صائب خليل : نريد تظاهرات تخلق فينا “المواطن الحاكم” (2/1)

saeb khalilوماذا بعد؟ سؤال كبير بدأ يغطي التظاهرات العارمة التي تجتاح العراق. ما الذي تعنيه الشعارات الغامضة من “القضاء على الفساد” و “رفض المحاصصة”؟ التظاهرات رائعة، لكن تظاهرات لا تقل عنها روعة في مصر انتهت بمذبحة مرعبة وبعودة نظام أكثر قسوة وبشاعة وعمالة لإسرائيل من نظام مبارك واكثر تحديدا لحرية الإعلام من نظام الأخوان، فكأن مبارك قد تنازل عن العرش لوزير دفاعه! أما تظاهرات سوريا وليبيا فحدث ولا حرج عن نتيجتها المأساوية.

السؤال الآخر: لو تمكنت التظاهرات من ضرب الفساد بالفعل، فهل سيكون النظام القادم منيعا على الفاسدين؟ أن القلق من عودة الفساد يكمن في عدم معالجة سببه الرئيسي الذي يجب ان يفهمه الشعب، وهو:إهمال الشعب استلام زمام السلطة. ففي الديمقراطية تكون السلطة للشعب، اما البرلمان والحكومة فلا يجب أن يكونا إلا ادواته للحكم، لا أن تستلم الحكم بدلا منه. الحكومة الديمقراطية ليست حتى “شريك” للشعب بالسلطة والعقد الإجتماعي بينهما عقد عمل موقت. “عقد خدمة” وليس “عقد مشاركة”.

لكن مطالب تظاهراتنا تكشف أننا لا نعي هذه الحقيقة، وأننا ما زلنا نبحث عن “حاكم صالح” يزيل لنا الفساد ويحمينا من المحاصصة ويقيم العدل ويحب الناس ويعطف على الفقراء ويبني البلاد….حاكم جميل يفعل لنا كل شيء! الشعب يريد بذلك حاكما ملائكيا لكي يعفيه من واجبه الديمقراطي الثقيل في المراقبة والمتابعة الضرورية للحكم. ما يجري الآن لا يختلف عن تقديم “عرائض الإسترحام” إلى القائد الحاكم! وقد وصل الأمر إلى ما يشبه الإنتقام الشخصي والتشهير بوزير وطلب عزله لأنه خفض رواتب البعض، بل وللدعوة إلى تخصيص تظاهرات جمعة لهذا الهدف!

كذلك فإن الدعوات الأوسع مثل تغيير الدستور عن طريق “تفويض” رئيس الوزراء ليست سوى تعبير آخر عن هذا الشعور الشعبي الخاطئ بالبحث عن حاكم “يفوضه” أمره ويترك له شأن التصرف به وهذا خطر جداً. فما أدرانا ما الذي سيفعله حاكمنا بهذا “التفويض” وكيف سيستغله؟ ومن الذي سيحترم الدستور بعد أن نسن بأنفسنا سنة مسحه بـ “تفويض” من تظاهرة؟

الغاء مجلس النواب هو أيضاً ليس مطلباً لشعب يريد أن يحكم. فمجلس النواب هو الأداة الأولى لحكم الشعب، ويده الوحيدة لمسك السلطة، ومن يريد أن يحكم لا يقطع يده الوحيدة حتى لو اعتلت، بل يعتني بها وينظفها ويطبب عللها، فليس لأحد أن يقطع يده ثم يطالب غيره أن يضرب له “بيد من حديد”! ليس لحاكم ان يكون مبتور اليد! البرلمان لم يكن هو المعرقل لسلطة الشعب حتى وهو مريض، والشعب الذي يعجز عن الحكم بوجود البرلمان لن يكون بحال أفضل بدون البرلمان، والفساد القوي بوجود البرلمان سيكون اقوى بدون وجوده. إن من يقول للشعب: “أنظر، يدك عليلة، دعنا نقطعها لك”، لا يريد للشعب أن يحكم ابداً.ساحة التحرير 3

وما هو العلاج إذن؟

إن مرضنا الأساسي هو في نقص إدراكنا لمفهوم الحكم يسري في دمنا، ودعوني أولا اصف لكم اربع حبات لعلاجه يجب أن نبتلعها قبل النوم كل يوم لنهضمها جيداً في احلامنا..

الحبة الأولى: قتل “المواطن المحكوم” في انفسنا وخلق “المواطن الحاكم”: يجب أن نتوقف عن البحث عن الحاكم الصالح، و “تفويض” هذا أو ذاك، وأن نسير لنحكم انفسنا فنخلق منا “المواطن الحاكم”..أن نرسخ في وعي المواطن حقيقة دوره وحقه الثابت فلا يتنازل عنه لأحد. وأن يعي ايضاً صعوبة هذا الدور وأن يكون مستعداً لتقديم التضحيات اللازمة له من وقت وجهد من اجل الإحتفاظ به. يجب إزاحة “المواطن المحكوم” من رؤوسنا وخلق “المواطن الحاكم” محله!

الحبة الثانية: أن يصقل الشعب اسلحته ويديمها: يجب أن نصقل ادوات حكمنا وأهمها الدستور ومجلس النواب ونحد حافاتها ونجعلها جاهزة دائما لضرب كل من يطمع بسلب سلطتنا على بلادنا أو ثرواتها. إن كل مادة في الدستور يجب أن تكون في خدمة تمكن الشعب من السلطة على بلاده وثرواتها والقرار السياسي فيها، وكل مادة غريبة لا تخدم في هذا الإتجاه يجب أن نجهد لإزالتها، وكل نظام او عرف برلماني أو حكومي أو قانوني، لا يخدم سلطة الشعب يجب ان يزال. ويجب علينا أن نراقب أي تدهور في سلطة الشعب على بلاده ونصححها حسبما يستجد من ظروف وتطور.

الحبة الثالثة: الحكومة أداة لبناء البلد وليس لحكم الشعب: علينا ان نستخدم أدواتنا لتنصيب حكومة صالحة كفوءة تدير لنا شؤون البلاد مؤقتا بما نريد وتقوم ببنائه لنا ولأولادنا واحفادنا كما نحلم. وأن لا نسمح لها بالتغول والتجرؤ على سرقتنا او الخروج عن واجبها في إدارة البلاد لحسابنا وحساب مستقبل اولادنا لأي سبب كان ولحساب أية جهة أخرى، وأن نحميها من الضغط الخارجي ومن لصوص الداخل بكل السبل، وان نمنحها كل الصلاحيات التي تحتاجها –لا أكثر – لأداء واجبها.

الحبة الرابعة: التلقيح ضد فساد السلطة بتغييرها: أن ندرك بشكل عميق أن السلطة مفسدة للإنسان وأن هذا قانون ثابت قلما يحيد عنه أحد، فحتى الشريف يمكن أن يفسد عند تعرضه لضغط السلطة لمدة طويلة لذلك يجب أن نسن القوانين التي وتؤمّن تغييره قبل ان يتغول فيه هذا الداء. لقد قال مارك توين : “السياسيين مثل حفاظات الأطفال، يجب تغييرهم باستمرار… ولنفس السبب”. وحين لا نغير حفاظات اطفالنا فليس لنا الحق أن نشكو من رائحتهم!ساحة التحرير

هذه هي الكبسولات الأربعة المضادة لجرثومة “المواطن المحكوم” في رؤوسنا. دعونا نبقي ذلك ببالنا ونتمرن على تذكره. وفي المرة القادمة عندما نقرأ أو نكتب شعارا أو مطالبة، أو مقالة او رأياً، لنضعه امام الإختبار وننظر من أي المفهومين ينطلق: “المواطن الحاكم” أم “المواطن المحكوم” ؟ وأي المفهومين يثبت في نفس المواطن ؟ هل هو أقرب إلى استجداء مواطن لحاكم او مسؤول أم أنه تقييم ومحاسبة من مواطن لمسؤول؟ وأمام أي قرار أن نتساءل إن كان يزيد قدرة المواطن على ممارسة القرار والرقابة أم العكس؟ لتكن الشعارات والمطالب التي تمر بنا اليوم ونحن نتصفح النت، تمرينا وممارسة لهذا الوعي.

إن تحقيق هذه النقاط الأربعة ليست عملية سهلة لكنها متاحة اليوم بفضل قوة زخم التظاهرات الشعبية العارمة، فدعونا ننتهز الفرصة لا لمطالب يتفضل علينا بها أحد، ولا بـ “تفويضات” لا نتحكم بها، بل بتغييرات محددة في الدستور تتيح لنا التحكم بالقرار في بلادنا. فتغيير الدستور عسير لأنه يتطلب نسبة 67% من الأصوات، والشعب يمتلك اليوم بفضل زخم التظاهرات 100% من اصوات البرلمان كما اثبتت الأيام الماضية!

علينا أن لانكتفي بضرب هذا الفاسد أو ذاك، بل أن نهدم منبع الفساد الحقيقي في انفسنا: روح “المواطن المحكوم”، ونرفع مكانه صرح “المواطن الحاكم”!… لنتعاون معا ً على تحقيق هذا الهدف الكبير ولننشر الفكرة والوعي. وبشكل خاص للمتظاهرين اوجه دعوتي أن تسمى الجمعة القادمة “جمعة المواطن الحاكم” ولنرفع اللافتات باسمه فيراها الجميع ويسأل عمن يكون، فتنتشر الفكرة ونحول وجهة التظاهرات من العشوائية والتساؤلات عن الغد، إلى هدف واضح ونبيل.

لقد جزأت المقال إلى جزئين ليسهل نشره، ولن نكتفي بالكلام العام في الجزء الثاني غداً، بل سنقدم قائمة من عشرة مطالب تؤشر انطلاقة “المواطن الحاكم”، وسنكتبها بشكل مناسب كشعارات للجمعة القادمة. هذه المطالب إن نجحنا في فرضها أو حتى بعض منها، فستكون الأدوات التي يمكننا من خلالها أن نفرض بأنفسنا كل المطالب التفصيلية الأخرى. إنه حلم كبير من اجل مواطن كريم، فالنتعاون على تحقيقه لعلنا نفخر بدورنا فيه، ففي الديمقراطية أيضاً يصح “إن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”!

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *