ وهل يمكننا ان نعتبر شكل كتابته الفلسفية جزء من “سياسات النشر المتمركزة” والسائدة اليوم، والتي تقرر طبيعة ظهور وإنتاج وإعادة انتاج المفاهيم الفلسفية بما ينسجم ونظامها الأيديولوجي المسيطر؟ فهل هذا يفسر لنا محاولة أ. بوعزة في إعادة تفعيل منطق فصل المقال وتقرير فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال؟

*باحث من العراق-متخصص في خطاب فلسفة الدراسات الثقافية/ومابعدها

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم أبو عواد : العلاقات الاجتماعية بين النظام الحياتي والمنظومة الحضارية .

1 العلاقاتُ الاجتماعية التي تقوم على تحليلِ مصادر المعرفة ، وتفسيرِ التفاعلات الرمزية في السلوك …

| د. زهير الخويلدي : رونيه ديكارت وخطاب في المنهج .

مقدمة “وبالتالي، فإن نيتي ليست تعليم الطريقة التي يجب على الجميع اتباعها لإدارة عقله بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *