عدنان حسين عبدالله : (سِفرُ المزامِير)

adnan husseinالمزمورُ الأوّل :

في ظلِّ أبعادِ اللغة ، فيما وراءَ معاجمِ الروحِ القديمة ، أقصى امتدادِ مسافةِ المعنى في ظلِّ ما رسمتْ أناشيدُ الملاحمِ من حياةٍ في تفاصيلِ الأساطيرِ العتيقة …
– يا شَجْرَةَ التوتِ العظيمة ، مُذْ كنتِ شاهدةً على وقعِ الجريمة ، مُذْ صارَ بيرامُ النقي ، قربانَ عشقٍ للهزيمة ، من قبلِ طوفانِ الإله ، الحربُ في أوروكَ ما زالتْ مقيمة …
يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، آتونُ هذي الحربِ دوماً لم يكنْ يوماً رمادْ ، لم يُطفِئِ النهرانِ نهرَ النار في جسدِ الوهادْ ، لم يُوقِفْ النخلُ الحشودْ ، حينَ استباحَ القادمونْ ، أرضَ أوروكَ الطهورْ …
يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، مُذْ كنتِ شاهدةً على وقعِ الجريمة ، خُوَذُ الجنودِ على الحدودْ ، أعشاشُ دوريٍّ وبيتٌ للحجلْ ، وعلى ركامِ حديدِ أسلحةِ الدمار ، تتسلّقُ الأدغالُ أشلاءَ الجنود … والعوسجُ البريُّ يحتضنُ الركامْ ، وفصيلُ نملٍ مسرعٍ بينَ الجماجمِ والعظامْ ، فوقَ أقفاصِ الصدورِ بلامبالاةٍ تسيرُ في مهلٍ عناكب ، والطيونُ زهرُ العزلةِ الأبدي ينمو فوقَ أقحافِ الجماجم …

– يا شجرة التوتِ العظيمة
فمتى نغادرُ سالمين ، ليلَ الهواجسِ والأنين ؟ ! … ومتى نرى في الروح ، فسحةً للناي يروي ظمْأة التوليبِ في همسٍ سماويِّ الرنين ؟! … ومتى نرى أسماكَ دجلةَ لاتخاف .. ممّا طفى فوقَ الضفاف …. !!!

المزمور الثاني :

[في مرايا الصحوِ تنثالُ الرؤى وهجاً يسيلُ على شقوقِ الروح في ليلِ غابات الحجر … لا شيءَ يأتي من شمال الجرحِ لمّا أجدبتْ هذي السماءُ من الغيوم … الملحُ يعلو في زوايا الروح ، فيخضرَ الألمْ ، ويسيل هاجسُ رؤيةٍ فوق الكلام … لتحلَّ فوق تفجّر الصوتِ نبوءاتُ المرايا … ] – يا أثينا ساعدينا وابتدي فينا ، فصلَ تحويلِ الحجارةِ في ترانيمِ الحياة ، امنحينا سرّ مرآةِ الإلهِ الصافية … ( فميدوسا) تجلّتْ في الخطايا مثلَ ثعبانٍ بعتمِ الليلِ ينفثُ سمّهُ في عمق أرواحِ الضحايا … حوّلتْ كلَّ النخيلِ إلى حجر ، جمّدتْ صوتَ العصافيرِ النبية ، جفّفَتْ ضوءَ القمر ، في إثرها يجتاحُ ثعبانُ الهلاكِ دروبنا . فوقَ دمائِنا تأتي الثعابينُ بليلٍ من أرقْ ، تغرورقُ الروحُ بدمعِ جراحِها لمّا يؤرّقُها الظلام ، وتسيلُ في أخدودِ صمتِ الروحْ… (أصداءُ الرثاء) :
ليلٌ على وطني
من عتمةِ الوثنِيّ
موتٌ على أرضي
صمتٌ غشى مدني
خوفٌ على النخلة
من نفثةِ الأفعى ..
قلبي يؤرّقني
كالوردةِ العطشى
قلبي يناديني :
قلبي على وطني….

– يا أثينا
لا ينتهي فينا الظلامُ فساعدينا واحرقي فينا شجيراتِ التعبْ ، على مرِّ الجراحِ تجرُّ ( ميدوسا ) على وادي القصبْ ، أستارَ ليلِ الأوبئة ، خلصي أرضي من اللعنة ، والبسي درعَ الذهب ، امنحي (برسيوس) سيفَ النورِ والترسَ الموشّى بالمرايا … لينقضَّ كنَسرٍ من لهبْ .. ويقطعَ الرأسَ القبيح ، وتدوّي الآفاقَ أصواتُ النشيد :
ستعلو دوماً الغيمة
فوق مفاوزِ العتمة
وتبقى تمنحُ النجمة
زيتَ النورِ والحكمة
ليعيدَ بعثَ الروحِ في الكِلْمَة
الكِلمَة الحرّة ، الكلمة الغيمة ، الكلمة النجمة
ستنبتُ في ضميرِ الأرضِ كالبذرة
البذرة الشجرة
ستعطي زيتَ حكمتِها
للدوريِّ والزهرة
وتحملُ قبّراتُ النورِ وسطَ قلوبها البذرة
البذرةُ الذرّة
ستنمو في عروقِ قلوبِنا ثورة
لتزهرَ من تفجّرها
كواكبُ أرضنا الحرّة
المزمور الثالث ( نشيدُ الاعتراف بالخطايا )

أتعبنَاكَ يا وطني
أتعبناكَ أتعبناكْ…
جرّدناكَ مِن معناكْ
عذبناكَ حينَ تجذّرَتْ أشواكُ خطأتِنا على مسراكْ
فامتلأتْ زوايا قلبِكَ الدامي بالطعناتِ والأشواكْ .
أورثناكَ تِرْكَتَنا من الأهواءِ والطغيان ، وبعضاً من حديدِ الحربْ
نقتلُ بعضنا فيها لكي يبقى الغرابُ على شمالِ الجرحِ في رؤياكْ .
أتعبناكَ في مسراكْ
دققنا ألفَ مسمارٍ على معراجِ خطواتِكْ … وكبلناكْ
فوقَ صليبِ زهوتنا وأغرقناكَ في بحرٍ من الآلامِ والخيباتْ .
وكمّمنا سماءَكَ من حرائقنا
فما عادتْ نجومٌ تملأ الآفاقْ
ولا غيمٌ يناجي النخلَ في الأفلاكْ .

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: كَمَن في ذاتهِ يسهو

كَمَن في ذاتهِ يسهو ….. ويشكو جورَ ايّامِه وَيَحْشـو كَـفّهِ خـَجِلاً ….. تـَعاويذاً لأحلامِه يـُناجي …

إنه الوطن يا شاعري..
بدل رفو
النمسا\ غراتس

لم تعد في المآقي دموع لتذرف! ولم تبقى في الفؤاد من الآهات والمكابدات للتأوّه!! ملّ …

من التراجيديا العراقية – اللبنانية
شعر/ ليث الصندوق

من بعدِ إطفاءِ الحرائقِ واقتيادِ دخانِها للأسرِ يرسفُ في قيودْ ما عادَ طبّاخو الجِمارِ يُتاجرون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *