صدور كتاب : “مدني صالح بأقلام منصفيه” (ملف/31)

madani saleh 2إشارة :
احتفاء بتراث الفيلسوف العراقي الراحل الدكتور “مدني صالح” ، وبمساهماته الفذّة في الثقافة العراقية والعربية ، تبدأ اسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف الخاص عنه ، والذي تدعو الأخوة الكتّاب الأحبّة إلى المساهمة فيه . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة أسرة الموقع حيث لا يتحدّد الإحتفاء بالفكر بمساحة زمنية معينة .
صدر كتاب مدني صالح بأقلام منصفيه طبعه على نفقته الخاصة واشرف على إخراجه الدكتور مصطفى محمد امين الهيتي، فيما اعده وجمع مقالاته الدكتور وليد عبد الحميد الهيتي، في حين راجعه وكتب المقدمه له الدكتور ريكان ابراهيم. الكتاب يقع في 330 صفحة من القطع الكبير.

المقالة : 
وهو عبارة عن مجموعة المقالات التي كتبها اصدقاء ومجايلي وابناء بلدة المفكر مدني صالح، الذي لم ينل الاهتمام الكافي من الاعلام والصحافة. فبأستثناء هذا الكتاب لم يكتب عن مدني صالح في ذكرى وفاته في 20/ 7/ 2007, وتوالت السنين وظل مدني مهمشاُ عن الذكرى واستعادة كتاباته بالرغم من انه كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس بطروحاته الفلسفية العميقة ومجادلاته التي لاتنتهي ومعاركة الادبية الكثيرة.
مدني صالح تخصص في الفلسفة والادب وكان خريج أول دفعة من طلبة قسم الفلسفة في جامعة بغداد ثم اكمل الماجستير في جامعة كامبريدج ببريطانيا وترك دراسة الدكتوراه فيها وعاد الى العراق لانه بطبعه متمردا ولا يقنع بالاشياء بسهولة فتمرد على نظم الجامعة وعاد ليدرس الفلسفه في جامعة بغداد. وهو في نظر الكثير من الادباء والد كاترة والعلماء لايحتاج الى الدكتوراه بل هو الذي يمنحها للاخرين بسبب علمه وثقافته وفلسفته.
كان التمرد سمة اساسية في تفكير وسلوك وحياة مدني.. متمردا على المقولات الجاهزة، ومتمردا على اساليب الكتابة التقليدية، ومتمردا على الظلم المجتمعي المتفشي بين الناس، ومتمردا ضد غش السياسيين والمصلحين الاجتماعيين. بالاضافة الى موقفه من الدعاة بدءاُ من النخب الثقافية في المجتمع الى النخب السياسية المسؤولة عن الفساد والخراب. وهذا جعله يبدو كسقراط بغداد المكافح من اجل الحرية وضد الظلم على حد تعبير د. رسول محمد احد تلامذة مدني.
كان مدني صالح معتدلاُ بأرائه وكتاباته لذلك كانت الصحف العراقية (كما يقول حميد المطبعي) منقسمة بين صحف تخشي كتاباته فتعزف عن نشرها وصحف تجاهد لاقناعه بالنشر مع عدم وجود الرقيب لاشطبا ولا حذفا, ومع ذلك كان مدنياُ لايخضع لرقيب ولا اقترب من رئيس تحرير او وزير اعلام ولم ينحن لعاصفة سياسية او حزب او عساكر انما امن بنفسه تشع مادامت تشع خيرا فلا خوف عليه..
كان مثالا في موكب جنح الى الهاوية وكان يقدم صورة لقلم اقوى من الكارثة.
ويتذكره تلميذه الاخر(هادي نعمان الهيتي) فيقول في اوائل الخمسينات وكنت في دراستي المتوسطة فقال لي استاذي مدني صالح انني اعد كتابا عن المأثورات الاجتماعية الشعبية واريد ان أملي عليك فصول الكتاب كي اقدمه الى المطبعة لانك خطاط وبالعربية فحل فأجبته بالترحاب.. وبدأنا العمل في المقهى الشهيرة (الشاقوفه) في هيت التي تطل على نهر الفرات و كانت مجلساُ للشيوعيين الذين ضيعوا (العيش والباطية)!
ويضيف الهيتي كان مدني يخرج بعض قصاصات الورق ويبدأ بصياغة الجمل والعبارات وانا اكتب حتى انتهى العمل فيه لمدة اسبوعين من ايام العطلة الصيفية. وبعد ايام صدر الكتاب بعنوان (اشكال الوان) وكان فيه مدني يفند الافكار الوهمية والخرافية لكن بحذر شديد.
ويذكر الدكتورعبد الستار الراوي اشياء عن ذلك من خلال ماكتبه مدني ذاته في مقاماته الاولى والثانية فيقول:ـ

وفي البدء كان الحب
وكان الفرات
ومن المياه الاولى انبثقت هيت
ومن شواطئها السخية
صدرت الموجودات
وجرى على ارضها نهر الجنة
ومن هيت لامن مدينة اخرى
حملوا (هٌبل) وسارت به وبالهوى الابل
ومن هذه المدينة لاغيرها
خرج البناة الذين شادوا الاهرام في مصر والسور في الصين
والبرج البابلي في العراق
وقيل انها قامت وازدهرت قبل ان يكون احد من السومريين في الوجود

نقلوا منها الطابوق والحجارة والالكار والجص وجذوع النخيل. وان المعماريين قد سافروا منها الى (اريدو) فتفضلوا على اهلها وعلموهم بناء الزقورات انها مدينة الحب، لاقاتل ولا مقتول، الا قتيل الهوى في اسفار العشاق الفقراء.
في حين يشير د. ريكان ابراهيم في مقدمته للكتاب انه شديد الحزن للاهمال الذي عاناه هذا الفيلسوف في حياته بالرغم من انه احد علماء عصره.. وكان ساخرا لكن ليست السخرية القائمة الهائمة انما المتبناة على روح النقد ومحاولة تقديم بدائل للموضوع وليس عن الشخص المحاور.
ويضيف:ـ ان صدور هذا الكتاب وجمع ما كتب عن مدني لهو افضل عمل قدمه د. الهيتي لانه جمع تراثا لن يضيع.
وكلما نتصفح كتابات المبدعين عن هذا الفيلسوف تتجدد ذكراه وذكرى الزمن الجميل الذي انجبه، والكارثة ان مثل هذه النماذج امثال مدني والوردي وطه باقر وغيرهم لاتجدلها بديلا بسبب انهيار الحياة وتغير اخلاقيات العمل والثقافة والسياسة والعلم وكل شيء.
وكنت ارقبه حينما يأتي الى دار الجماهير (التي تجمع جريدة الجمهورية ومجلة الف باء وبغداد او بزرفر والمطبعة) فأجده سريع البديهية متوقد الفكر عذب الكلام، تنبهر لنباهته ودقة تفكيره وسلاسة تعليقاته وملاحظاته التي تمنحك القدرة على التفكير الجديد. يعشق الفلسفة ويريد لها ان تكون زادا للناس كافة لانها منطلق الصيرورة الحضارية ومهمازالتطور والارتقاء. وبدون الفلسفة لايمكن للحياة ان تكون ثرية.
ومن سخرياته انه لايعترف بالالقاب والمراتب في حين ان المفارقة ان النخبة العراقية منحته لقب فيلسوف العراق الكبير وهو في مقتبل العمر وقبل وفاته بعقود.وهذا امتياز لمدني صالح وهو لم يغرب مع المغربين ولم يشرق مع المشرقين ولم يسر يوما الا مع مدني صالح ولم يحسن العزف الا على اوتاره.. اوتار مدني صالح (على حد تعبير عبد الحميد برتو).
اما خصوم مدني صالح كما يعرفهم (حميد المطبعي) فهم:

– خصم يرى الجهل هو المعرفة وهو من رجال السياسة
– وخصم يشبه الاقطاع وبيدهم مفاتيح الملك
– وخصم اشد كرها لثقافة الفلسفة وهم اصحاب الامتيازات

هؤلاء خصومه يعرفهم منذ اللحظة التي ولدت الفلسفة من فمه لانه فيلسوف.
ولكل من امثاله ثلاث حواس.. حاسة يشم فيها الخطر قبل غيره، وحاسة يعرف بها كيف يؤثر خواطره في الناس، والحاسة الثالثة فلا يتنازل عنها حتى لو سلخ جلده من عظامه وهي التي يكتشف بها الظلم، وقد يكون الظلم اغتصابا او جهلا او غفلة او ترويجا لمذهب فاسد. وفي هذه الحواس (كما يشير المطبعي) جلس مدني كسقراط اليوناني يلمز ويدوخ الذين يزيفون الحقيقة ثم يصرخ, واذاصرخته تهز الرعب والمرعبين! وعندما اصدر مدني صالح كتابه (مقامات مدني صالح – 1989) صنف الناس الى ثلاثة..

01 عابث مدفوع الى الحياة بغرائزه
02 متشكك بقدرة المعرفي على اجتراح معجزة الانماء
03 مخلوق على ابائه يتسول على الطار
وقال لكل هؤلاء مدني صالح.. اخرسوا فأنتم بكم صم مٌذ ولدتكم امهاتكم.. ثم يضحك مدني على حياة اؤلئك..!
كانوا يقولون على عهده انه انزل الفلسفة الى الشارع، وهو رأي جميل في ظاهره ولكن خطره انه يصور مدني صالح وكأنه لم يقم بجهد اخر وهذا فيه ظلم كبير لمدني. لانه كان انسانا مفكرا عظيما ومجددا وانقلابيا ومتمردا وشجاعا في طروحاته. وليس معنى ان يكتب بلغة سلسلة محببة ومبسطة ان علمه بسيط او فقير بدليل انه صاحب اهم بحث عن الوجود في تاريخ مكتبة الفلسفة الاسلامية بالعربية. وهو صاحب البحث الاصيل عن ابن طفيل وحي بن يقظان عندما كشف سرقة داينيل ويفو لفكرة روايته روبنسون كروزو من ابن يقظان. وهو صاحب دعوة ضرورة انقاذ الطاقة التربوية من الهدر في تعليم الانكليزية بلا جدوى, وضرورة استبدالها بمؤسسات (ترجمة وتعريب فاعلة) وهو رأي انقلابي على جميع مناهج التعليم في العراق والوطن العربي. كما انه صاحب النقض الخطير لنظرية نهاية التاريخ وهو الذي استدرك على ابن خلدون في نظريته عن البداوة والحضارة والصراعات البشرية فصحح وصوب. وهو الذي نقد هيجل ووصمه بالنظرة الروبنكروزوية. واوجد اخطاء الفلسفة الغربية المتعددة التي وصمها بعدم تمييزها بين (مفاهيم الثقافة والحضارة والمدنية). وهو عكس كل ذلك صحح وميز ونقد وأسس لكثير من المفاهيم الفكرية ليس اولها نظريةالفن للحياة التي تعتمد على اهمية الرمز والحلم وقلل من المباشرة والواقعية الجامدة. وهو صاحب الخلاصة الرائعة للفلسفة التي كتبها في عدة مقالات مهمة. وهو الداعي الى تبني البافلوفية في علم التربية وصناعة العادات، و الوجودية في علم النفس، والفرويدية في علم الاخلاق وهو رأي خطير جداُ (على حد تعبير د. منقذ ماشاء الله).
كتاب مدني صالح بأقلام منصفيه خطوة مهمة لحفظ الكثير من اراء واقوال ومواقف هذا المفكر الكبير.. فكل مقالة من مقالات الكتاب تجد فيها جديداُ عن الذهنية المتوقدة لهذا الفيلسوف البارع. وندعو هنا لتبني كتب هذا العبقري واعادة طبعها لاسيما تلك التي صدرت مابين 1955- 2002 لزيادة الفائدة وحبذا لو تقوم مؤسسة المدى السباقة في نشر المعرفة والعلم لتحقيق هذا الهدف النبيل.

* عن صحيفة المدى.

شاهد أيضاً

رحاب عوض: رؤيا نقدية في شعر يحيى السماوي (ملف/128)

إشارة : يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ …

الشاعر العراقي سعد جاسم: الشعرية العربية تعاني الآن من خفّةٍ وإستسهال فاجعين أَجرى الحوار : عبد الناصر الدشناوي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

مقروناً بقراءة لديوانه “طائر بلا سماء”
سعد جاسم الكائن الذي عزف موسيقاه على ضفاف شط الحلة
كتابة: احمد الحلي (ملف/5)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *