د. عواد الغزي : اللغة الثملة والفلسفة المقدسة في قصيدة حانة العشاق للشاعرة أسماء غريب

awwad algheziيستبطن العنوان صدمة معرفية. ذلك أن التشكيل اللغوي يقوم على المضايفة والحذف المقدر ويمكن تأويل ذلك باسترداد المحذوف المقدر( بيتي حانة العشاق)، وأما محاولة تفكيك المتضايفين(حانة العشاق) فإنها تشي بإسناد منزاح عن بنيته الأسلوبية، فالحانة لم ترسخ فضاء للعشاق في أفق التلقي، كما أن العشاق تشكيل يأبى على الانضباط في فضاء واحد، أو أنهم لم يكونوا عشاق القلوب.
ولما كان العنوان ثريا تضئ النص بحسب جيرار جينيت أو عتبة متناسلة من النص على رأي آخر فيجب استقراء المتن للوصول إلى ماهية الثريا.
ويحلينا. الاستقراء البنائي لأسلوبية النص على وجود أربعة مقاطع بنائية، تستفتح ببناء نسقي يرتكز في مطلع كل مقطع (إلهي/ بيتي) مما يعني أن النص يتكون من ثيم موضوعية متناسلة من بعضها البعض، وذلك يكفي للقول إن البنية الموضوعية للنص فردانية التشكيل ووحدانية الحدث، ولا مشاحة في ذلك فالمحذوف المقدّر في عنوان النص (بيتي) هو فضاء مكاني وحداني الوجود والاستملاك والحيازة والدلالة.
وأما محاولة تهشيم الحيازة وفك صلتها بين الفضاء (البيت) و(الأنا) وإلصاق الصلة الاستحواذية بالخالق فإن الأمر يحيل على معنى غير قار في ذهن المتلقي. ذلك ما لا يسعفه الخزين الثقافي والمعرفي له إذ تشكل النسق العبادي في أول زمنه البنائي في دلالة استحواذية مغايرة وكان الفضاء (البيت) المقدس أو المستحوذ عليه راسخا في فضاءات محددة تتجلى في (مكة / المقامات / المساجد)، وأما محاولة إضفاء القدسية على فضاء مستحوذ فهو انزياح عن نسق معرفي قار يؤدي دلالة جديدة يمكن تأويلها بوساطة تفكيك مقاطع النص الأربعة.
1—1
(بيتي حانة لايطرق بابها
إلا. من يبحث عن خمرتك)
يؤدي التشكيل النصي بوساطة اللغة الثملة وظيفة تحويل الفضاء المستحوذ (البيت) إلى فضاء مقدس تطهره الخمرة الإلهية والباحثون عنها مما يسهم في الانزياح عن النسق القار في ذهن المتلقي .
وتحاول الذات الثملة والمتماهية بالذات المقدسة بعد إنزالها في الفضاء الجديد وإثمال اللغة الواصفة لها بخمرة الارتواء الديني (مائدتي / كؤوسي/ شموعي/ جرتي/نبيذها/ تمر العشق)
وفي ذلك تستوحى اللغة الثملة في إيصال مكنوناتها المقدسة اللغة القرآنية وتوظفها توظيفا جديدا، ويتضافر هذا التوظيف اللغوي مع الانزياح الفضائي باتجاه التقديس فيجترح دلالة التوحد مع الآخر ومحاولة الارتفاع للوصول إليه والتماهي بذاته.
1—–2
(بيتي بيتك حانة خضراء
لا تغيب شموسها أبد)
asma gherib 5وأما هذا المقطع الثاني من النص فناهيك عن كونه اتجه إلى ترسيخ تحولات الفضاء ووسمه بالقدسية، فإنّه أضفى على الفضاء معنى مقدسا جديدا، ذلك أنه بعد أن كان حانة خمر إلهية غدا حانة خضراء دائمة الرؤية الإلهية، وهذا ما يشي بتكامل البناء الموضوعي شيئا فشيئا، إذ تستدعي الحانة الخضراء لونا دالا على الحياة ولكن ليست حياة العامة بل هي حياة تتحقق بشروط (الحاء)و(الباء) .وإلى هذا كله، لا يمكن أبدا إغفال تراتبية التناسل الموضوعي في هذا النص من خلال ما يحدث من تحولات موضوعية بين المقطع الأول والمقطع والثاني، إذ يصبح وجود سكارى الحاء ومطالبتهم برحيق الباء دالا على أنهم همُ الباحثون حقا عن الخمرة الإلهية أو (الحب الإلهي).
وبعد أن كانت مؤثثات الفضاء محوزة من الأنا الإنسانية فإنها غدت واشية بحيازة الذات الإلهية لها (الكأس الدهاق / العسل الزمزمي / صحب الزيتونة).
1—-3
(إلهي،
بيتي بيتُكَ، أنا الخادمةُ فيهِ والسيّدة)
وفي استقراء المقطع البنائي الثالث يبدو لنا أن التحول الذي حدث في صيغة الأنا قد أجاز تحولا آخر، إذ بدا البيت مخدوما ومحوزا ويتأتى ذلك من التماهي بالذات الإلهية فتكون الأنا المتماهية خادمة لها ومتسيدة في الفضاء نيابة عنها وبتفويض منها، ولعلّ ما يوحي بهذا التماهي بين الأنا والذات الإلهية هو أسلوب التضاد الذي تبنّته الشاعرة في بنية المقطع الثالث (الساقية والشاربة / القارورة والمشروب / الكأس والراح / الظمأ والارتواء / الفناء والبقاء)
ولم تغادر الذات بنية المقطع الثالث إلا وهي مستسلمة للذات الالهية في الوجود وخلقت مناجاة لها تشي بثمالة خمرة الصوفي والتوحد بالله (سين السبحلة/ هاء الهيللة/ عاشقي ومعشوقي). وكان عنق خاتمة المقطع الثالث دالا على التوحد والتماهي والانصهار والاندماج.
1——4
(إلهي،
بيتي بيتكَ، أنت فيه التّاجُ والكرسي
كلما ازداد ولهك بي
حلقت بي فوق عرش النون)
وبالتحول إلى قراءة المقطع الرابع من النص نجد أن الفضاء قد استحوذ عليه من الذات المقدسة، وذلك يعني أن الفضاء والأنا أصبحا محوزان من الذات الإلهية وأن الفضاء لم يبق بيتا للأنا بل غدا بيتا للذات الإلهية. وكل مافي الفضاء محوز لها. وتظهر البنية النصية في المقطع الرابع نهاية والتحولات الأسلوبية للفضاء التي بدت من المقطع الأول:
حانة خمر. > حانة خضراء >
بيت الخادمة والسيدة. > بيت الله .
وكما تؤكد البنية المقطعية الرابعة التوحد بين الأنا والذات الإلهية بوساطة ارتقاء لغة التوحد وثمالة نسقها:
فالحانة حانتنا وأنت ولاأناالليلة هنا
ولا أحد ثانينا في يوم العشاق هذا
ياأنت ياهائي وواوي
يا أنت يا أنا
ولايمكن إغفال وظيفة اللغة الثملة في النص فهي لغة العشق المغايرة للغة الأصل وهي اللغة الحاملة لنبؤات الذات ورغبتها في الأفول بذات أخرى (الهاء والواو) ومابين الهاء والواو يأتي التفرد بهما استحواذا في وعي ثمل ثمالة مقدسة (ولا أحد ثانينا)
ويحيل الانصهار والتوحد والثمالة إلى تأويل الدلالة في الهاء والواو والتفرد على أنها (هواي)، ولابد للهوى من غرام رابط بين الذاتين فكان (كأس الغرام) تأثيثا للفضاء البيت وصلة ربط وتوحد بين الذاتين.
وأما محاولة ربط ذلك بما بدا في العنوان فانه يحيل على أن الحانة هي بيت الله الذي يناجي الصوفي فيه خالقه وينزله منزلة الذات المتجلية ويرتشف الخمرة الإيمانية برؤيته كي يستحوذ صولجان المملكة السوداء

*
هنا نصّ القصيدة التي تمّت دراستها:
حانة العُشّاق
د. أسماء غريب
(1)
إلهي،
بيْتِي حانةٌ لا يَطرقُ بابها
إلاّ منْ يبحثُ عن خمرتكَ
فهذي مائدتي، وتلكَ كؤوسي
وهذي شموعي، وتلكَ جرّتي
التي لا ينفد نبيذها أبدا
وهذا أنتَ وهذه لاأنا
عابرةُ سبيل تعصرُ لضيوفكَ
تمْرَ العشقِ كلّ يوم
يا إلهي
(2)
إلهي،
بيتي بيتُكَ، حانةٌ خضراء
لا تغيب شمُوسها أبدا
كلّما شرب منها سُكارى الحاء
طلبوا المزيدَ من رحيق الباء
وكأسي كأس دهاق
يفيضُ منها عسلُ نجمك الزمزميّ
ولا يشربُ منها سوى صَحْب الزيتونة والنخلة
يا إلهي
(3)
إلهي،
بيتي بيتُكَ،
أنا الخادمةُ فيهِ والسيّدة
والساقية والشاربة
والقارورة والمشروب
والكأسُ والرّاح
والظمأ والارتواء
والفناء والبقاء
يا أنتَ، يا سين السَّبْحَلة
وميم الحمْدلة وهاء الهَيْللة
ويا كافَ التكبير وقافَ الحوْقلة
يا عاشقِي ومعشوقِي
وزادي وشمعتي
يا إلهي
(4)
إلهي،
بيتي بيتكَ،
أنتَ فيه التّاجُ والكرسي
كلّما ازدادَ وَلهُكَ بي
حَلّقْتَ بي فوق عرْشِ النّون
وأعطيتني صولجانَ مملكة الزهرة السوداء
فاسقني السّاعةَ من كأسِ الغرام
واروني بماء الهيام
فالحانةُ حانتُنا وأنتَ ولاأنا الليلة هُنا
ولا أحدَ ثَانِينَا فِي يوم العُشَّاقِ هذا
يا أنتَ، يا هَائي وَوَاوِي
يا أنتَ، يا لاأنا
يا إلهِي.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *