عدنان حسين عبد الله : إضاءةٌ عن ( خطبة العربي الأحمر )

adnan husseinخطبة العربي الأحمر هو عمل شعري يتفاعل مع قضايا الإنسان ومواقفه تجاه التحديات التي تهدف إلى إلغاء هوية الإنسان العرقية واستعباده من حيث الاعتقاد واللون أمام من يعتبر نفسه مسيّداً ومفوّضاً من قبل السماء في التسلط على الآخرين وهذا السيد العنصري يفضل عرقه على الأعراق الأخرى بعنصرية تهدف إلى إلغاء التجمعات المغايرة لعرقه ، كما حدث في حقب تاريخية متعددة من استعباد وإبادة لأعراق بشرية من حيث التوصيف بالبربرية أو الهمجية وأخرها ما حدث من إبادة لشعب بكامله ألا وهو الشعب الهندي الأحمر لتستمر الجريمة الإستعمارية في استمراريتها بأوجه متعددة وبشعارات براقة دافعها الجشع المرضي في السيطرة على الثروات وإبادة الشعوب التي تستعمرها بل تذهب إلى أكثر من ذلك من خلال تشويه الجغرافيا وتدمير الطبيعة وطمس معالم طبيعة وحضارة من تسيطر عليه من الشعوب المستضعفة كما فعلت في القارة الأفريقية والأمريكية وهنا يكمن جوهر خطبة الزعيم الهندي ( سياتل ) الذي يكشف ويفضح زيف وقسوة الرجل الأبيض .
إنّ هذا العمل الشعري هو نتاج موقف رافض لما يتعرض له الشعب العربي من إبادة بمسميات مختلفة باسم التحرير أو الربيع أو التغيير … وهو عمل يتداخل مع ما قبله ليشكّل فسيفساء تتجلى في تفاصيلها تناصات بلاغية أو لغوية أو أسلوبية ، والأهم من ذلك كله هو التناص الوجودي والفكري مع قضية الإنسان بمستوييها الأفقي والعامودي من خلال الامتداد الزمني والعمق الفلسفي ، لذلك كانت هذه المطولة الشعرية نابعة من تعالق فكري وتفاعل وجودي ملتزم أزاء القضايا الإنسانية الكبرى ، بل يتعدى ذلك إلى الموقف من جميع الكينونات الكونية ، والكائنات التي نتفاعل نحن البشر معها في خضم هذا الوجود إنها الحرية التي يحققها الكاتب من خلال موقفه الحرّ الملتزم ، فهو ليس مجرد شاعرٍ أو سارد يصف حوادثاً أو يسرد تفاصيل بقدر ما هو عنصر فاعل يتفاعل مع المحيط ويخرج من إطار الذاتية المفرطة إلى الصوت الجمعي ليكون عنصر تغيير ونقطة تنوير وسط فوضى الوجود.
فالمطولة الشعرية بؤرة جامعة للمشتركات الإنسانية المترابطة ، وهو ما يعرف بالعناصر العليا والتي تشترك بها جميع الثقافات والحضارات الإنسانية على مرّ الأزمنة والحقب التاريخية ، ليكون الفن بكل أجناسه والأدب بكل تنوعاته حاملاً لموقف ملتزم أزاء القضايا الكونية وليس مجرد نزعة ذاتية برناسية تغرق في انعزالية الفنان أو الأديب وانفصاله التام عن الواقع والعالم في برجٍ عاجي وبصوفية سلبية منكفئة على ذاتية متحجرة بقدر ما هو موقف ثائر ينشد التغيير ويطمح في رسم ملامح جديدة للواقع في خضم الصراعات البشرية من خلال ما أحتشد من رؤى ومعارف ذات مرجعيات متعددة يلتقطها الوعي في لحظة صراع وجودي ويستحضرها لتكون بؤر متفجرة دلالياً.
وهذا ما نجده من المقطع الأول للمطولة الشعرية وفي إستهلاليتها في التماهي مع القضية الكونية الإنسانية والتفاعل مع التجارب السابقة لهذا النص الشعري :
إذاً
ما اكتفيْتَ …
يا سيدَ البيضِ …
” سبعونَ مليونَ قلبٍ فقأتَ ”
في ضفافِ المسيسبي
عندَ ذاكَ الأمسِ البعيدْ
كمْ قتلْتَ ! !
يا سيدَ الخيلِ … من إخوتي … كمْ قتلْتْ…
في أمسِ روحي
كمْ تماديْتَ !!
يا ربَّ الحديدْ …
وما اكتفيْتْ
سيدَ الليلِ والخيلِ والنبيذِ المُشاعْ .
دنَّسْتَ فوقَ السهوبِ
في قوسِ قلبي
مرايا الأساطيرِ العتيقةْ ص 9/10
إنّ إنتاجية التناص في هذه المطولة الشعرية لم تتوقف عند خطبة الزعيم الهندي ( سياتل ) تحيلنا لما عبّر عنه رولان بارت في كتابه ( هسهسة اللغة ) في قوله عن عفوية الإبداع ” إنّ كلّ نصٍّ إبداعي هو في الأصل عبارة عن نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرةٍ من بؤر الثقافة ” ، فهذه البؤر التناصية كانت مراكز جذبٍ متوهجة متناغمة مع البنية الشعرية ومتعالقة معها بل جزء حيوي من نسيج العمل الشعري .

الشاعر عدنان حسين عبد الله

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *