بروست صموئيل بيكيت-الفاصل الثامن
ترجمة: حسين عجة

إشارة : بهذا الفصل – الثامن والأخير – من كتاب بيكيت الهام عن مارسيل بروست يختم الأستاذ المبدع ( حسين عجة ) هذا السفر الرائع الذي رحلنا معه في عوالم أخاذة – وعبر مقترب فريد – في عوالم بروست ، إطلعنا فيه على الكيفية التي يثبت الناقد – بقراءاته التحليلية الجديدة – أن النص لا يمكن أن يُستهلك وأنه يمكن أن يكتب نصا محايثا لنص كبير . لقد أمتعنا حسين عجة بهذه الترجمة الجديدة على ذائقة القاريء العراقي وأضاف إلى معرفتنا ببيكيت ناقدا وببروست روائيا الكثير … فشكرا لأبي علي العزيز .

أعني بانطباعيته حكمه اللامنطقي على الظواهر في نظامها ودقة إدراكها الحسي، قبل أن يتمّ تشويهها بالعقلاني، الذي يخضعها لسلسلة السبب والنتيجة (1). يشكل الرسام “إليستر” نموذجاً للانطباعي، الذي يُثبتْ ما يراه وليس ما يعرف أنه ينبغي عليه رؤيته : على سبيل المثال، استخدامه لتعبيرات المدينة لوصف البحر والمفردات البحرية لوصف المدينة، وذلك لكي يُدخل على تماثلها حدسه الخاص. كذلك كنا قد ذَكّرنا بتحديد شوبنهور للمنهج الفني باعتباره “تأمل العالم باستقلاليته عن مبدأ العقل “principle of raison””. في هذا السياق، يمكن الجمع ما بين بروست وديستويفسكي، الذي يقدم شخوصه دون تبريرهم. قد يجري الاعتراض بأن بروست لم يقم بشيء أكثر من شرحه لشخوصه. بيد أن تلك الشروح تجريبية وليست استدلالية. أنه يقوم بشرحهم لكي يظهروا كما هم عليه –لا يُفَسرونْ. يُفسرهم جانبياً (2).
لقد تمّ الشعور بأسلوب بروست في فرنسا، بشكل عام، كونه دائرة أدبية مغلقة. أمّا الآن، حيث لم يعد مقروءاً، فقد سلموا بسخاء بأنه كان يمكن أن يكتب نثراً أسوء حتى مما قام به. لكن، في ذات الوقت، من الصعب أن يُقدَرْ أحدهم بعدالة أسلوب ما لا يحيط به علماً إلا عن طريق الاستدلال، كذلك لا يمكننا القول عنه بأنه قد نقل كتابات بروست، بل خان ميلاً في هذا الاتجاه. ذلك لأن الأسلوب عند بروست، كما هو بالنسبة للرسام، قضية تتعلّق بالرؤية وليست بالتقنية. كما أنه لا يشارك بذلك التطاير القائل بأن الشكل فراغ وبالتالي يمكنه احتواء كل شيء، ولا يتعامل مع النموذج الأدبي المثالي باعتباره ما يمكن إيصاله عبر سلسلة من الفرضيات المطلقة والأحادية الجانب. ذلك لأن قيمة اللغة عنده تفوق بأهميتها أي نظام أخلاقي أو إستيطيقي. في الحقيقة، لا يقوم بروست بأية محاولة تَفصلُ الشكل عن المحتوى. فكل واحد منهما تكريس للأخر، الكشف عن العالم. أن العالم البروستي مُعبر عنه مجازياً من قبل حرفي، ذلك لأن الفنان قد أدركه وقبض عليه مجازياً : بفضل الإدراك الحسي اللامباشر والمُقارن. أمّا المعادل البلاغي للواقع البروستي فهو سلسلة-شكل “chain-figure مجازية. أنه أسلوبٌ مُتعَبٌ، لكنه لا يُتعَبْ الذهن. فوضوح العبارة لديه وضوح تكميلي وانفجاري. تعب المرء تعب القلب، والدم. أنه يغضب وينهك بعد ساعة، يغرق، ويقعُ تحت ذروة الموجة وتكسر المجاز بعد المجاز الآخر : لكنه لن يُصْعَقْ. فليس ثمة من مبرر لأسلوب مُغلف، مليء بالمحاكاة، وغامض ويستحيل متابعته.
من المُثير للدهشة أن تكون غالبية صور بروست نباتية. فهو يماثل ما بين الإنساني والنباتي. ويتركز وعيه بالإنسانية كحقل نباتي، وليس كحقل حيواني أبداً. كذلك يأسف “على تَضيّيع المرء لوقته بتنجيده لحياته بالنبات الإنساني المتطفل”. أنه يرى زوجة وأبن “سدانر” الهاوي على ساحل مدينة “بالبيك” للمرة الأولى وكأنهما زوج من الزهور. أي أنه يطابق ما بين الإنساني والنباتي، ويدرك ما هو إنساني كنباتي، وليس كحيواني (لا توجد قطط سوداء أو كلاب وفية عند بروست)، كذلك يتأسى على أولئك الذين “يبددون أوقاتهم بتركهم لحياتهم تكتظ بالطفيليات الإنسانية والنباتية”. فعلى ساحل مدينة “بالبيك” تظهر له زوجة “سدنار” وأبنها كزهرتين. أما ضحكة “إلبرتين” فلها لون ورائحة وردة حمراء قانية. و”جلبرت” و”أوديت” هما وردتان من ورود الليلك، بيضاء وبنفسجية. أنه يتحدث عن مشهد « Pélléas et mélisande » الذي يثير لديه حمى الورد ويجعل أنفه يرشح. أن هذا الانشغال يترافق بصورة طبيعية مع عدم اكتراثه بالقيم الأخلاقية والعدالة الإنسانية (3). فالوردة والنبتة لا تتمتعان بوعي إرادي، ولا تستحيان، فهما تكشفان عن أعضائهما التناسلية. كذلك فإن أرادة الرجال والنساء في المشهد البروستي عمياء وقاسية، لكنها لا تتمتع بالوعي الذاتي، ولا تتلاشى أبداً ضمن الإدراك المحض لمادة خالصة. أنهم ضحايا لاختيارهم، ويتحركون عبر ممارسة محددة سلفاً، ضمن الحدود الضيقة لعالم غير نقي. لكنهم لا يخجلون. إذ لا يتعلق الأمر عندهم بالصواب والخطأ. كذلك لا يُطلق بروست على المثلية اسم الخطيئة : فهي خالية من التضمينات الأخلاقية باعتبارها نمط من التخصيب عند « Primula veris » أو « Lythrum salicoria ». كذلك تظهر المرأة والرجل وكأنهما يتوسلان الحصول على ذات محضة، كالأعضاء في العالم النباتي، لكي يمرا من حالة الإرادة العمياء نحو التمثيل. بروست هو تلك الذات المحضة. الخالية تقريباً من أية إرادة ملوثة (4). كما يشكو من نقص في إرادته إلى أن يفهم تلك الإرادة، النفعية، خادمة الفطنة والعادة، والتي لا تشكل شرطاً للتجربة الفنية. فحين تُعفى الذات من الإرادة يتحرر الموضوع أيضاً من السببية. (يؤخذ الزمان والمكان سوية). كذلك يتم تنقية هذا النباتي الإنساني ضمن التعالي الإدراكي الذي يتمكن من القبض على النموذج « Model »، على الفكرة « Idea »، وعلى الشيء بحد ذاته “the Ting in itself”.
ليس هناك، إذاً، من انهيار للإرادة عند بروست، كما هو الأمر عند “سبنسر”، “كيتس” و”جيورجيون”. فهو يجلس طيلة الليلة مع غصن شجرة تفاح في طريقه للتورد، موضوعاً بالقرب من سراج طاولته الليلية، يحدق برغوة تويجاته البيضاء حتى يأتي شروق الشمس ويجعلها حمراء. بيد أن هذا لا يتماثل مع ذلك الركود المرعب والصاعق عند “كيتس”، الجاثم في بطاقة متعفنة، الملغي كنحلة، في الحلاوة، “الناعسة في دخان الخشخاش” والتي تراقب “بقايا السبخة، ساعة بعد ساعة”؛ ولا حتى تلك العاطفة النائية، الساكنة، ومنقطعة الأنفاس تقريباً “لجيورجيون” الشاب، الروحي المنتشر ضمن الفساد، الندي والمتعفن، الذي يوحي به برقة “أنانزيو” في وصفه لكونسرتو ) “ma se io penso alle sue mani nascoste, le imagino nell’atto di frangere del lauro per proufumarsene (le dita”. والذي يساء تماماً تأويله من نفس الكاتب حينما يرى في شخصية “تامبستا” المحكوم عليها بالجذل وكأنها شخصية “ليندر” السوقية المعلقة ما بين ذروتي نشوة جنسية؛ ولا حتى تلك الرمانة المرعبة لـ « Il Fuoco »، التي تنفجر وتنزف، وتدع رشحها الأحمر يسيل من حباتها، وتتحجر من فوق مياه متحجرة. أن الركود البروستي هو تأمل، حركة من أجل الفهم، لا إرادية، الـ « amablis insania » و “المالك فانسن”.
يمكن لكتاب أن يُكتب عن الدلالة الموسيقية لعمل بروست، وبصورة خاصة عن موسيقى “فنتاي” : السوناتا والسباعية. أمّا تأثير شوبنهور على الاستدلال البروستي فلا يمكن الشك به. فشوبنهور يرفض فهم “لايبنتز” للموسيقى باعتبارها علم حساب خفي، كما تفصلها إستطيقيته عن باقي الفنون، القادرة وحدها على توليد الفكرة “Idea” وما يرافقها من الظواهر، فيما تكون الموسيقى هي الفكرة بحد ذاتها، غير مكترثة لعالم الظواهر، وتقيم مثالياً خارج الكون، كما لا يكون تخيلها ضمن الزمان والمكان وحدهما، وبالتالي لا يمكن أن تمسها الفرضيات الغائية. أن هذه الخاصية الجوهرية للموسيقى يتمّ تشويهها من قبل السامع الذي يصر، كذات غير نقية، على أعطاء شكلاً لما هو مثالي وغير مرئي، وذلك بتجسيده للفكرة ضمن ما يتصوره كنموذج يمكن الاستحواذ عليه. وهكذا تكون الأوبرا، بالضرورة، أفساد قبيح لما هو لا مادي من بين جميع الفنون : أن مفردات الحرية بالنسبة للموسيقى التي تقوم بتجسيدها تشبه مسلة “فاندوم” بالنسبة لعمود ما. من وجهة النظر هذه تكون الأوبرا أقل كمالاً من المسرحية الهزلية التي تدشن على الأقل كوميديا ناجزة في عددها. أن هذه التأملات تفسر القناعة الجميلة لـ « da capo » باعتبارها شهادة على الطبيعة الحميمية والخارقة لفن ذهني خالص ولا يقبل الوصف أبداً. الموسيقى هي العنصر المُحفز في عمل بروست. أنها تضمن لعدم إيمانه استمرارية الشخصية وواقعية الفن. كذلك تقوم بتركيب اللحظات المميزة وتركض في موازاتها. ففي أحد المقاطع يصف معاودة التجربة الصوفية كونها انطباع موسيقي خالص، لا يتمدد “non-“extensive”، أصيل بكامله ولا يمكن اختزاله إلى انطباع آخر،…. “sine material”. يرى الراوية -على عكس من “سوان” الذي يطابق ما بين “عبارة السوناتا القصيرة” مع “أوديت”، ويجعل ما هو خارق للمجال مجالي، ويثبته باعتباره لعنة قومية لحبه- في الجملة الحمراء للسباعية، وهي تصدح بانتصارها في الحركة الأخيرة وكأنها رئيس الملائكة في ملابسه القرمزية، والتعبير المثالي واللامادي لجوهر الجمال المُتفردِ، لعالم واحد، عالم “فنتاي” الثابت والجميل، المُعبر عنه بحياء، كصلاة، في سوناتا لا تتوسل، لكنها بمثابة ألهام لسباعية ومناشدة على “الواقع اللامرئي” الذي يلعن حياة الجسد على الأرض باعتبارها ألم ويكشف عن معنى مفردة : « defunctus ».

ملاحظات

  1. أمثلة : منديل ساقط في الطين ينظر إليه وكأنه ريشة قلم ضوئية، صوت المياه في الأنابيب وكأنها عواء كلب أو أطلاقة لصفارة إنذار، ضوضاء نابض باب مقفل وكأنه أوركسترا “Pilgrim’s Chorus”.
  2. مماثلة ما بين ديستويفسكي ومدام سفينيه : في كتاب “في ظل الفتيات بعمر الزهور”، ص 75.
  3. أنظر كتاب “السجينة”، ص 119.
  4. أنظر “إلى جانب أسوان”، ص 22، 24، 59، وكذلك إلى “جانب آل غيرمونت”، ص 2، 188، و”إلبرتين المختفية”، ص 149 (Paralysed by’O Solo Mio in Venice”.
  5. ملاحظة من المترجم : تمت الترجمة عن الإنكليزية وهي مأخوذة عن كتاب “بروست وثلاثة حوارات مع جورج ديويث”، منشورات “كالدر” John Calder Publisher.

شاهد أيضاً

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(6)من قتل شمر ؟

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *